خوف حارس المرمي عند ضربة الجزاء لهاندكه

بقلم: أحمد فضل شبلول

رواية غريبة للكاتب النمساوي، الذي يقيم اليوم بالقرب من باريس، بيتر هاندكه، ترجمة أحمد فاروق، ومراجعة خالد طوبار، وصدرت عن منشورات الجمل بكولونيا عام 2001، بطلها عامل التركيبات يوزف بلوخ، الذي كان حارس مرمى معروفا، ثم اعتزل، ثم فصل من عمله، دون معرفة الأسباب المباشرة، فغادر موقع العمل دون أدنى اعتراض.
ومن ثم تبدأ أحداث الرواية، التي هي أقرب إلى اليوميات الغرائبية أو العبثية المتدفقة دون فواصل زمنية معينة، فبلوخ ينتقل من مكان إلى آخر دون أدنى هدف، سوى أن يعيش لحظته، يأكل سندويتشات السجق الساخن، ويدخل السينما، لا ليشاهد الأفلام السينمائية، ولكن لينام، أو ليتأمل تلقائية الحركة التي أجابت بها محصلة تذاكر السينما على الحركة التي وضع بها النقود في صمت على الطبق الدوَّار.
يذهب لمشاهدة مباريات كرة القدم، من موقع المتفرج، ويخرج قبل انتهاء المباراة، للحصول على مقعد في وسائل المواصلات، قبل خروج الجماهير من الإستاد. يتصل بأصدقائه، من كبائن التليفونات فلا يجد أحدا منهم، لأن هؤلاء الأصدقاء لا يعيشون في نطاق المدينة التي يتصل منها، والتليفون لا يعيد إخراج العملات. يشترى صحفا كثيرة لا يقرؤها ولكن يشاهد الصور، ثم يلقيها على الأرض ويمضي. دائم الشجار والسفر. لديه أزمة ما، ولكن المؤلف لا يريد أن يفصح عنها صراحة، أو يحللها، ويترك تبيانها للقارئ.
يتصل بمطلقته لترسل له بعض النقود، ولا يخبرها بمكانه، لكي ترسل له النقود المطلوبة. يشغله كيف يفسر الناس الكلمات أو العبارات التي تقال (قام بتحية شرطي بغرض إيقافه، لكن الشرطي لم يرد التحية. وسأل بلوخ نفسه عما إذا كان الشرطي لم يفسر الكلمات التي قيلت له عبر الشارع تفسيرا صحيحا). يعيش حياة غريبة أقرب إلى البوهيمية منها إلى الحياة المنظمة المرتبة (أخذ في إزاحة الخضر والفاكهة الملقاة أمام قدميه. قضى حاجته في مكان ما بين الأكشاك. ولاحظ أثناء ذلك أن جدران الأكشاك الخشبية كانت سوداء من أثر البول).
ومن دلائل هذه الحياة العبثية أيضا، أنه عندما خرج معظم تلاميذ القرية التي بها الفندق الذي انتقل إليه بلوخ، للبحث عن زميلهم الأبكم، الذي اختفى من القرية، وقد صار هذا الحدث هو الشغل الشاغل لأهل القرية، وأثناء جلوس بلوخ عند الجدول الذي يمر بالقرية، يتأمل الطبيعة، ويرى صعود فقاعات الماء من القاع بين حين وآخر، رأى جثة طفل فوق سطح الماء. لم يعلق بلوخ على ما رآه، ولم يشك في أن هذه الجثة قد تكون هي جثة الطفل الأبكم الذي يبحث عنه زملاؤه وأهل قريته. عاد بلوخ إلى الشارع، والتقى عند المنحنى بأحد حراس الحدود، ولم يخبر أحدا بما رآه، وكأنه لم ير شيئا، ومارس حياته العبثية بطريقته الخاصة (اختفى الحارس من الصورة، وأصبح وعي بلوخ أكثر سطحية).
