الاستهداف الأميركي للعراق.. التداعيات والحسابات والمخاطر

بقلم: كمال شاتيلا

في 19 تموز الماضي وخلال لقائه بجنود اميركيين قرب نيويورك، أعلن الرئيس جورج بوش "ان لا حل في التصدي للارهاب الا بالمواجهة الاميركية المباشرة، ونحن نتحمل تبعات الحرب وانتم المؤهلون لاحراز النصر فيها".
صحافة الغرب كلها الاميركية والاوروبية، تنشر سيناريوهات الحرب المتوقعة ضد العراق، ونائب الرئيس تشيني ومعه وزير الدفاع رامسفيلد ونائبه يحتكرون الدعوة للحرب الحتمية ولا يكترثون لتحفظ الاتحاد الاوروبي ولا للبيان المشترك الالماني الفرنسي ضد الحرب الاميركية والذي أشار الى ان اي قرار يؤخذ في هذا المجال يجب ان يصدر عن مجلس الامن وليس عن الولايات المتحدة وحدها.
رحلة تشيني الى البلدان العربية المشرقية قبل انعقاد قمة بيروت العربية واستماعه الى الرفض الرسمي العربي لضرب العراق، لم تؤخذ نتائجها بعين الاعتبار عند صقور الحرب الاميركيين، فالصقور حسب صحيفة "الدايلي ستار" اللبنانية، لا يريدون فقط التخلص من نظام صدام حسين بل يريدون الانطلاق من عملية العراق لاحداث جراحة جيوسياسية في المنطقة كلها تقوم على:
1 - تطويق سوريا تمهيداً لتغيير النظام.
2 - محاصرة ايران لتفكيك مفاعلاتها النووية ومن ثم تغيير نظام الحكم فيها.
3 - تفكيك المملكة العربية السعودية والسيطرة على مصادر نفطها تماماً.
4 - عزل مصر نهائياً واطلاق يد اسرائيل في الساحة العربية.
فامام هذه الامنيات الاميركية الموضوعة في خطط تكشفها احياناً مصادر مراكز ابحاث اميركية او تصريحات لمسؤولين او جلسات استماع في الكونغرس الاميركي، يبدو المشهد أكثر تعقيداً من كل هذه الخطط ومن حماسة صقور البنتاغون المتعجلين لتحقيق احلامهم.
فاعضاء كثيرون من الكونغرس الأميركي جمهوريون وديمقراطيون، يتزايدون يوماً بعد يوم ويطرحون تساؤلات على الادارة الاميركية: ماذا بعد صدام حسين؟ هل انتم متأكدون من ربح المعركة بلا خسائر كبيرة؟ ما هدف الهجوم بالضبط؟ وهل له مبررات شرعية.
كارل لوفان - ديمقراطي- يقول: انا مع تغيير نظام العراق وقلب صدام حسين، لكن ما هي الوسيلة الشرعية لهذا الهدف؟ فالغزو هنا ليس مبرراً شرعياً لانه ليس لدينا ادلة على ضلوع نظام بغداد باحداث 11 سبتمبر، او استخدام اسلحة الدمار الشامل، وليس لدينا ادلة عن علاقته بالقاعدة.
ويرد هذا السيناتور على دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الذي صرح "بان اعضاء من القاعدة يختبئون في العراق" بان هذا التصريح لا يستند الى أية اثباتات ولم تنجح المخابرات الاميركية طوال شهور في جمع ادلة.
السناتور جوزف بيدن يقول: في حالة وجود ادلة عن تورط صدام حسين فان الرئيس الاميركي مفوض بالحرب ويستند الى قرار صادر عن الامم المتحدة في 14 سبتمبر حول شرعية الحرب ضد دول او منظمات ضالعة باحداث 11 سبتمبر.
وهناك اعضاء في الكونغرس الاميركي يتخوفون من توجيه ضربات بأسلحة دمار شامل عراقية ضد اسرائيل في حال تعرضه للحرب.
صحيفة اللوموند الفرنسية تقول: "من سيموّل الحرب؟ فاذا كان الحلفاء عام 1991 قد موّلوا الحرب ضد العراق لاخراجه من الكويت بنسبة80 في المئة، فمن سيموّل الحرب الآن في ظلّ الرفض العربي لضرب العراق وفي ظل التحفظ الاوروبي؟
وتحذر "اللوموند" من ان ضرب العراق سيحوّل شعبه الى استشهاديين على الطريقة الفلسطينية وسيجعل العرب والمسلمين في حالة عداء شامل ضد الغرب عموماً وضد امريكا بصورة خاصة.
وتضيف الصحيفة الفرنسية المعروفة: وفي حالة استخدام العراق لاسلحة دمار شامل فماذا تكون نتيجة الهجوم الاميركي؟
ومن المعترضين الاميركيين على الحرب باحثان من معهد بروكنغز، فيليب جوردن وميخائيل اوهانلون... ففي مجلة السياسة الدولية رقم 96 سنة 2002 يقول الباحثان: معظم العالم وبخاصة العرب يرفضون الحرب الاميركية ضد العراق وبأن هذه الحرب اذا وقعت، فانها تشكل كارثة حتمية على الاقتصاد الاميركي وعلى استقرار الولايات المتحدة، وسوف تشعل حرباً طويلة الامد بين العرب واميركا التي لم تفعل شيئاً لحل المشكلة الفلسطينية.
