تونس: ضرب العراق مغامرة خطيرة

تونس
المقدم: التجربة التونسية في التضامن الاجتماعي يمكن تعميمها على مستوى العلاقات بين الدول

قال يوسف المقدم وزير الدولة للشؤون الخارجية التونسي ان الوضع الاقليمي يشهد تعقيدا كبيرا سواء فيما يخص الملف الفلسطيني او قضية المواجهة الحالية بين العراق والولايات المتحدة.
وقال المقدم في مقابلة خاصة مع "ميدل ايست اونلاين" ان الشعب الفلسطيني يعيش ظلما بينا على يد الاحتلال الاسرائيلي وهو ما يصب في صالح المتطرفين، واشار الى ان الحكومة الاسرائيلية تسعى الى هدم كل ما تم الاتفاق عليه بينها وبين الفلسطينيين تحت حجة مكافحة الارهاب وكأن القضية الفلسطينية هي قضية ارهاب، وليست قضية عادلة كما يعترف بذلك المجتمع الدولي. واعتبر ان سياسات رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون تغذي التطرف وتجهض المبادرات العربية الرسمية لايجاد سلام عادل وشامل في منطقة الشرق الاوسط كما حدث في الرد الاسرائيلي السلبي على مبادرة السلام العربية في مؤتمر بيروت هذا العام والاستمرار في دوامة العنف.
واعتبر المقدم ان الوضع الخاص بالعراق شائك وان الحظر الدولي لم يأتي باية نتائج وتحمل الشعب العراقي الكثير من المعاناة ودعا الى تطبيق قرارات مجلس الامن بصورة عقلانية للخروج بحل سياسي للازمة الحالية.
وقال ان تونس ساهمت بشكل فاعل في الحوار بين العراق والامم المتحدة من اجل الابتعاد عن منطق استخدام القوة في حل النزاعات. واشار الى ان الوضع المتردي في الاراضي الفلسطينية وعدم الاستقرار في افغانستان يجعلان من المسعى الاميركي لضرب العراق مغامرة خطيرة للجميع، قد تؤدي بالمنطقة الى اوضاع يصعب التحكم بها.
واضاف ان المنطق يتطلب الاستثمار فيما تحقق اثناء قمة بيروت من مصالحة بين العراق والسعودية والكويت، وتشجيع ترتيب البيت العربي وليس العكس. ولهذا فإن الحديث عن ضرب العراق يعتبر بدون جدوى، ويجب الوصول الى حل سياسي يتماشى مع قرارات مجلس الامن.
وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية التونسي ان الوضع العالمي في المرحلة الراهنة يطرح اكثر من أي وقت مضى ضرورة وضع مسودة سلوك عالمية تمنع ازدواج المعايير.
وتعتبر تونس انه من الضروري والملزم ان تترافق العولمة بوضع مسودة للسلوك العالمي.
واوضح المقدم ان المقاربة التونسية في هذا الشأن مهمة لأنها تعتبر ان قوانين وشرائع الامم المتحدة لا تجد التطبيق المتوازن والذي يبتعد عن المعايير المزدوجة وان الاطار النظري لهذا القوانين لا يجد بعدا اجتماعيا يراعي الخصوصيات ويبتعد عن التحيز ويتمكن من تنظيم العلاقات بشكل اكثر انسانية.
وتعتبر تونس ان من المهم التمسك بالشرعية الدولية، وان حلول مشكلات العالم يجب ان تكون دائما سلمية، مهما كانت تعقيداتها. ولكن لكي تتمكن الدول من حل المشكلات تحتاج الى بعد اضافي وضع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ملامحه في دعوته لوضع مسودة السلوك العالمي التي تعتمد كخطوة اولى على استشراف المستقبل، وان تكون نظرة الدول للمشكلات نظرة شمولية لا تنحصر في الجزئيات، كما ينبغي ان تكون نظرة عقلانية. الشراكة المتوسطية وعن رؤيته لشراكة دول البحر المتوسط مع أوروبا قال الوزير التونسي ان الشراكة الاوروبية – المتوسطية يمكن ان تكون نواة لتفاهم عالمي لان مشاكل العالم تمر في منطقة البحر المتوسط، ولهذا يصبح من المجدي لجميع الاطراف الوصول الى صيغة للتفاهم والتلاقي تجمع بين الدول وخصوصا من الناحية الاقتصادية.
ويعتقد المقدم ان اعلان اغادير (4 زائد 6) يمكن ان يمهد الطريق للشراكة الاقتصادية بين الدول المغاربية والاتحاد الاوروبي.
وقد تم وضع مشروع للتجارة الحرة تأمل تونس في التوقيع عليه قريبا وتعتقد ان ابعاد هذه المشروع السياسية والاقتصادية والاستراتيجية تؤكد الاهمية الكبرى للضفة الجنوبية من البحر المتوسط. كما ترى ان الاتفاقيات الثنائية الموقعة بين تونس والدول المغاربية هي خطوات في اثراء الشراكة الاوروبية – المتوسطية.