وعلى الرغم من تلك الحياة الغريبة التي يحياها بلوخ، إلا أن المؤلف كان شديد الاهتمام باللغة في تلك الرواية، ويبدو أن ذلك يشكل اهتماما أساسيا في أعمال هاندكه، وخاصة في روايته الأولى "الزنابير" التي عدت تطبيقا عمليا لبحوث فيتغنشتاين الفلسفية في اللغة، ومن ثم فقد اهتم المؤلف في المرحلة الأولى لكتاباته (حتى أوائل السبعينات) باللغة بشكل أساسي.
وعند التطبيق العملي على تلك الرواية نجد بلوخ يقول للسيدة التي كانت في صحبته (لقد نسيت أن أترك ورقة، ولم يعرف ماذا يعني فعلا بالكلمتين "ورقة" و"أترك"). وتأتي هذه العبارة على لسان بلوخ في غير مقامها تماما. وقد قصد المؤلف إلى ذلك قصدا، كنوع من أنواع العبث التي يحياه بلوخ. ففي تجواله مع المرأة لمَّحت له في الباص بعدم إحساسها بالراحة معه، وذلك بأن فتحت حقيبتها وأخذت تعبث بأشياء مختلفة داخلها. فقال لها بلوخ "لقد نسيت أن أترك ورقة". ومن ناحية أخرى لم يبين لنا المؤلف لمن يترك الورقة. ليجعلنا نعيش أو نستشف حالة الضياع والعبث التي يحياها بلوخ. أيضا يقول المؤلف في موضع آخر: ("افتح من فضلك" هاتان الكلمتان الأخيرتان لا تتناسبان مع صوت التنفس في الحجرة المجاورة والذي أصبح أكثر وضوحا الآن. لم تعد الجمل مناسبة على الإطلاق).
ولأن بلوخ شخصية غرائبية، فهو يفسر الأشياء على غير حقيقة وجودها، فتختلط أمامه المرئيات والسمعيات (لم يتصور فقط أن الصور طبيعية، بل لقد بدت وكأنها قد صنعت خصيصا له، كان لها وظيفة. عندما نظر إليها قفزت بمعنى الكلمة في عينيه. قال بلوخ لنفسه "مثل جرس التليفون." مثل الأوامر ! عندما أغلق عينيه لبعض الوقت ثم نظر ثانية بدا له أن كل شيء قد تغير بمعنى الكلمة. بدا له أن حواف المناظر التي رآها تومض وتهتز).
وفي مكان آخر يقول المؤلف عن بطل روايته: (راقب كلبا، كان يجري بأحد الحقول باتجاه رجل؛ ثم لاحظ أنه لا يراقب الكلب بل الرجل الذي كان يتحرك مثل شخص يريد اعتراض طريق شخص آخر. والآن رأى طفلا يقف خلف الرجل؛ ولاحظ أنه لا يلاحظ الرجل والكلب، كما هو معتاد، بل الطفل الذي بدا أنه يرفس بيديه وقدميه؛ لكنه لاحظ أن صراخ الطفل جعله يتهيأ رفسه بيديه وقدميه. في هذه الأثناء أمسك الرجل الكلب من طوق رقبته ومشى الثلاثة الرجل والكلب والطفل في اتجاه واحد. قال بلوخ لنفسه "من كان المقصود بذلك؟").
وفي مكان ثالث يقول: (تخيل ساعي البريد وموظفة البريد في صورة معا. "موظفة البريد وساعي البريد" قال لنفسه مصححا. الآن أصيب هو نفسه في وضح النهار بمرض الألعاب الكلامية الكريه" في وضح النهار؟" لا بد أنه اختلق هذه الكلمة. بدا له هذا التعبير مضحكا بصورة غير مريحة. هل كانت باقي كلمات الجملة غير مريحة؟ عندما يردد المرء كلمة "مرض" يستطيع بعد بعض التكرارات أن يضحك عليها. "أصابني مرض": أمر مضحك. "سأصبح مريضا": أمر مضحك كذلك. "موظفة البريد وساعي البريد": "ساعي البريد والموظفة": "الموظفة وساعي البريد": نكتة فريدة") .. الخ.
