بعد تسع سنوات.. ماذا تبقّى من أوسلو؟

بقلم: ماجد كيالي

مرّت الذكرى التاسعة لاتفاق أوسلو(13/9/1993) من دون أي اهتمام يذكر، ليس فقط بسبب الأضواء التي سلّطت على حدث سبتمبر الأميركي، أو بسبب صيحات الحرب "البوشية" ضد العراق، وإنما لأن هذا الاتفاق بات، أصلا، خارج المعادلات السياسية الراهنة.
والحقيقة فإن هذه المناسبة جاءت، أيضا، في خضمّ مفارقات خطيرة وغريبة، منها: أولا، أن الرئيس عرفات الذي وقّع هذا الاتفاق بات محاصرا ومستهدفا، رغم ما بذله لتمرير عملية التسوية، في حين أن شارون، الذي عارض هذه العملية من بدايتها، يسرح ويمرح باعتباره رجل سلام بحسب الرئيس الأميركي جورج بوش.
المفارقة هنا أن الرئيس عرفات، التي تعمل الإدارتان الأميركية والإسرائيلية على إقصائه، هو الشخص الوحيد الذي استطاع إقناع شعبه بطريق التسوية، بفضل مكانته التاريخية والوطنية والرمزية، وبغض النظر عن الالتباسات المتعلقة بشخصيته وبإدارته للوضع الفلسطيني.
وعليه فإن سعي بوش لإقصاء عرفات إنما هو مغامرة بمستقبل عملية التسوية كما أنه يقضي على مستقبل أية شخصية فلسطينية بديلة، إذ بات يصعب على أي كان التورط في حل مع الإسرائيليين حتى لو كان هذا الحل أفضل، نسبيا، من اتفاق أوسلو. والأهم من ذلك أن موقف عرفات في كامب ديفيد2 وطابا رسم سقفا سياسيا للتسوية يستحيل على أحد النزول دونه، وبذلك بات هو الوحيد القادر على التعامل مع هذه المعادلة السياسية الحرجة التي وضعها على طريقته.
أما المفارقة الثانية فتتمثل في واقع أن الشعبين (الفلسطيني والإسرائيلي) باتا اليوم أبعد عن بعضهما من أي يوم آخر، بانتقالهما من التسوية والتعايش المشترك إلى التصارع الدامي والإفناء المتبادل. فالإسرائيليون تحللوا من اتفاقاتهم مع الفلسطينيين، بل ومن مجمل عملية التسوية، بعد أن انطلت عليهم ادعاءات باراك وشارون، فالأول ادّعى أنه قدم عروضا سخية للفلسطينيين وهم رفضوها، والثاني ادّعى أن الفلسطينيين يريدون القضاء على إسرائيل وأنه لا حل إلا الحل الأمني لإخضاعهم وهزيمتهم.
أما الفلسطينيون فهم بدورهم يعتقدون بأن إسرائيل، سواء كانت في ظل العمل أو الليكود، غير ناضجة لعملية التسوية، وأن هذه العملية كانت مجرد مطيّة لترسيخ وجود إسرائيل الاستيطاني والاحتلالي في الأراضي الفلسطينية وجسرا لتطبيع علاقاتها مع العالم العربي وديكورا لتحسين صورتها على الصعيد الدولي. وهكذا عاد الشعبان إلى مربع الصراع الأول، والنتيجة كما تبين كانت كارثية على الطرفين، من كل النواحي: السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتتجلى المفارقة الثالثة بالعنف الذي يتّسم به الصراع بين الطرفين، وكأن عملية التسوية كانت مجرد أضغاث أحلام أو سحابة صيف. وهذا ما يدلل على أن الإسرائيليين والفلسطينيين لم يكونا ناضجين أصلا لعملية التسوية، وأنها فرضت عليهما فرضا بنتيجة التطورات الدولية والإقليمية. وأن كل منهما انخرط فيها لحسابات خاصة به.
إذ ليس من المعقول، مثلا، أن يكون هذا العنف الإفنائي مجرد وليد لحظته، فقد انتهجت إسرائيل، ومنذ بداية الانتفاضة، سياسة إرهابية تدميرية، على المستويين الرسمي والشعبي، ضد الفلسطينيين ليس بهدف فرض املاءاتها السياسية عليهم، فقط، وإنما بهدف هزيمتهم وتدميرهم، وهو ما اتضح أخيرا. وبدورهم فإن بعض الفلسطينيين انتهجوا خط العمليات الاستشهادية، خصوصا، ولا شك بأن من ينتهج هذا الطريق لا يبحث عن عملية تسوية ولا عن علاقات تعايش مستقبلية مع الإسرائيليين لا في حل يتمثل بدولتين لشعبين ولا في صيغة دولة ثنائية القومية ولا في دولة ديمقراطية علمانية.
ولكن من الواضح هنا أن إسرائيل هي التي تتحمل مسؤولية هذا العنف المدمر لأنها هي التي لجأت إليه أولا، ولأنها تنتهجه على كسياسة رسمية ثانيا. في المقابل كانت العمليات الاستشهادية نهجا للمعارضة الفلسطينية ولم تكن سياسة رسمية، كما في الحالة الإسرائيلية، وبالإجمال فقد كان العنف بالنسبة للفلسطينيين ردة فعل وبمثابة دفاع عن النفس.
