الاقليات الالمانية في التشيك وبولندا لازالت مشكلة

برلين - من ليون مانجاساريان
شتويبر، الذي تنتمي زوجته لالمان اقليم السوديت، اكثر احساسا بمشكلات الاقليات الالمانية

قد تواجه جمهورية التشيك وبولندا نهجا سياسيا متشددا بشأن ملايين الالمان الذين تم طردهم من البلدين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وذلك في حالة تحقيق المرشح المحافظ لمنصب المستشار إدموند شتويبر الفوز في الانتخابات العامة الالمانية في وقت لاحق هذا الشهر.
ففي إطار أكبر عملية للتطهير العرقي في أوروبا في فترة ما بعد الحرب، تعرض حوالي 15 مليون ألماني للطرد معظمهم من بولندا وما تعرف اليوم بجمهورية التشيك، إضافة إلى أعداد أخرى من روسيا وسلوفاكيا والمجر.
ويقول المؤرخون الالمان أن ما يربو على مليونين من هؤلاء اللاجئين توفوا أو قتلوا خلال عمليات الطرد.
وقد حظي هذا الموضوع الذي عادة ما كان ينحى جانبا من جانب الكثير من القادة السياسيين، باهتمام شعبي واسع ومفاجئ خلال هذا العام في ألمانيا حيث تم عرض فيلم وثائقي هام عنه على شاشات التليفزيون، كما كتبت مجلة "دير شبيجل" الاخبارية الاسبوعية واسعة الانتشار تقريرا مطولا عنه، وكذلك تعرض له الروائي الالماني الحاصل على جائزة نوبل جونتر جراس في كتاب له.
كما قام شتويبر أيضا بدوره في هذا الشأن من خلال خطاب حظي باهتمام إعلامي كبير ألقاه في أيار/مايو الماضي أمام جماعة ضغط رئيسية لالمان إقليم السوديت، وهو الاقليم الذي يضم اغلبية المانية في جمهورية التشيك، تطالب بالربط بين معاملة حكومة براغ للاقلية الالمانية في التشيك، وبين انضمام جمهورية التشيك للاتحاد الاوروبي.
وقد تجنب شتوبير وضع معايير محددة تربط بين المطرودين والعضوية - كما يطالب بذلك بعض المتشددين - إلا أنه يطالب جمهورية التشيك بإلغاء مراسيم "بينيس" التي تم بموجبها تجريد ما يربو على 3.5 مليون من الالمان من جنسيتهم وممتلكاتهم وإبعادهم عن وطنهم التاريخي في أعقاب هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.
وفي إثارة لقلق براغ يقول شتويبر أنه سيعمل على ضمان ربط قضية ألمان السوديت بمحاولة جمهورية التشيك الانضمام إلى عضوية الاتحاد الاوروبي وهو الامر المتوقع حدوثه بحلول عام 2004.
ويحذر شتويبر قائلا "إذا ما انتخبت فإن (حكومة التشيك) لن تجد محاورا يتجنب الخوض في الموضوعات غير السارة".
ويقول المرشح المحافظ أنه يتعين على ألمانيا أن تصر على ضرورة تضمين حقوق الالمان في اقليم السوديت فيما تسمى بمعايير كوبنهاجن للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي التي تشمل حقوق الاقليات.
وتعترف مصادر تشيكية بأن ما يربو على 20.000 من ألمان السوديت قد توفوا خلال عمليات الابعاد. أما ألمانيا فتقول أن هناك 200.000 ألماني توفوا أو قتلوا وأن هناك الكثير من تقارير شهود العيان عن عمليات إعدام وتعذيب للمدنيين حتى الموت وعمليات اغتصاب.
وتخشى حكومة براغ من أن يفتح إلغاء مراسيم "بينيس" الطريق أمام رفع دعاوى قضائية من جانب الالمان الذين فقدوا ممتلكاتهم، وأن يكون ذلك بمثابة تقويض للنظام الذي كان قائما بعد الحرب والذي أجاز في مؤتمر بوتسدام لعام 1945 عمليات الطرد التي قامت بها القوى المنتصرة.
