روسيا تشهد انخفاضا مقلقا في عدد سكانها

موسكو
الاطفال اصبحوا عملة نادرة في روسيا

وصلت المشكلة السكانية في روسيا الى حد اصبحت تهدد معه الامن القومي للبلاد. هذا الرأي أعربت عنه رئيسة مصلحة السياسة الاجتماعية - الديموغرافية وشؤون رعاية السكان الاجتماعية لدى وزارة العمل في روسيا الاتحادية اولغا سامارينا.
في السنوات العشر الاخيرة، وبسبب زيادة الوفيات مقابل الولادات، انخفض عدد السكان في روسيا بمعدل 7.7 ملايين نسمة وهو يبلغ الآن 144 مليون نسمة. وفي حال لم يتم اتخاذ التدابير الجذرية فان مسار انخفاض عدد السكان سوف يستمر كما قالت سامارينا ليشكل بعد 50 سنة حجما أقل بمرتين من الحجم الحالي.
وبالنسبة لروسيا ذات المساحات الواسعة والكثافة السكانية غير الموزعة بشكل منتظم على المناطق يعتبر موضوع التناقص السكاني أمرا خطيرا جدا.
انتقلت روسيا اليوم من المرتبة السادسة الى المرتبة السابعة في كثافة السكان حيث سبقتها في ذلك باكستان. وبحسب توقعات خبراء الامم المتحدة ربما تسبقها ايضا مع حلول العام 2010 كل من بنغلاديش ونيجيريا وستجد نفسها في المرتبة العاشرة.
لقد انحسر في روسيا معدل الولادات الى مستوى لن يسمح بالحفاظ على عدد السكان بالحجم السابق. فقد بلغ مؤشر الولادات في المتوسط نسبة 1.15 بينما حجمه العادي الضروري لانتاج السكان هو بمرتين أكثر من ذلك أي 2.14 او 2.15 ولادة لكل امرأة.
والوضع الخطير يلاحظ في مناطق روسيا الوسطى حيث مؤشر الولادات لا يتعدى نسبة 0.9. اما المناطق التي يزداد فيها مؤشر الولادات فهي 6 مناطق فقط : داغستان وانغوشيا وجمهورية تيفا وجمهورية ساخا ياقوتيا ومنطقتا خانتي - مانسيسك ويامالو - نينيتسك ذات الحكم الذاتي.
في الوقت نفسه، كما تشير اولغا سامارينا، ارتفع مستوى الوفيات وخصوصا بين الرجال القادرين على العمل وذلك بسبب الهبوط الحاد في مستوى المعيشة ونمو الامراض والحالات العصبية التي يعاني منها الكثير من الروس في فوضى علاقات السوق الجديدة.
وفي العموم فاق عدد الوفيات في روسيا في العام 2001 عدد الولادات بـ 1.7 مرة. وبلغ عدد المتوفين من الاعمار القادرة على العمل بين هؤلاء ما نسبته 80 بالمائة. اما الفارق بين طول عمر الرجال والنساء فازداد اليوم ليصل الى 13 سنة : فالنساء يعشن في المتوسط حتى سن الـ72 بينما الرجال حتى سن الـ 59.
ومع انخفاض الولادات تتغير تركيبة السكان العمرية فينمو عدد المتقاعدين وهو ما يعني نمو العبء السكاني على كاهل الافراد العاملين وعلى المؤسسات الصحية ونظام الرعاية الاجتماعية.
ومع حلول العام 2010 سيكون عدد السكان الذين تجاوزوا عمر القدرة على العمل أكثر بمرتين من الفترة الراهنة، بينما سيكون عدد من سيدخلون في ذلك العمر أقل بمرتين.
وتقيم الحكومة الروسية الوضع الديموغرافي القائم في البلاد على انه "صعب ومعقد للغاية" كما لفتت اولغا سامارينا. وبالرغم من التدابير التي اتخذتها الدولة لتحسين السياسة الاجتماعية وتطوير المجال الصحي وحماية الصحة الانتاجية للامة فان عملية تغيير المسارات الديموغرافية الجارية بشكل جذري لم تتكلل بالنجاح. وتوقعات الخبراء عن السنوات العشر القادمة تدعو الى القلق : فمع حلول العام 2010 سيتقلص عدد سكان روسيا ليصل الى 138 - 139 مليون شخص.
من جهة أخرى هناك ثمة نجاحات جرت ملاحظتها في سعي الحكومة نحو التخفيف من الوفيات في مجال الولادات الحديثة والامومة. فبنتيجة البرنامج الفيدرالي الهادف المسمى "الامومة الآمنة" تم ايقاف نمو الوفيات بين الاطفال المولودين حديثا ونسبة تلك الوفيات تتقلص مع الوقت بوتائر سريعة ملموسة. كما وانخفض كذلك حجم الوفيات بين الامهات.
غير ان الآمال الرئيسية بتغيير الوضع القائم يعقدها علماء السكان على تنفيذ برنامج عقيدة التنمية الديموغرافية في روسيا الذي أقر في العام 2001 وفيه محددة الاهداف والاولويات والتدابير الخاصة بالسياسة الديموغرافية للدولة في الفترة حتى العام 2015. وتتمثل المهمة الاستراتيجية في هذا البرنامج برفع مستوى الولادات وخفض عدد الوفيات. ويلاحظ هنا التركيز في مسألة نمو السكان على زيادة الولادات بالتحديد وليس على تدفق المهاجرين من الخارج.
وحتى وقت قريب كان السبيل الرئيسي لزيادة عدد السكان في روسيا هي الهجرة من الخارج وخاصة هجرة الناطقين باللغة الروسية من الجمهوريات السوفييتية السابقة. غير انه تم حاليا تحديد أفق هذه الهجرة. فمن كان يريد المجيء الى روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ليعيش فيها سبق وفعل ذلك. وفي حين عوضت اعداد المهاجرين في الفترة الواقعة بين اعوام 1992 - 1995 عن التناقص الطبيعي في عدد السكان في روسيا بنسبة 5.7 بالمائة فان هذه النسبة بلغت في العام 2001 قرابة 8 بالمائة فقط. ومن المستبعد ان نتوقع في المستقبل نزوحا ضخما من المهاجرين المطلوبين لروسيا من الخارج، خاصة من يعرفون اللغة الروسية وحاصلون على شهادات جامعية واعداد مهني جيد. ولذلك تعود الاولوية لمهمة تحفيز الولادات بين الشعب الروسي.
وبرأي اولغا سامارينا انه ومن أجل ان نؤثر على التصرف الديموغرافي للسكان الروس ينبغي أولا تغيير ذهنية المجتمع وخلق مناخ أخلاقي يقدس قبل كل شيء القيم العائلية، وتعتبر العائلات المتعددة الاولاد فيه بأنها شيئا قيما. فاذا ما اصبحت الاولوية لدى العائلات الشابة اشتمالها على 3 أطفال فان روسيا قادرة في هذه الحالة على الخروج من ازمتها الديموغرافية.