قصة قصيرة: دويبات الباب الخشبي

بقلم: جمال فـايز

1
طَـرق الأبناء باب البيت الخارجي مرات عديدة ، عودهم والدهم ألا يخرج من البيت بعد عودته من صلاة العشاء، تكـرر الطرق على الباب الخشبي، وكلما اشتد الطرق ارتد صوته حـادا، كأنما هي مخالب تنـغرس فيه، تخنقه، تميتـه، تعوذ مـن الشيطان الرجيـم، استغفر ربـه، سحـب "المَلة"(1) من تحت الماعز، أخذ "غترته" من على رأسـه، وضعها على فم "المَلة"، لاحظ وجود بضع شعيرات لولبية في الحـليب، أخرجها، سحب عصاه الموضوعـة جانبه، اتكأ عليها بهيكله المقوس وهو يردد "حاضر .. جايلك" ، مشى، ترافق خطـوات أقدامه أنات تزفرها أعماقه وهو يتجه إلى الباب الخارجي.
دخل أبناؤه ، قبلوا رأسه، مشوا خلفه، جلس السبعة أمامه، قال أحدهم:
- للسنـة الثالثة نجيء لك، نتمنى سماع موافقتك على بيع البيت.
اكفهر وجهه ، نظر إليهم ولم يرد.
وقاطعة آخر:
- أرجوك ، أنا محتاج، بصراحة، جميعنا محتاج للمال.
نظر إلى الآخر ولم يتكلم.
قال ثالث:
- أنت "ليش(2) ما موافق؟"
حبس دمعته ولم ينبس بكلمة.

2
بعد خمسة أعوام، وحينما كان يسقي النخلة المنتصبة في وسط ساحة البيت بجوار البئر، لفت انتباهه الطَـَرقات المتتالية على الباب، ذهب تجاهه، دخـل أبناؤه، مشوا جانبه، يرجون موافقته على بيع البيت، جلسوا معه في داخل مجلسه، تكلموا كثيرا وما قال شيئاً.

3
بعد عشر سنوات، وعندما كان ينشر "وزاره" (3) على الحبل، توقف لحظة سماعه طرقا قويا على الباب، ذهب يفتحه، دخل أولاده، سبقوه إلى مجلسه، حدثوه وما حدثهم.

4
بعد عشرين عاما، جاء الأبناء والأحفاد، طرقوا الباب طرقاً عـنيفاً أحدث فيه حفراً صغيرة كثيرة . . طرقوه كثيرا لكن الباب لم يفتح.

الدوحـــة - يونيو 1998

----------------------------------
(1) المَـلة: الوعاء
(2) ليـش: لـماذا
(3) وزراه: قطعة قماش تلف حول النصف الأسفل من الجسم
كاتب القصة:
- جمال فايز قاص وصحفي من قطر
- مواليد الدوحة عام 1964م
- إصداراته:
* سارة والجراد 1991م
* الرقص على حافة الجرح ط/1 ، 1997 الدوحة، ط/2 2000 القاهرة
- تحت الطبع:
* الرحيل و الميلاد
* رجل من الخليج العربي ( باللغة الانجليزية)