الخيال والواقع في مهرجان الاسكندرية السينمائي

الاسكندرية (مصر) - من رياض ابو عواد
الممثلة اللبنانية برناديت حديب جذبت الانظار بحساسية ادائها

الخيال والواقع، كانا موضوعي فيلمين عرضا في اطار المسابقة الرسمية لمهرجان الاسكندرية السينمائي اولهما "نغم الناعورة" للمخرج التونسي عبد اللطيف بن عمار الذي يمزج بين الحلم والخيال، والاخر "لما حكيت مريم" للمخرج اللبناني اسد فولادكار المستوحى من قصة حقيقية.
يعالج المخرج التونسي عبد اللطيف بن عمار في فيلمه "نغم الناعورة" من خلال وجوه عدة للحلم والخيال، واقعا تونسيا يقرر ابطاله بعد انكسارات وانتصارات بناء حلمهم على ارض وطنهم.
يقوم الفيلم على ثلاثة شخوص رئيسية من الواقع التونسي. الاول تمثله شخصية علي العائد من الولايات المتحدة الى بلاده التي فر منها خائفا من تحمل اية مسؤولية الى جانب اصدقائه الحالمين بمستقبل افضل لبلادهم.
وفي الطرف المقابل توجد شقيقته الطبيبة التي لجأت مع زوجها ميلودي معلم اللغة الفرنسية الى اقصى الجنوب التونسي الاكثر قساوة وشظفا في العيش، حيث تؤسس مستوصفا ويقوم زوجها بتربية جيل جديد ينشا على التضامن والانفتاح على المستقبل والحياة.
اما الوجه الثالث فتمثله شخصية زينب التي اعتقدت انها حصلت على حريتها اثر طلاقها فتحاول اعادة بناء حياتها وتبحث عن حبها الاول محمد.
وهناك ايضا محمد خبير الآثار والقارئ الجيد للتاريخ التونسي الذي يرى حلمه في الهجرة الى خارج تونس ويسعى في انتظار ذلك للعمل في احد الافلام الاجنبية التي تصور في بلاده.
وسط كل هذا يبدو اختيار المخرج للسيارة الاميركية المكشوفة التي يتنقل بها علي ومحمد وزينب عبر الاراضي التونسية، معبرا، وقد تم هذا الاختيار بحسب ما قال عبد اللطيف بن عمار في الندوة التي اعقبت عرض الفيلم، "لتقديم تفاهة الحلم الاميركي الذي يتغلغل داخل ابناء الشعوب الفقيرة هربا من واقعهم المر الذي يصعب تغييره بالتركيز على تفاهة الاستهلاك".
ويتابع الثلاثة الطريق الى حيث يسعى علي الى ملاقاة شقيقته وزوجها زميل طفولته وشبابه.
ويصلون اخيرا الى منزل شقيقة علي وزوجها صاحب الثقافة العالية صديق الشاعر التونسي اليساري الكبير صالح قرماية صاحب ديوان "اللحمة الحية" (شخصية حقيقية رحلت عام 1976) حيث تدور المواجهة بين جميع الاطراف.
فميلودي الذي امضى عمره مدرسا ابناء القرية الصحراوية اللغة الفرنسية وامور الحياة يعيش حياته بين زجاجات البيرة والشعر والتدريس، ويحاول الهرب من الخيانة التي تعرض لها من شقيق زوجته اثناء نضالهما في احد التنظيمات السياسية اليسارية. ويفرض ميلودي على الجميع المواجهة بين بعضهم البعض ومع انفسهم.
ولا يوفر الا زوجته التي لحقت به ايمانا منها بمبادئه، والتي تحب ايضا شقيقها الذي اوصتها امها به وهي في النزع الاخير قبل ان تموت وهي سعيدة بعودة الفلسطينيين الى ديارهم.
وقال المخرج بعد الندوة لعدد من النقاد الذين احاطوا به ان هذا المشهد يوحي "بالسخرية من انتصار كهذا يأتي عبر معاهدة اوسلو".
