تحليل: واشنطن تسعى للسيطرة على نفط العراق والسعودية لانقاذ اقتصادها

بقلم: ليونيد ايفاشوف
عيون واشنطن على النفط العراقي

تظهر اوضاع الاسابيع الاخيرة المنصرمة بان السبب الحقيقي الذي يدفع بالولايات المتحدة الاميركية للقيام بهجوم عسكري على العراق مرتبط بالازمة التي يعيشها الاقتصاد الاميركي بشكل خاص، والمجتمع الاميركي بشكل عام.
وهناك دلائل كثيرة على ان النظام الاقتصادي الاميركي يلقى اليوم فشلا ذريعا، وان الولايات المتحدة تبدو على حافة أزمة اقتصادية-اجتماعية هائلة، وهو ما يحذر منه أكثر الاقتصاديين الاميركيين بعيدي النظر.
وحسب رأي الاختصاصيين فهناك طريقان لخروج الولايات المتحدة من الاوضاع الحالية: الاول يتلخص بانه من اجل تجاوز الازمة يتعين اجراء تغييرات هيكلية العميقة في الاقتصاد الاميركي. ولتحقيق ذلك يتعين اتخاذ عدد من الاجراءات غير الشعبية لدى المواطنين لانها ستسفر عن تخفيض في الانفاقات اللازمة لدعم مستوى الحياة المرتفع الذي يتمتعون به. وبعدها، وعلى اساس اصحاب هذا الرأي، فان البلاد سيمكنها مباشرة الخروج من الأزمة.
وهذه الوسيلة الحكيمة استعملتها الولايات المتحدة لتجاوز ازمة "الكساد الكبير" في عشرينات وثلاثيات القرن الماضي، اذ تم في هذه الفترة فرض اجراءات تقشفية قاسية حتى تم الخروج من الازمة.
الا انه يوجد توازن قوى سياسية في الولايات المتحدة يشهد على ان ادارة بوش حاليا غير مستعدة لتكرار تجربة الماضي وسلوك هذا الطريق. فقد اتخذ الجمهوريون في تلك السنوات البعيدة عندما كانوا في السلطة قرارات كان من الواضح انها غير شعبية. وبالنتيجة تعين عليهم الخروج من الحكم لمصلحة الديمقراطيين لمدة 20 عاما.
ويقول الخبراء ان شيئا مماثلا يمكن ان يحدث حاليا. ولذلك فانهم في ادارة بوش ينحون لسلوك الطريق الثاني، وهو يتلخص بوضع اليد على الدول الغنية الهامة بالنفط في مناطق العالم، وحتى بمساعدة القوة العسكرية اذا اقتضى الامر. وفي هذه الحالة تظهر امكانية تخفيض اسعار الطاقة حتى تصل الى 8 او 12 دولارا للبرميل الواحد. وبهذا الشكل يحصل الاقتصاد الاميركي على "الاوكسجين" الذي يحتاجه ويحفز تطوره المستقبلي، اذا ان الولايات المتحدة تستورد وحدها ربع صادرات النفط في العالم.
ومع مهاجمة العراق فان الولايات المتحدة تامل بفرض سيطرتها على ما يسمى "الاهليلج النفطي" الذي يضم مناطق واسعة من الشرق الاوسط الى قزوين.
ويتنافس في ادارة الرئيس بوش حاليا جناحين سياسيين. احدهما الاكثر عدوانية والذي يرأسه نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد. وحسب قناعاتهم فان الولايات المتحدة الآن تملك تفوق لا جدال فيه في الميدان العسكري يتعين استغلاله لصالح الاقتصاد الاميركي.
وبدوره فان الجناح الاكثر اعتدالا يترأسه وزير الخارجية كولين باول الذي ينحو لحل المشاكل العالقة امام البلاد بتحفظ ومن دون هجمات عسكرية اميركية على العراق.
