للمرة الاولى: فيلم اميركي يمجد بطولات الروس!

موسكو - من رايسا زوبوفا
هاريسون فورد يرى ان المشاهد الاميركي لم يتقبل الشخصية المعقدة التي قدمها في الفيلم

جرى في مطلع شهر تشرين الاول/اكتوبر في روسيا العرض الأول للفيلم الاميركي "ك- 19 صانعة الارامل"، وهو فيلم مقتبس عن قصة حقيقية من حياة رجال الغواصات السوفيت. وفي روسيا تم عرض الفيلم باسم "الخطر على الحياة".
قصة الفيلم تدور عام 1961 حين أصيب المفاعل الذري الموجود في الغواصة "ك - 19" في حادث مما اسفر عن بدء تسرب الاشعاعات منه. وكانت الغواصة تتواجد بالقرب من شواطئ الولايات المتحدة. وجاهد البحارة مضحين بانفسهم للحيلولة دون انفجار المفاعل ونشوب حرب عالمية ثالثة وذلك اذا ما اخذنا بالحسبان توتر الاوضاع الدولية في تلك الفترة.
دورا قبطان الغواصة ومساعده الاول لعبهما النجمان هاريسون فورد ولايم نيسون.
وعندما نشأت في الولايات المتحدة فكرة تجسيد قصة الغواصة "ك - 19" على الشاشة قوبل الامر في روسيا بشكل بالغ السوداوية. فالأمر كان، ونظرا لمحاولات هوليوود السابقة في عكس حياة الشعب الروسي، ان الاميركيين يعرفون ويفهمون القليل جدا عن روسيا. وتصوراتهم عنها مبنية بشكل اساسي على قوالب ودمغات سيئة هي في اغلبيتها قديمة وجامدة.
في الافلام الاميركية يتجول الروس حتى في فصل الصيف مرتدين قبعات الفرو، كما يشربون الفودكا ويرقصون الفولكلور بشكل دائم. واهم ما يشغلهم السير في الاستعراضات حاملين العلم الاحمر للثورة الروسية.
غير انه بعد الثورة الديمقراطية في العام 1991 يحاول الغرب فنيا وباخلاص ادراك نمط الحياة في روسيا، العدو السابق بالامس الذي اصبح شريكا اليوم. ويقدر الروس هذه المحاولات الا انهم لا يعتبرونها ناجحة بشكل عام.
وعلى سبيل المثال فان الفيلم الالماني-الاميركي "العدو على الابواب" الذي جرى عرضه في عام 2001 ويتحدث عن المعركة الاهم في الحرب العالمية الثانية، وهي معركة ستالينغراد، قوبل في روسيا باهتمام صحفي ضئيل بالرغم من المشاعر الطيبة التي كانت تختلج في صدر المخرج الفرنسي جان جاك آنوبال، هذا على الرغم من مشاركة النجمين جود لو وايدا هاريس في تمثيله.
ويعتبر هذا الفيلم اول فيلم الغربي يعترف بالاسهام الضخم الذي ابداه الاتحاد السوفييتي في تدمير الفاشية، ويظهر للشعب السوفييتي التعاطف والمودة. ومن غير المستغرب ان يكون المخرج قد غضب فيما بعد بسبب قلة تقدير الروس لموقفه.
وكان الجمهور الروسي ينتظر شيئا مماثلا من فيلم "ك - 19" الذي رافقته المشاكل منذ اللحظة الاولى للتصوير. ان البحارة الذين ظلوا احياء بعد كارثة الغواصة "ك - 19"، والذين التقت بهم في روسيا خصيصا في ديسمبر/كانون الاول عام 2000 المخرجة الاميركية كاترين بيغيلو، اعربوا عن احتجاجهم الشديد على محتوى الفيلم. فبرأي المحاربين القدماء ان سيناريو الفيلم يسيء جدا لرجال الغواصات السوفيت، اذ يظهر ان هؤلاء لا شغل لهم على متنها سوى الشرب واللعب بالورق كما وانهم لا يظهرون اي انضباط. اما هيئة البحارة وعلاقتهم بشخصيات الفيلم فانها لا تتطابق ابدا مع الواقع.
المخرجة قامت وبطلب من البحارة القدماء بتغيير السيناريو عدة مرات. ابطال الفيلم الذين كانوا في البداية يحملون اسماء البحارة الحقيقيين للغواصة "ك - 19" اصبحوا يسمون باسماء أخرى. الا ان كاترين بيغيلو رفضت تغيير فكرتها حول الفيلم تغييرا تاما فهي لم تشأ ان تصور فيلما وثائقيا وانما فيلما فنيا بامكانه ان يتضمن بعض الخيال وحتى المبالغة.
في الفيلم، وباعتراف الخبراء، هناك ثمة مشاهد ومواقف كان من النادر تصورها في الواقع السوفييتي السابق كتمرد المساعد على قبطانه على سبيل المثال.
وبالرغم من عدم التطابق الكلي لأحداث الفيلم مع الواقع الحقيقي للأمور الا ان الفيلم قوبل في روسيا بشكل طيب سواء من الجمهور او من النقاد. وتم الاعتراف بمهارة عمل الممثلين الذين تمكنوا بالفعل من تجسيد شخصية العسكريين الروس الشجعان والحاسمين ولا سيما هاريسون فورد الذي جسد الشخصية الحقيقية لقبطان الغواصة وهي شخصية الرجل القاسي ولكن العادل الذي تمكن من تنظيم الناس وجعلهم يفعلون ما هو ضروري في الوضع الاستثنائي ويتحملون المسؤولية في ذلك.
هاريسون فورد نفسه وفي مقابلة مع الصحافة الروسية رأى ان شخصية قبطان الغواصة "ك - 19" صعبة التقبل لدى المشاهد الاميركي الذي تعود على المواقف النفسية السهلة في السينما. ففي منتجات هوليوود السينمائية هناك بكل بساطة "فتيان جيدون" يصارعون "فتيانا سيئين" والاوائل ينتصرون دائما.
كما وان محبي الافلام في اميركا لم يتقبلوا أمرا آخر وهو ان فورد في فيلم "ك - 19" وغيره من الممثلين "يمجدون" الروس الذين انقذوا العالم. فالمشاهد الاميركي قد تعود على ان ذلك الامر هو من اختصاص الاميركيين فقط. ولعل هذا يفسر اسباب عدم نجاح الفيلم في الولايات المتحدة.
اما في روسيا فعلى العكس من ذلك يتوقع الخبراء ان يحرز فيلم "ك – 19 صانعة الارامل" مكاسب كبيرة على شباك التذاكر. وهنا لا بد من الاعتراف بانجاز هوليود : كاترين بيغيلو وفريقها قاموا بما كان يجب ان يقوم به السينمائيون الروس وهو تمجيد انجاز البحارة الروس الذين لم ينقذوا غواصتهم فقط وانما حالوا دون وقوع مأساة تطال العالم بأسره.
العرض الاول للفيلم جرى في معبد الفن الروسي اي مسرح مارينسكي الشهير في سانت بيتربورغ الذي اشتركت الاروكسترا الخاصة به في وضع المؤثرات الصوتية للفيلم. المسؤول الفني للمسرح وقائد الاوكسترا المعروف فاليري غيرغييف اعترف بان الفيلم اثار لديه "انطباعا عميقا" وقال "انا كنت احب بلدي قبل هذا الفيلم واصبحت احبه أكثر بعده".