وستحتضن تونس قمة 5 زائد 5، وهي القمة التي تجمع الدول المغاربية مع الدول الاوروبية في غرب المتوسط، اسبانيا والبرتغال وفرنسا وايطاليا ومالطا، لوضع الاسس العملية للشراكة المتوسطية. أحداث سبتمبر يرى الوزير التونسي ان احداث 11 سبتمبر اكدت صحة وجهة النظر التونسية بان معالجة المشكلات القائمة من خلال استخدام الادوات العسكرية والامنية فقط لن تحل مشاكل المنطقة، وانه من المهم ان يكون ثمة حلول اجتماعية واقتصادية تعالج المعضلات التي تواجهها الشعوب وتحول دون امكانية نموها وخروجها من دائرة الفقر التي تعتبر مرتعا مثاليا للتشدد والتطرف.
وترى تونس ان الدول مدعوة لدراسة جذور المشاكل وليس البحث في حلول لها وحسب.
واشار المقدم الى ان بلاده ترفض ان يتم الخلط بين الارهاب والدين وخصوصا الدين الاسلامي، مثلما ترفض الخلط بين مشاكل الهجرة التقليدية والمعروفة وبين قضية الارهاب. فتونس تعتقد ان العولمة، التي يتبناها الغرب، تفرض التزامات كثيرة على الدول المتقدمة ليس اقلها حقوق الاقليات المهاجرة، مثلما هي تعني فتح الابواب للهجرة المنظمة اسوة بفتح الاسواق.
ويرى المقدم أن الشراكة الاوربية – المتوسطية تمهد الطريق لاقرار ميثاق مغاربي لحماية حقوق المهاجرين المغاربة الذين يساهمون في ازدهار اوروبا، والذين يعتبرون مصدرا لاثراء الحوار الثقافي، وهو الاساس لكل فكرة التعايش والتفاهم بين الحضارات.
ويعتقد الوزير التونسي ان التعامل مع قضية الهجرة بطريقة عنصرية لا يصب في صالح التفاهم، وخصوصا وان بعض الدول الاوروبية تتناسى بشكل متعمد الادوار الايجابية للمهاجرين المغاربة في اقتصاديات الدول الاوروبية، وتصر على اضفاء الصبغة السياسية على قضية الهجرة.
وتحتضن تونس في شهر اكتوبر/تشرين الاول اجتماعا مهما يبحث قضية الهجرة. وتسعى الادارات التونسية المعنية بالامر، وبالتنسيق مع نظيراتها في الدول المتوسطية، لوضع الية تعالج قضية الهجرة، وتحاول تعميم التجربة التونسية – الايطالية الناجحة حول تنظيم الهجرة بشكل يكفل لجميع الاطراف حقوقها بعيدا عن الحساسيات التقليدية.
واعتبر الوزير التونسي ان قضية الهجرة ليست قضية ارهاب، وان المتطرفين يستغلون مشاكل المهاجرين للترويج لافكارهم.
ويرى ان احداث سبتمبر ليست جديدة على تونس، بل انها اثبتت صحة التوجه التونسي في هذا الخصوص، وان تونس حاولت منذ مطلع التسعينات تنبيه المجتمع الدولي الى خطورة ظاهرة التطرف، وان القضية تتطلب تحركا جماعيا منسقا، يستبق الاحداث.
واشار المقدم الى ان المجتمع الدولي لم يصغ للطروحات التونسية التي كانت تعتبر ان الارهاب سيكون نتيجة طبيعية للتطرف والتهميش، وان عدم معالجة الاسباب الاساسية المحركة للظاهرة، السياسية منها والتنموية، يمكن ان تزرع ايدلوجيات تخريبية. مبادرة منذ البداية وقد بادرت تونس مبكرا، وقبل سبع سنوات، الى طرح فكرة مدونة السلوك الانساني على منظمة المؤتمر الاسلامي، وهو الامر الذي تعود اليه العديد من الدول الان وتعتبره حلا واقعيا لمشكلة الفجوات القائمة بين الدول المتقدمة والنامية.
وقال المقدم ان مدونة السلوك العالمية المقترحة من قبل الرئيس التونسي بن علي تنطلق من اعتبارات محلية، وكان للتجربة الوطنية التونسية في هذا الاطار دورا مهما في تشكيلها. فالتعامل مع الملفات المحلية وايجاد حلول للمشكلات التي تواجه الشعب، يمكن ان تعمم على المستوى العالمي وان تكون ثمة مسؤولية مشتركة بين الدول لمواجهة المشكلات تشابه تلك المسؤولية التي تظهرها الدولة الواحدة لمواجهة وحل مشكلاتها الداخلية. ولهذا فان العمل المشترك يجب ان يقوم على قواعد واضحة غير انتقائية او ازدواجية في التعامل، لا تميز بين الدول الغنية والفقيرة او الدول الصغير او تلك الكبيرة. وهو الشأن الذي يكتسب مصداقية حقيقة في مواجهة ظاهرة الارهاب. فإهمال المشكلات السياسية والفقر والجهل كلها تصب في تغذية ظاهرة الارهاب.
