زيارة إلى معهد العالم العربي بباريس

بقلم: أحمد فضل شبلول
مبنى المعهد يمثل تحفة معمارية

باريس - كان من أهم أهداف زيارتي لباريس، التوجه إلى معهد العالم العربي الذي سمعت عنه كثيرا وقرأت عن أمسياته الثقافية والشعرية التي تجمع عددا من المثقفين والشعراء العرب سواء المقيمين في فرنسا، أو في بلادهم العربية، حيث يذهبون لإحياء هذه الأمسيات بدعوة من المعهد.
وحقيقة أعجبتني فكرة وجود معهد، أو أكاديمية، أو كلية، أو حتى مدرسة، عربية (تجمع بين العرب) في بلد من أهم بلدان أوربا، هو فرنسا، وأين؟ في باريس .. مدينة الفنون والجمال. إن ذلك يعد بمثابة وجود جامعة مصغرة للدول العربية في القارة الأوربية. ولم أدر هل يتبع المعهد جامعة الدول العربية بالقاهرة. أم لا؟. (نسيت أسأل الدكتور ناصر الأنصاري ـ مدير المعهد الحالي ـ عن هذه المعلومة).
بعد أن عرفت رقم مترو الأنفاق الذي سأركبه من جاردليست (محطة الشرق) حيث المنطقة التي يقع بها الفندق الذي أقيم فيه. ذهبتُ لشباك التذاكر، وسألتُ عاملة التذاكر الحسناء تذكرتين لي وللصديق حسن الأشقر، وأخبرتها عن المحطة التي نريد الهبوط فيها، وكان ثمن التذكرة الواحدة، بعد تطبيق نظام العملة الأوربية الموحدة (واحد يورو و30 سنتا). تأكدنا أننا نسير في الاتجاه الصحيح (وليس الاتجاه المعاكس، كما كان يحدث أحيانا) نحو رصيف مترو الأنفاق. صعدنا المترو وهبطنا في المحطة المحددة، بالمنطقة الخامسة بباريس، وخرجنا إلى الشارع، وسألنا بالإنجليزية أحد الفرنسيين عن مكان المعهد، فأجابنا بالإنجليزية، وأشار إلى نهر السين، ثم أشار إلى المعهد، وأحسستُ أنه كان سعيدا بسؤالنا (لم أدر لماذا؟). وكنت مع الأشقر سعيدين أيضا بذلك.
قبل أن ندخل من باب المعهد، أصر صديقي الأشقر على تصويري بجوار اللوحة التي عليها اسم المعهد. ثم تبادلنا المواقع. دخلنا من بوابة المعهد، وصعدنا درجات عدة، وعند موظف الاستقبال (وهو عربي من الجزائر) سألت عن الدكتور ناصر الأنصاري (الذي كنت على يقين أنه لا يعرفني، حيث لم التق به من قبل) سألني موظف الاستقبال: هل لديك ميعاد معه؟ فأجبتُ: لا. ولكني آتٍ من مصر في زيارة سريعة. أحالني الموظف عن طريق الهاتف إلى سكرتيرة الدكتور ناصر (فاتن مراد، وهي عربية من لبنان). سألتني السؤال نفسه: هل لديك ميعاد؟ وأجبت الإجابة نفسها. فقالت لي: إصعد (بالأسانسير إلى الدور الثامن). وسأحاول أن أدبر لقاء لك معه، لأن جدول الزيارات مشحون اليوم.
صعدنا إلى الدور الثامن، وكانت في استقبالنا. كان معي في الحقيبة التي أحملها نسخٌ من آخر عدد من نشرة أخبار الكتَّاب التي يصدرها اتحاد كتاب مصر، وكان عددا خاصا عن الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية، وقد كلفني الأستاذ فاروق خورشيد ـ رئيس مجلس إدارة اتحاد الكتاب ـ بالإشراف عليه. أهديتها نسخة، فرحتْ بها كثيرا. اختفت قليلا، ثم ظهرت، لتعلن لنا أنها دبرت لقاء سريعا مع الدكتور ناصر الأنصاري، ولكن بعد خروج الضيف الذي عنده. خرج الضيف العربي وحيَّانا. فدخلنا ووجدنا الدكتور الأنصاري في انتظارنا، رحب كثيرا بنا، ووجدتُ النسخة التي أهديتها لفاتن مراد على مكتبه !!. تبادلنا الأحاديث الودية، والذكريات عن دار الكتب المصرية، وعن دار الأوبرا، حيث تولى الأنصاري الإشراف على كليهما، قبل أن يتسلم عمله بمعهد العالم العربي بباريس، كأول مصري يتولى إدارة هذا المعهد (بعد أن تعاقب على إدارته منذ افتتاحه في ديسمبر عام 1987 عدد من المثقفين العرب من الخليج والمغرب العربي). وكان أول من تسلم دار الكتب بعد انفصالها عن هيئة الكتاب، لتصبح هيئة مستقلة (هيئة دار الكتب والوثائق الرسمية).
وكإداري ناجح استطاع ناصر الأنصاري أن يقوم بتطوير العمل في معهد العالم العربي، وأن يجتذب إليه المثقفين والطلبة العرب، وأن ينظم المواسم والأمسيات الثقافية والشعرية والأدبية والفنية المختلفة على مدار أشهر معينة من كل عام. فضلا عن إقامة المعارض الهامة المخصصة أحيانا للتعريف ببلد عربي معين، أو معارض عامة كمعرض الكتاب العربي، أو معارض للفنون التشكيلية.