وتتساءل اللوموند في 1 آب 2002: كيف تريد الولايات المتحدة ان يوافق العرب على الحرب ضد العراق لاسقاط نظامه السياسي؟ ومن يضمن ان لا يأتي الدور لقادة هذه البلدان العربية واحداً بعد آخر؟ وتشكك اللوموند بقدرة واشنطن على ايجاد بديل ديمقراطي لنظام صدام حسين، فالمعارضة منقسمة على نفسها ومعظم هذه المعارضة ترفض البديل الاميركي على الطريقة الافغانية.
وتقول الاوبزرفر البريطانية في 7 تموز 2002: وفق مصادرنا الاميركية نتوقع ان تنطلق المعارك من قطر والكويت وتركيا وكردستان والبحرين والشمال الكردي.
وتضيف الصحيفة البريطانية: ان التركيز الاميركي يجري حالياً على تركيا وقطر، اما السعودية التي تحملت المسؤولية لاخراج العراق من الكويت عام 1991 من خلال التحالف العربي الدولي، فانها ليست كذلك الآن اذ ترفض مبدئياً ضرب العراق وترفض نهائياً ان تكون ارضها منطلقاً للمشاركة في ضرب العراق، فالسعودية لها حساباتها وشعبها يكره الاميركيين".
وقد لوحظ في الآونة الأخيرة ان الحملات الاعلامية من جانب قطر ضد السعودية قد ازدادت مع انتشار خبر مغادرة القوات الاميركية السعودية الى القواعد الاميركية في قطر، ومن المعلوم ان قطر لها علاقات طيبة مع العراق الذي يبدو الآن في حالة حذر منها.
واذا كان الجنرال زيني رئيس هيئة الاركان الاميركية السابق يشك في نجاح العملية ضد العراق بتجنيد نحو 250 الف مقاتل اميركي، فالسيناريو الجديد الذي نشر مؤخراً في واشنطن حسب صحيفة "الاوبزروفر" ينص على استخدام خمسين ألفاً من الجنود الاميركيين كقوات برية يسبقهم قصف شامل لكل المراكز الحساسة في بغداد للسيطرة على العاصمة وعزل النظام ومن ثم تدميره بدون شن حرب شاملة على كل العراق.
ويعتقد الاميركيون حسب الصحيفة البريطانية "انه خلال 48 ساعة سينهار نظام صدام حسين قبل ان يكون بمقدوره استخدام اسلحة دمار شامل ضد القوات الاميركية".
لكن جيرالد بوش من مؤسسة "خدمة الشرق الاوسط الاقتصادية" يشكك بامكانية النجاح، ويرى ان استخدام الاميركيين لقواعدهم في الخليج رغم ارادة قادتها مسألة محفوفة بالمخاطر في ظل عداء شعبي خليجي شامل ضد الاميركيين.
وفي عددها الشهري (آب 2002) فان مجلة البريد الدولي الفرنسية تقول: ليس مصادفة ان تسريب خبر غزو العراق صدر في نفس اليوم الذي اعلن فيه عن تورط الرئيس بوش ونائبه تشيني بفضائح الشركات الأميركية وكلما يقترب الاتهام من بوش شخصياً فان الحملة ضد العراق تتصاعد.
واذا كانت كل الخيارات والسيناريوهات تتجمع في مكتب الرئيس جورج بوش كي يختار منها ما يشاء، فانه يواجه الآن كارثة فضائح الشركات واصابة نصف الشعب الاميركي من آثارها كخسائر اسهم في هذه الشركات والتي تقدر حتى الان بـ320 مليار دولار، وقد تعرضت صناديق الضمان الاجتماعي التي توظف اموالها في الشركات العملاقة الى خسائر فادحة سوف تنعكس على الوضع الاجتماعي لشرائح واسعة من الاميركيين.
ولكون انتخابات تجديد ثلث اعضاء الكونغرس في الخريف القادم ومعركة التجديد للرئاسة بدأت، فان بوش الابن لا بد انه يتذكر ما حصل لوالده الذي كان يتمتع بتأييد 80 في المئة من الاميركيين خلال حرب الخليج لكنه خسر لاسباب محلية اقتصادية واجتماعية امام بيل كلينتون، ومشكلة بوش انه لا يستطيع اقامة تحالف دولي ضد العراق كما نجح قبل حربه ضد افغانستان وكما نجح والده في تشكيل تحالف دولي لاخراج العراق من الكويت عام 1991، فالظروف مختلفة الآن عن التسعينات بالنسبة للعرب والاوروبيين والروس والصينيين وحتى اليابان واستراليا وكندا يتحفظون على خطط اميركا الحربية ضد العراق.
فهل تستطيع اميركا خوض الحرب وحدها بدون غطاء مجلس الامن والعرب؟
انها مغامرة بل هي مقامرة بالفعل، ذلك ان افتراض الفشل وارد، وكما يقول معهد بروكنغز الاميركي ستكون كارثة على الاقتصاد الاميركي والاستقرار.
ولسوف يسقط بوش وادارته "سقوطاً جمهورياً على المستويات كافة" ، ذلك ان فشل اهداف الحرب الاميركية لو وقعت لن يكون فقط على المستوى الاقليمي للشرق الاوسط بل سيكون بداية النهاية للامبراطورية الاميركية، كما يتوقع المفكر الاميركي المعروف بول كنيدي الذي يؤكد بان "الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل اعباء الامبراطورية على المدى المتوسط بسبب ضعف اقتصادها ومديونيتها".قال هذا الكلام منذ سنتين اي قبل احداث 11 سبتمبر وقبل فضائح الشركات الاميركية العملاقة. كمال شاتيلا
عميد المركز الوطني للدراسات