وتسعى تونس الى تنظيم ندوة دولية لتعزيز التماشي الجديد في تطوير العلاقات الدولية بأطر تأخذ هذه العوامل المهمة مأخذ الجد، ولكن من دون المساس بمبادئ ميثاق الامم المتحدة. وهذا المبدأ في التعامل يمكن ان يمنع الانتقائية في التعامل مع قرارات الامم المتحدة التي تتشدد بعض الدول في تطبيقها على البعض، في حين تغض الطرف عن فرضها على دول اخرى. علاج ظاهرة الإرهاب وعن طرق معالجة مشكلة الارهاب قال المقدم ان علاج ظاهرة الارهاب لا تمر من بوابة الحلول العسكرية والامنية، بل تتطلب حلولا طويلة النفس تأخذ في الاعتبار العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. فالقضية في اخر المطاف تتركز على تغيير العقلية السائدة، والمواطن الذي يحس بانتمائه للمجتمع، سيعمل على اثرائه وليس الى محاربته.
وترى تونس ان ثمة نقص خطير في اطروحة العولمة، وهو اهمال البعد التضامني بين الناس. ولذلك جاءت مبادرة الرئيس التونسي بالدعوة لاقامة صندوق عالمي لمحاربة الفقر. فليس من المعقول، كما يرى المقدم، ان تتكلم الدول الكبرى عن العولمة وما يمكن ان تحققه على المستوى العالمي في الوقت الذي تهمل فيه اوبئة خطيرة، مثل الايدز، دون ان تتدخل بدعوة ان الامصال التي تساعد في معالجة المرض باهظة الثمن وليست بمتناول الفقراء. والتجربة التونسية في موضوع التضامن يمكن تعميمها والافادة منها لمحاربة هذا التباين. الخصوصيات يجب أن تراعى وترفض تونس فكرة النموذج الواحد الذي يمكن ان يصلح للجميع، وهو الاعتقاد الذي ساد بعد انهيار المعسكر الشرقي. فالخصوصيات المحلية اكبر من ان تهمل كما يقول المقدم. فالتوازن هو العنصر الاهم في معادلة البقاء والاستمرار. فتونس كمثال، لا تستطيع الا ان تكون بلدا عربيا واسلاميا ومتوسطيا وافريقيا في نفس الوقت. والحكمة تكمن في خلق التوازنات بين هذه المعطيات.
ويرى ان من المهم تعميم قاعدة التوازن هذه لتشمل موضوع حقوق الانسان ليتم التركيز على حقوق الانسان الاقتصادية وفي العيش الكريم بدلا من حصرها في الجوانب السياسية فقط، وان تراعي هذه الاطروحات الخلفية الاجتماعية والتاريخية لكل شعب، بدلا ممن اللجوء الى التعميم المضر. كما ان الاتفاق على ان النموذج الديمقراطي للحكم هدف ينبغي السعي اليه، لا يلغي مراعاة التنوع بين الدول وان تراعي المبادئ الديمقراطية الخصوصيات المحلية.
وهذا الطرح ليس جديدا على تونس، ولكنه يعود الى بيان 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 الذي حدد فيه الرئيس بن علي ملامح توسيع المشاركة في التمثيل الشعبي والديمقراطية وصنع القرار السياسي. واشار المقدم الى "ان الوعي السياسي في تونس والانجازات التي تحققت لا تعني اننا وصلنا الى درجة الكمال، لكننا نواصل المسير نحو تحقيق المزيد، ليس فقط في المشاركة، ولكن في تحمل المسؤوليات ايضا." الاتحاد المغاربي ويؤكد المقدم على الاهتمام التونسي الكبير بقضية انجاح الاتحاد المغاربي واعتماده كخيار استراتيجي، وان بلاده لا ترى بديلا عن هذا الاتحاد ولذلك تركز مساعياها على اقامة الارضية المناسبة لقيامه، وتراه لبنة اساسية في الشراكة الاوروبية – المتوسطية وكذلك في حوار 5 زائد خمسة وفي العمل العربي المشترك.
ويعتبر الوزير التونسي ان الهدف من العلاقة مع اوروبا والشراكة المتوسطية، يتجاوز الدوافع الاقتصادية باعتبار ان الجوانب الحضارية لا تقل اهمية لانها تستطيع خلق ركائز اكبر للعمل المشترك مما يمنع نشوء وانتشار الظواهر السلبية.