الفلسطينيون يدفعون مجددا ثمن الصراعات الدولية والإقليمية

بقلم: ماجد كيالي

مجددا يبدو أن الشعب الفلسطيني سيدفع ثمنا باهظا للصراعات والمتغيرات الدولية وللخرائط التي يجري إعدادها للمنطقة، على خلفية الهجوم على واشنطن ونيويورك (في 11 سبتمبر) والحرب الأميركية المبيتة ضد العراق، لكأنّ الحظ العاثر وتصاريف القدر العجيبة تضع، في كل مرة، هذا الشعب في مواجهة غير متكافئة مع المفارقات التاريخية الكارثية التي تجعله يخسر جولات صراعه مع المشروع الصهيوني برغم كل التضحيات والبطولات التي يبديها.
ففي بداية القرن الماضي، وبعد الحرب العالمية الأولى، دفع الشعب الفلسطيني ثمن انهيار الإمبراطورية العثمانية واقتسام تركة "الرجل المريض"، من قبل الدول الاستعمارية، بصدور وعد بلفور (1917) ودعم الدول الغربية للمشروع الاستيطاني الصهيوني.
وقد تكرر الأمر ثانية إثر ظهور النازية في ألمانيا واندلاع الحرب العالمية الثانية إذ تعززت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ثم أدت التوافقات والخرائط التي أعقبت هذه الحرب إلى قيام دولة إسرائيل ونكبة الشعب الفلسطيني. وحدث ذلك للمرة الثالثة إبّان صراعات الحرب الباردة بين القطبين الاشتراكي (السوفيتي) والرأسمالي (الأميركي) حيث اعتبر الصراع العربي ـ الإسرائيلي جزءا من صراعات هذه المرحلة وقد أدى ذلك إلى خسارة الفلسطينيين للضفة وقطاع غزة، في حرب 1967، وهما ما تبقى لهم من أرضهم بعد النكبة الأولى.
المرة الرابعة جاءت إبّان الانتفاضة الكبرى الأولى( 1987 ـ 1993) والتي وجدت نفسها فجأة أمام أفق مسدود، بنتيجة الزلزال الناجم عن تداعيات احتلال العراق للكويت ثم حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وكانت هذه التداعيات بمثابة مكسب خالص لإسرائيل وخسارة للفلسطينيين (والعرب عموما)، وعلى خلفية كل هذه التداعيات عقد مؤتمر مدريد للتسوية وفق الشروط الأميركية ـ الإسرائيلية.
وهاهي تصاريف القدر تضع الفلسطينيين للمرة الخامسة، خلال أقل من قرن، أمام التداعيات العاصفة لحدث سبتمبر والحرب الأميركية ضد العراق والتي لا يعرف أحد، حتى الآن، مداها أو نتائجها، وما هو الثمن (المعنوي والمادي) الذي سيتم دفعه.
ويبدو من أوجه عديدة أن هذه المرحلة تختلف عن غيرها، من المراحل السابقة، حيث يواجه الفلسطينيون، على كافة الأصعدة، جملة من التحديات العسيرة والمعقدة، دفعة واحدة.
فعلى الصعيد الدولي، مثلا، وبعد أن باتت الولايات المتحدة الأميركية بمثابة القطب، الأوحد، المهيمن على العلاقات الدولية، جاءت إدارة جديدة إلى البيت الأبيض تتبنّى، بكل ما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وجهة نظر طرف معين في إسرائيل، يتمثّل باليمين المتطرف، بعد أن اعتادت الإدارات السابقة التعامل مع إسرائيل بجملتها، وهذا هو التطور الجديد في هذا الأمر.
والإدارة الأميركية، هذه، التي يتحكم فيها مجموعة من المتطرفين اليمينيين والمتدينين، لا تتوقف، مثلا، عند حدّ رفضها التعامل مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فحسب، وإنما هي تعمل من أجل إقصائه وتغييره، أيضا، وهي لا تتعامل مع قضية الفلسطينيين باعتبارها قضية تحرر وطني من الاحتلال وإنما باعتبارها مجرد ذريعة للقضاء على إسرائيل التي تعتبرها حجر الزاوية في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
وثمة معطيات وتسريبات تؤكد بأن بعض أركان هذه الإدارة (من مثل دونالد رامسفيلد وريتشارد بيرل وبول فولفويتز) متورطة تماما في تشجيع حكومة شارون على البطش بالشعب الفلسطيني وتقويض سلطته والتخلص من عملية التسوية برمتها، وربما الذهاب أبعد من ذلك كثيرا، بعد أن بات الحديث عن مخططات "الترانسفير" وتغيير الخرائط وإمكان مشاركة إسرائيل في الحرب على العراق، إلى حد استخدام سلاحها النووي ضده، حديثا علنيا متداولا في مختلف المحافل السياسية.
وفوق كل ذلك فإن مشكلة الفلسطينيين، على الصعيد الإسرائيلي، تكمن أيضا في أن الهجوم الإرهابي على واشنطن ونيويورك، عزز من نفوذ التيار المتصهين في الإدارة الأميركية، ما كانت نتيجته إعادة الاعتبار للدور الاستراتيجي الذي كانت تضطلع به إسرائيل في المنطقة في إطار السياسة الأميركية.
والأنكى أن هذا التطور جاء في ظرف يحتل فيه حزب الليكود (بزعامة شارون) واليمين المتطرف (الديني والقومي) سدة السلطة في إسرائيل وهو تيار يدعو إلى بعث الصهيونية، التي تآكلت (برأيه) بفعل عملية التسوية وإلى تعزيز مكانة إسرائيل على الصعيدين الدولي والإقليمي على أساس تصفية القضية الفلسطينية نهائيا وفرض نظام إقليمي جديد بوسائل القوة والإملاء في المنطقة بحيث تتبوأ فيه إسرائيل، من موقع الشريك المميز لأمريكا، موقع الهيمنة على مختلف الأصعدة في مقابل تهميش الدول العربية.
أما على الصعيد العربي فقد تفاقمت مشكلة الفلسطينيين بسبب الحال الذي وصل إليه العرب بعد حدث سبتمبر وفي ظل مناخات الحرب ضد العراق. فالعرب، في ظل تداعيات هذه الأحداث، باتوا على عجزهم وتشتتهم مذهولين وفي حيرة من أمرهم، على المستوى الداخلي، وعلى الصعيد الخارجي ضعفت أو قيّدت قدرتهم على تقديم الدعم السياسي للفلسطينيين، إذ انحسرت مكانتهم الدولية، عموما، وفي السياسة الأميركية، خصوصا، إلى الحد الذي بات بوش فيه ينسق سياساته إزاء المنطقة مع إسرائيل، في وقت يمعن فيه في تجاهل العرب والاستهتار بمكانتهم والحطّ من قدراتهم والاستهانة بردود فعلهم الرسمية منها والشعبية.
وقد كشفت الوقائع الأخيرة عمق العلاقة السياسية التي تربط بوش وأركان إدارته بشارون وحكومته، إذ تم استدعاء هذا الأخير للقاء الرئيس الأميركي، في واشنطن، ووضعه في صورة المخططات الأميركية المبيتة ضد العراق، من موقع الشريك، وهو وضع لم تشأ الإدارة الأميركية أن تشرك به أحدا من حلفائها، ربما باستثناء بريطانيا، وهذا يضع إسرائيل في مركز المقرر في مصير المنطقة ورسم خرائطها المستقبلية، بمعزل عن إرادة العرب وعلى الضد من مصالحهم وحقوقهم.
وفي هذه الزيارة تفتقت عبقرية "الحاوي" الأميركي عن خطة لتهدئة الصراع على الجبهة الفلسطينية، اسميت "خريطة طرق" ليس إنصافا للفلسطينيين وإنما لرشوة العرب وتهيئة المسرح أمام الحرب الأميركية المبيتة ضد العراق، على حد تعبير شارون ذاته! والأنكى أن هذه الخطة لا تعدو أكثر من "طبخة بحص" جرى إعدادها مع شارون، وتتمثل بالإفراج عن جزء يسير من أموال الفلسطينيين المحتجزة لدى إسرائيل وتسهيلات على الورق لغرض الترويج الإعلامي ومجرد خطة غير واضحة المعالم وبدون أي جدول زمني أو آلية للتنفيذ.
المعنى أن المطلوب من الفلسطينيين والعرب، في هذه المرحلة المصيرية، "التحلي" بنعمة الصمت والتلهّي بالخطة الأميركية وعدم التشويش على صيحات الحرب الأميركية التي تستهدف، ربما، المنطقة كلها، في وقت يواصل فيه شارون مساعيه لتغيير الواقع في الأرض الفلسطينية، مستغلا طبول الحرب التي تقرع ضد العراق والدعم الأميركي اللامحدود له، بعد أن طوّبه بوش بأوصاف عديدة معتبرا إياه رجل سلام ورجل آنساني والرجل الذي يدافع عن أمن الإسرائيليين! وبعد أن اعترف شارون بأن بوش هذا هو أفضل رئيس أميركي بالنسبة لإسرائيل.
وعلى أية حال فإنه في مراحل سابقة استطاع الفلسطينيون، بفضل دينامية قضيتهم ومكانتها على الصعيدين العربي والإسلامي وتناقضات الوضعين: العربي والدولي، أن يجتازوا العديد من المطبّات والعواصف التي واجهتهم, حيث أثبتوا مرارا وتكرارا بأنهم قادرون في كل مرة التعالي على جراحهم بفضل قوة تحملهم وإيمانهم بقضيتهم واستعدادهم العالي للتضحية وخبرتهم في اجتراح طرق جديدة للصمود والكفاح، ولا شيء يثبت أن الأمر في هذه المرحلة سيكون غير ذلك، برغم من كل الصعوبات والتعقيدات وأيضا برغم كل المتغيرات.