ويلحق علي في النهاية رغم محاولة زينب ثنيه عن ذلك بفريق التصوير ويخرج من الخيمة مرتديا ثيابا عسكرية رومانية، ثم حاملا ورقة تافهة من المال.
ويعود باحثا عن زينب ويسرقان السيارة الاميركية باتجاه الحدود ولكنها تغرق في الرمال الصحراوية ويقف علي مشدوها امام مشهد ما تبقى من حلمه الاميركي.
ويلخص مخرج الفيلم بداية فيلمه ونهايته بمشهد "الناعورة" تدور بالاطفال وهي، في رأيه، "تدور حول محور ثابت" هو الحياة، والناعورة هي الحلم الذي تلخصه بطلة الفيلم بـ"اني عندما ادور بها مفتحة عيني يبقى ما حولي عاديا ولكني عندما اغمض عيني وتدور بي يصبح العالم اكبر والحياة اكثر سعادة".
ويقول المخرج ان الفيلم "دعوة للصفوة التونسية من المثقفين بالثبات على ارض الوطن فكل ما عدا ذلك زائل".
اما الفيلم اللبناني "لما حكيت مريم" فيتطرق الى قضية عدم انجاب الزوجة ولجوئها الى اي طريقة تمكنها من الاحتفاظ بالرجل الذي تحب وهي قضية قديمة تعرضت لها السينما العربية اكثر من مرة، ولكن الجديد فيها البساطة وجمالية نقل التعبيرات.
والفيلم كما يقول مخرجه اسد فولادكار "يستند الى قصة حقيقية وقعت في لبنان" ويصور العلاقة الزوجية الجميلة بين "مريم" (برناديت حديب) وزياد (طلال الجارودي) والتي تفشل بعد ثلاث سنوات من الزواج عندما يكتشفان ان مريم غير قادرة على الانجاب.
ويضع هذا الاكتشاف مريم في مواجهة ضغوط اجتماعية وعائلية كبيرة تؤدي في النهاية الى اتفاق الزوجين على الطلاق على ان يرزق الزوج بولد من زوجة ثانية ثم يعودان للعيش معا.
غير ان الحبيبين يعودان بعد الطلاق الى علاقتهما فتضبطهما الزوجة الجديدة في الفراش مما يؤدي الى اصابة مريم بانهيار عصبي ودخولها مستشفى الامراض النفسية ثم موتها.
ويتميز الفيلم بقدرة على الاقناع في اداء الفنانة برناديت حديب، وجاءت طريقة الجمع بين مقاطع الفيديو ومشاهد من غسل زياد لجسد زوجته الميتة واستعادته للكثير من مشاهد حياتهما، وجمالية انتقاء الاطار وحركة الكاميرا على وجهه وتعبيرات الممثلة، لتخلق عالما سينمائيا في منتهى الرقة والانسانية.
وعبر عن ذلك عدد من مشاهدي الفيلم اذ قال احدهم في الندوة التي اعقبت العرض ان "جمال الصورة ورقة الاداء ابكياني اكثر من مرة، فحساسية الفيلم عالية جدا".
ورغم اعتراف فولادكار بقدم الفكرة، فقد قال "ما دامت مثل هذه الحالة تتكرر في مجتمعاتنا فهذا يعني انها ليست قديمة وستبقى متجددة وضمن عشرات التنويعات عليها ورغم كل الملاحظات التي طرحت بشان قدم الفكرة فان التعليقات التي سمعتها حملت اعجابا بالفيلم وهذا يعني انني نجحت باختيار طريقة العرض وحساسيته ورؤيته من ضمن نظرة جديدة".
ومن جهة اخرى قرر رئيس مهرجان الاسكندرية السينمائي الدولي مصطفى محرم منع فيلم "فاطنة" التونسي من المشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان بعد اكتشاف ان الفيلم شارك قبل شهرين في مهرجان القدس للافلام وذلك استجابة لقرار نقابات وجمعيات مقاطعة اسرائيل.
والفيلم من اخراج التونسي خالد عربال ومن انتاج فرنسي تونسي.