ويستنتج من طريقة خوض الصراع ومستوى العنف المتضمن فيه أن عملية التسوية كانت حكرا على مفاهيم الطبقة السياسية: الفلسطينية والإسرائيلية، وأنها لم تترسخ كثقافة مجتمعية لدى الطرفين.
وتتمثّل المفارقة الرابعة بواقع أن سقوط اتفاق أوسلو جاء على يد إسرائيل (بعملها وليكودها) وليس على يد المعارضة الفلسطينية، والأغرب أن السلطة الفلسطينية لعبت دورا أكبر بكثير من دور هذه المعارضة في إسقاط الاتفاق الذي وقعت عليه، برفضها الاستمرار بهذه اللعبة وسلوكها طريق الانتفاضة والمقاومة، وهذه القصة باتت معروفة.
فمنذ البداية كان واضحا أنه ثمة قراءات إسرائيلية مختلفة لاتفاق أوسلو، فبينما رأى حزب العمل في التخلّص من الاحتلال فرصة لإسرائيل تحرّرها من الخطر الديمغرافي الفلسطيني وتحسّن صورتها الخارجية وتعزز هويتها اليهودية ونظامها الديمقراطي في إطار السعي لمواكبة مسارات العولمة بالتركيز على الاقتصاد والتكنولوجيا، بدلا من الجغرافيا، ومسايرة الترتيبات الأميركية في المنطقة وتطبيع العلاقات مع المحيط العربي، رأى حزب الليكود والقوى المتطرفة، في هذا الاتفاق كارثة قد تقود إلى إضعاف مكانة إسرائيل دوليا وإقليميا، وإلى تقويض الفكرة الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي، وفتح المجال لخلق مسار من التهديد والقضم التدريجي لإسرائيل يبدأ بقيام دولة للفلسطينيين.
أما الأمر على الساحة الفلسطينية فلم يكن أحسن حالا، إذ أن القيادة الفلسطينية كانت ترى في الاتفاق فرصة لحل وسط يمكن البناء عليه، ولكن مراهنتها كانت مغامرة وخائبة، كما ثبت. والواقع أن هذه القيادة اتجهت نحو أوسلو بدفع من اللحظة السياسية الحرجة المتمثلة بتداعيات حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي وعملية مدريد، وفقا لرؤيتها لظروفها ومصالحها، من دون أن تدرس عواقب ذلك من الناحية الاستراتيجية.
وكانت النتيجة أن الإسرائيليين استطاعوا فرض شروطهم مقابل تعويمهم للقيادة الفلسطينية، التي كانت تعاني من الحصار المالي والسياسي، وهكذا تم اعتبار الأرض الفلسطينية المحتلة مجرد أراض متنازع عليها وتم القبول ببدعة المرحلة الانتقالية والتوافق على تجاوز قضايا الاستيطان والقدس واللاجئين، والأهم أن القيادة الفلسطينية وافقت على التسوية مع الإسرائيليين من دون أي تحديد مآلها النهائي ومن دون أية ضمانات، وهذه الثغرات هي التي كانت مقتل الاتفاق.
على ذلك فقد كان من الطبيعي أن ترى المعارضة الفلسطينية في هذا الاتفاق سابقة خطيرة وإجحافا بحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه وفي العودة إلى وطنه، وقد عمّدت المعارضة موقفها هذا بالتشكيك بصدقية إسرائيل مؤكدة أن هذا الاتفاق لن يكتب له النجاح، وكانت المعارضة الأكثر فعالية لهذا الاتفاق هي التي تمثلت بحركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية. ومع ذلك فإننا، إذا بحثنا بنصيب كل من المعارضتين الإسرائيلية والفلسطينية بإسقاط اتفاق أوسلو، كل بحسب مقاصده، فسنجد أن المعارضة الإسرائيلية هي التي لعبت الدور الأكبر والحاسم في هذا المجال لا سيما وأنها قادت إسرائيل مرتين (في ظل حكومتي نتنياهو وشارون)، مرورا باغتيال رابين (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق على يد يهودي متطرف؛ هذا من دون أن نقلل من أهمية دور حكومات حزب العمل بإضعاف صدقية هذا الاتفاق وتوليد خيبات الأمل لدى الفلسطينيين والإسرائيليين، وكذلك دور القيادة الفلسطينية التي لم تنجح تماما في إدارة عملية التسوية ولا في بناء الكيان الفلسطيني، كما لم توفق، أيضا، في إدارة الانتفاضة.
والنتيجة أن اتفاق أوسلو جاء بنتائج مدمرة، على الطرفين، بسبب الثغرات التي تضمنها وارتكازه على موازين القوى المختلّة لصالح إسرائيل ولعدم نضج الطرف الإسرائيلي لهذه التسوية. ولكن هل ماتت روح أوسلو؟ هذا هو السؤال المطروح اليوم.