وكان رئيس الوزراء التشيكي ميلوس زيمان، الذي استقال من منصبه في حزيران/يونيو الماضي، قد فجر ثورة غضب في وقت سابق هذا العام بعد اتهامه ألمان السوديت بأنهم كانوا "الطابور الخامس" لادولف هتلر، وزعمه بأن طردهم كان كرما ومنة من جانب التشيك إذا ما أخذ في الاعتبار أن العقوبة العادية للخيانة هي الاعدام.
وكإجراء جيد يتعين على إسرائيل، كما قال زيمان، أن تنتهج نفس سياسة السوديت وأن تقوم بطرد الفلسطينيين.
وقد رد شتويبر على ذلك قائلا "إن أي شخص يدعو في بداية القرن الحادي والعشرين إلى تقليد عملية طرد ألمان السوديت، إنما ينتهك قوانين وقواعد البيت الاوروبي بأكثر الاساليب شدة".
وقد أجبرت اقوال زيمان الهجومية على ألمان السوديت المستشار الالماني جيرهارد شرويدر على إلغاء زيارة كان يعتزم القيام بها لبراغ في الربيع الماضي، وذلك برغم الجهود الكبيرة التي بذلتها حكومته التي يقودها حزبه الاشتراكي الديمقراطي في عدم السماح للماضي بأن يسمم العلاقات الحالية.
غير أن شرويدر برغم ذلك استمر على نهجه المعتدل المتناقض بشدة مع نهج شتويبر الذي هاجم "غالبية الصفوة السياسية التشيكية لاخفاقها في التخلي عن نزعتها الوطنية في التفكير، حتى بعد اثني عشر عاما من انهيار الشيوعية".
ويتهم شتوبير - الذي تنتمي زوجته إلى ألمان السوديت - شرويدر بالسعي لاحالة مسألة السوديت " الى المتحف" ووعد بأن يتغير ذلك إذا ما انتخب مستشارا للبلاد في انتخابات الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر الجاري.
وتشكل بولندا هدفا آخر لشتويبر فيما يتصل بحقوق المبعدين والاقلية الالمانية الباقية هناك.
وكان قد تم إبعاد ملايين الالمان بعد الحرب من الاراضي الالمانية السابقة - سيليزيا وبوميرانيا وأجزاء من إيست بروسيا - والتي أصبحت جزءا من بولندا.
وقد جاء ذلك، كما يتعين التأكيد عليه، في أعقاب حمام الدم الذي ارتكبه النازيون في بولندا والذي قام فيه المحتلون الالمان بقتل ثلاثة ملايين يهودي بولندي ومليوني مسيحي بولندي خلال الفترة من عام 1939 وحتى عام 1945.
وقد دعا شتويبر إلى إعطاء الالمان حقهم في العودة إلى بولندا، غير أن البولنديين يخشون من عمليات بيع الممتلكات للالمان الاثرياء. ولهذا فإن وارسو تناضل بشدة لمنحها فترة انتقالية مدتها 12 عاما قبل السماح للاجانب بتملك العقارات في بولندا وذلك بعد انضمامها المحتمل مع جمهورية التشيك للاتحاد الاوروبي في عام 2004.
ومازال يتعين على البولنديين التصويت في استفتاء على الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي وقد يدعم موقف شتويبر، كما يقول المحللون، من التصويت ضد الانضمام إلى تكتل بروكسل.
ومازال من المحتمل أيضا أن يكون موقف شتويبر مجرد نباح لا يرقى لدرجة العض إذا ما فاز بالسلطة، خاصة وأن ألمانيا هي الشريك الاقتصادي الرئيسي لكل من جمهورية التشيك وبولندا.
فوفقا لارقام مكتب الاحصاء الفدرالي الالماني، فإن التجارة المتبادلة بين ألمانيا والدولتين ضخمة للغاية حيث بلغت قيمة الصادرات الالمانية لجمهورية التشيك 29 مليار مارك (14.4 مليار دولار) في العام الماضي في حين بلغت قيمة الواردات 28 مليار مارك.
أما الصادرات الالمانية لبولندا فقد بلغت قيمتها في عام 2001 حوالي 30 مليار مارك، في حين زادت قيمة الواردات على 26 مليار مارك.
ولن يستطيع شتويبر، الذي يؤيد زيادة وتوسيع تجارة المانيا لحل مشكلة البطالة، ان يتحرك الا في مساحة محدودة. فميراث الحرب العالمية الثانية لازال اثقل كثيرا من ان تستطيع المانيا وحدها تغييره.