ما هي قيمة الخدمات التي تقدمها الارض؟

كل دولار ننفقه على البيئة نجني من ورائه مائة دولار

سان فرانسيسكو - من آندي جولدبيرج
تعمد أفكار عالم اقتصاد البيئة روبرت كوستانزا إلى تغيير أسلوب تفكير العالم إزاء الدمار الحاصل في البيئة. فقد استحدث كوستانزا قواعد يعتقد كثير من الخبراء أنها ستكون أساسا لفرع أكاديمي سيكون الاهم في العقود المقبلة، ذلك أن كوستانزا يسعى إلى حساب ثمن المكاسب التي يجنيها البشر من الطبيعة.
وبالتالي، فهو يحسب أيضا التكلفة الاقتصادية لتدمير الموارد الطبيعية.
وستطرح النتائج التي توصل إليها كوستانزا للمناقشة ضمن أهم الموضوعات التي ستتناولها قمة الارض في جوهانسبرج. فالارقام التي توصل إليها كوستانزا ومعاونوه مذهلة في حد ذاتها.
ولكن ما يسترعي الانتباه أكثر هو الحجج التي استخلصها من تلك البيانات والتي يبدو أنها تدين إدانة دامغة نظاما اقتصاديا يتمتع فيه ملاك الاراضي من الافراد والشركات بحرية استغلال الموارد الطبيعية بدون اعتبار التبعات الاقتصادية الحقيقية لافعالهم.
وتقول مجلة "صالون.كوم" التي تنشر على الانترنت والتي عرضت مؤخرا تفاصيل حديث طويل مع خبير الاقتصاد المجدد "إن الفضيحة المحاسبية بحق كوكبنا تجعل فضائح شركتي "إنرون" و"وورلد كوم" (وهما الشركتان الاميركيتان العملاقتان اللتان قامتا باعمال تلاعب وتزوير في حساباتهما، تتضاءل لحد تافه بالمقارنة".
وقد لفت كوستانزا الانظار أول مرة عام 1997 عندما نشر مقالة أحدثت ضجة في مجلة "نيتشور" (الطبيعة) المعنية بالشئون البيئية، قدر فيها قيمة الخدمات التي تقدمها الطبيعة مثل التحكم الطبيعي في المناخ والحماية من العواصف والتحكم في التآكل وتكوين التربة طبيعيا ودورات الغذاء وخدمات التلقيح التي تقدمها الحشرات والطيور وخدمات الامداد الطبيعي بالمياه والغذاء والمواد الخام وإعادة تجديد الطبيعة لمواردها بنفسها والموارد الوراثية والفوائد الثقافية والعلمية. وتراوح الرقم الذي توصل إليه بين 18 و61 تريليون دولار سنويا.
ويتم في المرحلة الراهنة من أبحاثه التي يعاونه فيها 12 خبيرا آخر بحث تكلفة تدمير أنظمة البيئة ويقارنها بتكلفة حفظ البيئات الطبيعية للكائنات الحية. وتدل نتائج الابحاث التي ستعرض بالتفصيل على قمة الارض على أن المجتمع يمكن أن يجني مائة دولار عن كل دولار ينفقه على المحافظة على البيئة.
ويقول كوستانزا "من وجهة نظر اقتصادية، عندما تحافظ على الطبيعة، فإنك تجني على الاقل مائة ضعف ما تنفقه".
وما يدعو للدهشة أن المبلغ المطلوب للمحافظة على أراض برية وطبيعية شاسعة منخفض نسبيا. ويقدر كوستانزا التكلفة السنوية للحفاظ على 15 في المائة من الاراضي التي تعيش فيها الكائنات الحية على البر و30 في المائة من المحيطات بما لا يزيد عن 45 مليار دولار سنويا. وأما الخدمات الطبيعية التي يحصل عليها البشر من هذه المنطقة فقد قدرها بما يتراوح بين 4.5 و5.5 تريليون دولار سنويا.
إلا أن هيكل اقتصاد الشركات يمنع المجتمع من القيام بهذا الاستثمار المجدي حسبما يؤكد كوستانزا الذي قال "إن في وسع الملاك من الافراد أن يجنوا مكاسب خاصة وهم ليسوا مضطرين إلى دفع التكاليف الاجتماعية". وأضاف "ومن ثم فمن منطلق رؤيتهم الخاصة يبدو الامر جيدا جدا من الوجهة الاقتصادية، ولكنه يبدو سيئا جدا من الوجهة الاجتماعية".
ويعتقد كوستانزا أن الحلّ هو إرغام الشركات على دفع التكاليف الاجتماعية لافعالها، والتي يمكن حاليا تقديرها بشيء من الدقة بسبب أبحاث كوستانزا. فعل سبيل المثال يمكن إنهاء الصراع على التنقيب عن البترول في المحمية الطبيعية الوطنية بالقطب الشمالي بأن يشترط على الشركات الراغبة في التنقيب في هذه المنطقة والتي تدعي أن أعمالها لن يكون لها أثر كبير على البيئة، إيداع مبلغ كفالة يعادل دمار البيئة في أسوأ الحالات المتصورة.
وقال "وإذا لم يحدث ضرر مطلقا تستعيد الشركة المبلغ. ولكن إذا وقع الضرر تخسر الشركة مبلغ الكفالة وتستخدم النقود في تمويل نشاطات إصلاح الاضرار البيئية".
ويقول كوستانزا أن المجتمع هو الرابح في الحالتين. فالشركات ستكون حريصة كل الحرص على تجنب حدوث أضرار بفضل الكفالة التي تضمن التكلفة الاجتماعية للنشاط الاقتصادي، وربما تتخلى كلية عن الخطط المحفوفة بالمخاطر بالنسبة للبيئة.
ويعد هذا التكتيك تغييرا جذريا من النهج التقليدي الذي يركز على لاأخلاقية الاستغلال البيئي إلى نهج بيئي يقوم على أسس علمية بحساب التكلفة الاقتصادية ويرسخ ضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية في المستقبل.
ويوضح كوستانزا "نريد أن نرفع مستوى النزاهة في النتيجة النهائية. نحن نجعل أرباح الشركات تبدو أكثر بكثير مما هي في الواقع لانها لا تدفع تكاليف تلك الارباح بالكامل".
ويؤكد الخبير المجدد انه "لابد من نهج جديد لتناول قضايا البيئة. فالحجج الاخلاقية لحماية البيئة في محلها ولكن من الواضح أننا نحتاج إلى نهج جديد". وهو يقصد بالطبع الحاجة لايضاح المزايا الاقتصادية للحفاظ على البيئة، خاصة بالنسبة للشركات الاميركية التي ترفض القيود البيئية لانها تكلفها مبالغ اضافية من جهة، ولانها تحد من اسواق توزيع منتجاتها من جهة اخرى.