وحتى انه من الواضح للاشخاص الذين لا يفقهون شيئا في السياسة ان الهجوم الاميركي سيولد موجة عداء عالمية ضد الاميركيين. ومن المحتمل تماما تنشيط جديد للاعمال الارهابية ضد الولايات المتحدة. وحتى اذا تحقق للاميركيين التخلص من الحكومة العراقية والسيطرة على النفط العراقي فانه حتما سيتعين عليهم التصرف مع المملكة العربية السعودية كذلك.
وكما يبدو فان السعودية تتخلى طوعا عن ارباحها الزائدة من خلال تخفيضها لاسعار النفط الى الحدود التي تروق للاميركيين. ولكن الولايات المتحدة، بعد ان تسيطر على نفط العراق، لن يبقى عليها امر اخر غير السيطرة على نفط السعودية التي تعد اكبر مصدر للنفط في العالم. والطريق لتحقيق ذلك هو ابعاد النظام الملكي، الذي لا يطيع واشنطن بشكل كاف في الوقت الحالي، وابداله بنظام آخر اكثر طواعية. او ربما احداث تغييرات داخل الاسرة المالكة لنقل السلطة لمن هم اكثر طاعة للولايات المتحدة. مصالح روسيا ستتعرض ايضا للخطر اما في ما يتعلق بالمصالح الروسية فانها برأيّ البعض كانت تتحقق وحتى الوقت القريب بالتقارب مع الاستراتيجية الاميركية في تلك المنطقة. وبهذا الشكل فان روسيا كما ولو كانت "تحشر نفسها في الزاوية". فمثل هذا الموقف من الطبيعي ان يثير الحذر في العالم الاسلامي.
الا انه وفي الآونة الاخيرة يلاحظ في السياسة الروسية تحول في الاتجاه الشرقي. وهذا ما تشهد عليه الاتصالات مع الصين وكوريا الشمالية وزيارة وزير الخارجية العراقي الى روسيا وانعاش العلاقات مع ايران. وبهذا الشكل فان روسيا تقف مجددا كلاعب مستقل على ساحة السياسة الدولية.
ومن الضرورة ادراك الآثار الكارثية التي يمكن ان تنجم في حال قررت واشنطن اللجوء الى النشاطات العسكرية ضد العراق. واذا عمدت الولايات المتحدة الى السيطرة على النفط في الشرق الاوسط فان اسعاره ستهبط الى نصف ما هي عليه الآن.
ويشكل ذلك بالنسبة لروسيا ازمة اقتصادية كبيرة. فالاقتصاد الروسي وبقدر كبير مرتبط بانابيب النفط. بالتالي فان البلاد يمكن ان يكون بانتظارها هزة سياسية كبيرة ولا سيما في شمال القوقاز. واول من "سينفجر" هو داغستان التي هي الآن وكأنها في حالة احتقان. وما يلاحظ هناك توازن هش في الواقع بين مختلف القوى السياسية.
فما الذي يجب على روسيا ان تتخذه من اجل ان لا تسمح لنفسها بالدخول في الفوضى الاقتصادية؟
اولا تحديد سياستها الخارجية بتأني وايجاد فكرتها الجيو سياسية. وثانيا يحتاج الامر الى اعداد عاجل لبرنامج تقليص ارتباط البلاد بصادرات النفط. وثالثا يتعين الاعداد الفوري لتطور استراتيجي في جنوب روسيا.
وبالطبع من الضرورة تعزيز العناصر الامنية للبلاد: الجيش والاجهزة الامنية الخاصة. وبهذا الشكل بالذات فان روسيا سيكون بمقدورها مواجهة التحديات العالمية المحتملة. ليونيد ايفاشوف نائب رئيس اكاديمية العلوم الجيوسياسية في روسيا، وجنرال سابق، وقائد المديرية الرئيسية للتعاون العسكري الدولي في وزارة الدفاع الروسية سابقا.