هذه بعض العبارات التي تبين طريقة كتابة هاندكه، وطريقة تفكير وأسلوب حياة بلوخ. وهنا نلاحظ اللعب، أو التلاعب، بالألفاظ مثل: لاحظ أنه لا يلاحظ. أو لاحظ أنه لا يراقب .. أيضا نلاحظ أن لعلامات الترقيم أهمية كبيرة في هذا العمل الروائي. ولكن الشيء الذي يؤسف له كثرة الأخطاء الإملائية والنحوية في معظم صفحات الرواية المترجمة (118 صفحة)، وهو ما يقع تبعاته على عاتق المترجم والمراجع ودار النشر أيضا، وليس على المؤلف النمساوي بطبيعة الحال.
وعلى الرغم من طول عنوان الرواية، إلا أنه بلا شك جذاب "خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء"، غير أن الرواية لا تجري مع العنوان، أو أن العنوان الذي يحمل دلالة نفسية، لا يجري مع الرواية. وكون أن بطل الرواية بلوخ حارس مرمى قديم، لا يكفي فقط لتحقيق الدلالة النفسية التي يوحي بها العنوان، داخل الرواية. ولكن على أية حال، لم يهمل المؤلف فكرة كون بطل روايته حارس مرمى، وكان بين الحين والحين يتذكر ذلك، أو يذكرنا بذلك، مرة في بداية الرواية، وأخرى في منتصفها تقريبا عندما قابل بلوخ في محطة المترو أحد الحكام الذاهب للتحكيم في إحدى المباريات. ويختم هاندكه روايته بحديث عن الحارس الذي يفكر في الزاوية التي سيصوب إليها الراكل، ولكنه لم يتحدث عن لحظة الخوف التي تنتاب حارس المرمى، عند تسديد الكرة. يقول: (تحرك الراكل فجأة. ظل حارس المرمى الذي ارتدى سترة صفراء زاهية ساكنا تماما وسدد له راكل ضربة الجزاء الكرة في يديه) وهكذا تنتهي الرواية. ولكن يظل سؤال مطروح مفاده: هل تلك الحياة العبثية التي يحياها بلوك، عقب اعتزاله وفصله من العمل، نتيجة خوفه الدائم عند ضربات الجزاء التي توجه إلى مرماه، باعتباره كان حارس مرمى معروفا. هل أدى ذلك الخوف المتكرر، إلى تلك الحياة العبثية. لم يحدثنا هاندكه عن حياة بلوخ قبل الاعتزال، وقبل الفصل من العمل، ولكنه أخبرنا ـ فقط ـ أنه كان في السابق حارس مرمى معروفا. وترك لنا ـ نحن القراء ـ مهمة استنتاج الحياة الماضية لهذا الحارس. أيضا لم يلجأ المؤلف إلى أساليب روائية جديدة مثل تيار الوعي أو تيار الشعور، والاسترجاع (فلاش باك) لكي يلقي الضوء على كيفية حياة بلوخ قبل ذلك. مع ملاحظة أن الرواية لا تعتمد على ضمير المتكلم، وإنما تعتمد على استخدام الفعل الماضي من خلال الحكي عن شخصية يعرفها المؤلف جيدا، هي يوزف بلوخ، ومن أول فعل في الرواية (تلقى عامل التركيبات خبر فصله) وحتى آخر فعل فيها (سدد له راكل ضربة الجزاء). تدور حركة الرواية في الزمن الماضي، على اعتبار أنها وقائع حدثت لشخص معين، يعرفها المؤلف، وينقلها للقارئ عبر قالب روائي خطي أو تقليدي، أو يسير في اتجاه واحد، ولكنه استطاع أن يحمل تلك الشخصية العبثية أو الغرائبية، التي منحت الرواية صفة الغرابة، وليس الدهشة. أحمد فضل شبلول