وعلى سبيل المثال نظم المعهد معرضا خلال شهر يوليه الماضي عن مكتبة الإسكندرية، والتعريف بها لدى العرب والطلبة المقيمين في باريس، ولدى الفرنسيين والأجانب المقيمين في فرنسا أيضا. (ذكر الأنصاري ذلك عندما رأى أن عدد نشرة اتحاد الكتَّاب مخصص للإسكندرية والمكتبة، فتركتُ ـ على مكتبه ـ عشرين نسخة من النشرة لرواد المعهد ومكتبته، وفي الوقت ذاته ذكرني الأنصاري أنه عضو اتحاد كتَّاب مصر، وأبدى سعادته بهذا العدد الجديد من النشرة). سألنا د. الأنصاري هل شاهدتما أقسام المعهد؟ على اعتبار أن هذه هي الزيارة الأولى، أجبته: ليس بعد، ثم أردفتُ قائلا: نبدأ الزيارة من مكتبكم. لم نشأ المكوث طويلا في مكتب مدير المعهد، الذي لم يكن في برنامجه المعد سلفا، أن يستقبلنا، ولكنه ـ بشخصيته المصرية العربية الودود ـ فعلها.
بدأنا الجولة داخل المعهد الذي يعد أهم واجهة ثقافية للحضارة العربية خارج الحدود الجغرافية للوطن العربي، والذي يعد أيضا تحفة هندسية معمارية يلتقي فيها الشرق بالغرب، أما أهدافه فتتلخص في "التعريف بالحضارة العربية، وتجسيد جسر ثقافي بين العالم العربي وفرنسا عبر تعميق دراسة ومعرفة لغة وحضارة العالم العربي، وتطوير ودعم التبادل الثقافي في مجالات التقنيات والعلوم، وبالتالي تطوير العلاقات بين العالم العربي وفرنسا وبينه وبين أوربا".
يتردد على المعهد عدد كبير من السواح من مختلف الجنسيات. ويرتكز المبنى على مساحة 2750 مترا مربعا، ويقع في قلب العاصمة التاريخي، غير بعيد عن كاتدرائية نوتردام الشهيرة. أما هندسته، فهي خلاصة لتلاقى الحضارتين العربية والفرنسية، ولن يخفى عن الزائر تأثر معماريته بفن العمارة العربية، دون غياب التأثير المعماري الغربي الحديث، فالواجهة الشمالية تشبه مرآة تعكس منظر الأبنية المواجهة له، في حين تمتزج التقنية بالتراث من خلال الواجهة الجنوبية المحلاة بمائتين وأربعين مشربية تُفتح وتُغلق حسب كمية الضوء الساقط عليها بفضل عدد من الخلايا المتأثرة بالضوء.
ويضم المبنى بالإضافة إلى المكتبة (التي يتردد عليها أكثر من 15 ألف زائر شهريا، والتي تضم أكثر من ستين ألف كتاب، وأكثر من ألف مطبوعة دورية، تعنى جميعها بالثقافة والحضارة العربيتين) متحفا دائما يحتوى على عدد من المخطوطات القرآنية والإسطرلابات ويعرض مجموعة من التحف الأثرية. هذا بالإضافة إلى قسم سمعي بصري وصالة عرض سينمائية، ومكتبة تجارية تحتل منتصف الطابق الأرضي، بالإضافة إلى مطعم في الطابق العلوي، يطل (بانوراميا) على المعالم المحيطة بالمعهد، ومنها نهر السين الذي يشق قلب باريس.
والمعهد مفتوح جميع أيام الأسبوع عدا يوم الاثنين، وذلك من العاشرة صباحا وحتى السادسة مساءً. أما المكتبة العامة، فمغلقة يومي الأحد والاثنين، وهى تستقبل القراء من الواحدة بعد الظهر وحتى الثامنة مساء.
وللمعهد جمعية تحمل عنوان "جمعية أصدقاء معهد العالم العربي" (تذكرني بالجمعية المصرية لأصدقاء مكتبة الإسكندرية، التي أشرف بعضويتها) وتنقسم نوعية العضوية إلى: أعضاء عاديون، وأعضاء مشاركون، وأعضاء متبرعون، وأعضاء مانحون. وتتنوع الخدمات التي تقدمها الجمعية إلى أعضائها ما بين: إرسال النشرة الإعلامية عن نشاط المعهد، والدخول المجاني إلى المتحف والمعارض، والخصم على بطاقات السينما والحفلات الفنية، واستعارة الكتب، والمعارض الجوَّالة، ومنشورات المعهد الموجودة في المكتبة والمتجر، وغيرها من الخدمات الثقافية والفنية.
وكما بدأنا الزيارة من الطابق الأرضي، انتهينا أيضا به حيث يقع متجر بيع الكتب، وبالإضافة إلى جناح الكتب الأجنبية، يوجد جناح لبيع الكتب العربية، والمترجمة للعربية، ولم أدر لماذا تسيطر دار نشر واحدة، على معظم الكتب المعروضة بالمتجر. لذا أرى أنه على دور النشر العربية الكبيرة أن تبادر بالاتصال بمعهد العالم العربي، وتتفق على عرض أهم منشوراتها للبيع، بمتجر الكتب بمعهد العالم العربي بباريس. أحمد فضل شبلول ـ باريس