روجيه عساف يتحدى بـ« المرأة العمودية»

القاهرة - من رياض ابو عواد
روجيه عساف

اختار المخرج اللبناني روجيه عساف استحضار شخصياته من عالم الموتى عبر شخصية "لوسي"، اول جدة للجنس البشري في التاريخ المعروف سارت على قدمين منتصبة القامة كرمز للتحدي، عاملا على تقاطعها مع شخصية امرأة فلسطينية قتلت خلال الحرب اللبنانية (1975-1990)، في عرضه المشارك في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي.
وقد ركز العرض اللبناني على مفهوم الضحية وكم العنف الذي ترافق مع التاريخ البشري في اطار من العالم الوهمي المتخيل المؤدي الى تجريد الواقع المعاصر.
وتم تصوير ذلك على خشبة المسرح من خلال استخدام المخرج لثلاثة اسطح خشبية مائلة يسهل تغييرها فتنتقل من كونها مقبرة الى متراس الى جبل الى مكان يركز بؤرة اهتمام المشاهد في اللحظات المهمة في المسرحية.
يبدأ العرض بابراز عظام بشرية تركز الاضاءة عليها بحيث لا يظهر الممثلون وهم يقومون بتحريكها في اشارة الى بدء المخرج باستحضار العالم المتخيل للانسان قبل ثلاثة ملايين عام وهو عمر الهيكل العظمي للجدة الاولى التي سارت فيه منتصبة في الهضبة الاثيوبية.
وتنجح الجدة في تحقيق حلمها بان تسير منتصبة وان ترفع رأسها الى السماء مراقبة ما يجري هناك في الاعلى، ولكن القطيع يرفض ذلك فيجبرها على العودة الى السير على اربع بعد ان يقمعها ويقوم ذكوره باغتصابها.
ولكنها تحافظ على الحلم في الاوقات التي تنعزل فيها عن الجميع وفي الوقت نفسه تخرج امرأة فلسطينية من احدى المقابر الثلاث. ويوضح صوت الراوي الذي لا يراه المشاهد انها ولدت عام 1948 في شاحنة اثناء هجرتها من فلسطين الى لبنان وتقتل فيما بعد خلال الحرب اللبنانية.
ترتبط الشخصيتان سوية كونهما تمثلان شخصية الضحية التي تدفع ثمن تحديها الواقع القائم في سبيل افق اكثر رحابة يستوعب قامة لوسي المنتصبة وحصول المرأة الفلسطينية على كرامتها في وطن.
ويدين العرض طوال الوقت وفي غالبية مشاهد المسرحية العنف مبرزا موقفه من خلال مواقف الضحايا الذين يستحضرهم من عالمهم الاخر.
يحاول المخرج خلال ذلك تصوير عبثية العنف وتصفية الجنس البشري وصولا الى الذروة عندما تحاول المرأة الفلسطينية التي وصل بها الالم الى درجة لا تطاق وهي تروي قصتها قتل لوسي الجدة الاولى بعد لقائهما في العالم الاخر لتلغي من القاموس فكرة نشوء مجتمع بشري سبب لها كل هذه الآلام الا انها تتراجع وتعمل على تعليمها الانتصاب والسير.
وتخضع المرأتان للظلم نفسه عندما تقفان تراقبان المذابح التي ارتكبت وتسببت بموت بشر لا ذنب لهم منذ عهد لوسي وصولا الى ما يجري الان على ارض فلسطين اضافة الى جرائم التمييز مثل قتل الرجل الابيض ابنته مرتين لانها احبت رجلا اسود.
وقد استخدم المخرج اسلوبا بسيطا اعتمد على تغيير موقع الثياب من جسد الممثل للانتقال من زمن الى اخر، اضافة الى الحركة التي كان واضحا انه بذل جهدا كبيرا لاتقانها من قبل المشاركين في العرض وكذلك بعض الدمى الخاصة بمشهد فتاة فلسطينية تنتزع عيون كل دمية تحصل عليها لانها فقدت خلال الحرب احدى عينيها.
وفي المؤثرات الصوتيه كان لصوت الراوي العميق والمضخم نوعا من حيادية وعمق التاريخ اضافة الى الموسيقى المختلفة بما فيها الاغاني وبينها اغنية للبيتلز احتفوا فيها باكتشاف الهيكل العظمي الخاص بلوسي، "لوسي ان ذا سكاي ويذ دايموندز" (لوسي في السماء مع الجواهر)، في الستينات.
وقال المخرج ان "مسرحيته تدعو للسلام ونبذ العنف ورعاية وحماية المجتمع البشري وحق الشعوب والافراد بالعيش بسلام وامن والحفاظ على حقوقهم وكرامتهم في جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية".