مآل الانتفاضة والحوار الفلسطيني الذي تأخّر كثيرا

بقلم: ماجد كيالي

منذ أسابيع والساحة الفلسطينية تشهد نقاشات وتفاعلات مكثفة بين مختلف الفصائل الفلسطينية الفاعلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بهدف الاتفاق على استراتيجية سياسية وكفاحية مشتركة باتت هذه الساحة بحاجة ماسة لها بعد أن آلت أوضاعها إلى ما آلت إليه.
ولكن مشكلة الفلسطينيين أن الحوار فيما بينهم، إذا تم، فهو على الأغلب بمثابة حوار بين "طرشان" أي باتجاه واحد، أو أنه يأتي في معظم الأحيان متأخرا، وربما أنه في هذه المرة يأتي بعد فوات الأوان.
ومنذ اندلاع الانتفاضة، خصوصا، كان الفلسطينيون بحاجة لحوار يوحّد خطابهم السياسي ويرشّد طرقهم النضالية، ولكنهم عوضا عن ذلك تركوا نهبا للفوضى والعفوية والمزاجية والتوظيفات الفصائلية، ما كلفهم ثمنا باهظا من معاناتهم وتضحياتهم ومن تحميل انتفاضتهم فوق ما تحتمل ما أدى إلى هدر طاقاتهم النضالية.
ومشكلة الفلسطينيين، أيضا، أنه على رغم حيوية قضيتهم وتداخلاتها الدولية والإقليمية وتضحياتهم وكثرة فصائلهم و"قياداتهم" ومنشوراتهم، فإن ساحتهم تكاد تفتقر للنقاش السياسي، الاستراتيجي والعقلاني والمدروس، بسبب غياب ثقافة الحوار وضعف المنابر والإطارات الجمعية التي تتيح المجال لخلق حالة نقاشية نقدية تمكّن من تبادل الآراء وتفاعل الأفكار؛ وبسبب سيادة الخطابات التحريضية والعاطفية التي تعيد إنتاج البديهيات والعموميات والمطلقات، على طريقة الوصفات الطبية والفتاوى الدينية والمواعظ الأخلاقية، متجاهلة الإمكانيات الذاتية وموازين القوى والمعطيات العربية والدولية، في كل مرحلة.
ومن دون التقليل من أهمية الجهود الفردية والحوارات الجارية فإن الساحة الفلسطينية بحاجة أساسا، وإضافة إلى هذا وذاك، إلى التربية على ثقافة الحوار وتقبّل الرأي الأخر واتقان المعادلة التي توائم بين الطموحات الذاتية والأهداف الممكنة بدون توهّمات أو مبالغات. وهي بحاجة، أيضا، إلى تعميم الحوار، حول الخيارات السياسية، بتحويله من مجرد حوار بين بضعة أفراد أو قياديين في فصائل معينة إلى نقاش وطني عام في المنابر الجماهيرية والإعلامية وفي الهيئات التنظيمية للفصائل، ذاتها، بمختلف مستوياتها وفي المؤسسات والإطارات الوطنية التمثيلية (لجنة تنفيذية ومجلس وطني ومركزي وتشريعي) وغيرها.
ويمكن تفسير تعثر وضعف الحوار في الساحة الفلسطينية بعوامل عدة أهمها: أولا، طريقة القيادة الفوقية والفردية في صوغ القرارات، وتغييبها للأطر الشرعية، وإحجامها عن المبادرة لتنظيم مثل هذا الحوار حول القضايا المصيرية، في وقت تبدي فيه اهتماما بالتحاور مع الأميركيين والإسرائيليين.
وثانيا: تفشي النزعة الفصائلية، فكل فصيل يمارس السلطة ويدّعي الحقيقة، ويمارس وصايته على القضية والشعب! بحسب حجمه وإمكاناته وعلاقاته الإقليمية.
وثالثا: غياب أو تغييب العلاقات الديمقراطية التعددية داخل معظم الفصائل وسيادة المركزية في حياتها الداخلية.
ورابعا: ضعف الحراك الداخلي، فالقيادات أبدية، بينما الكادرات المجرّبة تهجر فصائلها (في معظم الأحوال) بسبب القناعة بعدم جدوى هذه الفصائل واستهلاكها لدورها!؛ والأنكى من كل ذلك أن الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن عواطفه، مغيّب سياسيا وهو لا يمتلك علاقة إيجابية تفاعلية وتبادلية ملموسة مع معظم الفصائل العاملة في ساحته!
وهذه العوامل كلها تفسر بقاء الساحة الفلسطينية جامدة، في أحوال كثيرة، بأطرها وأفكارها ووسائل عملها عند النقطة التي انطلقت منها في الستينيات، برغم كل ما مرت به من منعطفات وتطورات وإنجازات وانكسارات! فلا مراجعة ولا نقد ولا محاسبة ولا حتى مكاشفة! والمفارقة، على صعيد السياسة، أن كل طرف (في السلطة أو المعارضة) يدّعي أن الأحداث أكدت وجهة نظره وأنه يعبر عن الشعب!
الآن من المثير للاستغراب أن الحوار الفصائلي يجري في ظل تجاهل القيادات لضرورة دراسة ما آلت إليه الأحوال والمسارات، أي أحوال الانتفاضة والشعب، أو مسارات المقاومة والتسوية، وعدم تمثّل التغيرات والتحديات والتعقيدات، التي تواجهها الساحة الفلسطينية، واستمرارها بالعمل بنفس الطريقة والمواقف التي اعتادت عليها وكأن شيئا لم يحدث!
ويبدو أن القيادات السائدة منشغلة، عن هذا الأمور، بلملمة أوضاعها، فالسلطة منشغلة بتدبّر نفسها وترميم شرعيتها (دوليا وإقليميا) وبناء مؤسساتها وأجهزتها وتعزيز مكانتها إزاء شعبها وتأمين مواردها المالية، وهو ما جعلها تذهب للإصلاح تحت الضغط الخارجي في حين مانعت طويلا التجاوب مع دعوات الإصلاح الداخلية!
أما المعارضة فهي ما زالت مسكونة بهاجس الصراع مع عرفات وخياراته، والتشكيك بوطنية وصدقية بعض رموز السلطة، سياسيا ومسلكيا وماليا، وبعضها منشغل، أيضا، بتعزيز شرعيته، بغض النظر عن الثمن، باجتراح طرق نضالية صعبة ومكلفة، من كل النواحي، من دون التمعّن بآثار ذلك على المجتمع الفلسطيني وعلى مسار قضيته.
المهم الآن، وبعد أن حصل ما حصل، فإن القيادات الفلسطينية، وبخاصة الرئيس عرفات (كونه يتحمل المسؤولية الأكبر عن العمل الفلسطيني)، على المحكّ إزاء الشعب والقضية، فالأوضاع باتت لا تحتمل ولا بد من المبادرة، بشكل مباشر، ومن خلال الهيئات القيادية الشرعية، إلى مفاتحة الشعب بحقيقة الأوضاع: صعوباتها وتعقيداتها والإمكانيات المتاحة والتحديات المطروحة؛ وخصوصا لتوضيح القضايا التالية:
1ـ تحديد مآل الانتفاضة، فليس خافيا أن الانتفاضة، ببعدها الشعبي، تآكلت عمليا منذ وقت طويل، لصالح ظاهرة المقاومة، وأن هذه الظاهرة بدورها تعرضت لضربة قاسية. والمعنى أنه يجب التصريح بهذه الحقيقة، فلم يعد مقبولا الاكتفاء بالحديث العام عن ضرورة الصمود والقول، مثلا، بأننا انهزمنا عسكريا ولم ننهزم سياسيا لأن إرادتنا قوية. فالمصارحة يجب أن تفتح أسئلة عديدة، من نوع: لماذا وصلت الحال إلى ما هي عليه؟ وهل من الممكن أو ثمة مصلحة بتجديد الانتفاضة؟ أو ما هي وسائل العمل البديلة والممكنة على ضوء التعقيدات الراهنة؟ إذ ليس من المعقول التعامل وكأنه ليس ثمة مسؤول (كأن ما حصل قضاء وقدرا)، أو تجاهل التقرير بمصير الانتفاضة وكأنها ظاهرة عفوية يمكن أن تستمر إلى الأبد.
2 ـ ضرورة التوافق على استراتيجية سياسية موحدة لهذه المرحلة، صحيح أن الشعب الفلسطيني (والعربي) يحلم (ويتمنى) بأن يستيقظ ذات صباح ليرى فلسطين وقد تحررت من الصهاينة، ولكن يجب التوضيح بصراحة بأن الأحلام والأمنيات، وحتى الحق والعدالة، شيء، والسياسات وموازين القوى شيء آخر، إذ لا يمكن استعادة الحقوق ونيل الأمنيات بضربة واحدة ومرة واحدة. والمعنى أنه لابد من التوافق على هدف معين، على ضوء المعطيات والإمكانيات الراهنة، وهو المتمثل بإقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967؛ فبرغم الإجحاف بالحق التاريخي للشعب الفلسطيني في هذا الحل، إلا أنه قد يفتح المجال، مستقبلا، أمام تفاعلات ربما تتيح تقويض الطابع العنصري والاستعماري للدولة الصهيونية، لصالح دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية علمانية ـ لمواطنيها في فلسطين التاريخية.
3 ـ التركيز على الانسجام والتكامل بين الاستراتيجيتين السياسية والميدانية، والمعنى أنه إذا كانت المعطيات الراهنة تشرّع الكفاح للتخلص من الاحتلال في الضفة والقطاع، وأنه إذا كانت الانتفاضة حالة فعل، أصلا، في الإطار الجغرافي والبشري لهذه الأراضي، فمن البديهي التوافق على تركيز المقاومة المسلحة ضد الوجود الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي فيهما بشكل مدروس وموجه، مع احتساب الاقتصاد بالقوى، فالمسألة هنا ليس لها علاقة بالاجتهادات ولا بوجود مقاومة لمجرد المقاومة ولا بالتنافس السياسي وإنما بالجدوى السياسية.
4 ـ أهمية المواءمة بين الكفاح لدحر الاحتلال وبناء الكيان السياسي، باحتساب مدروس للطابع المزدوج لحركة التحرر الفلسطيني. فعملية البناء تخدم وحدة الشعب الفلسطيني وتعزز وجوده السياسي والاجتماعي وتقوض ركنا أساسيا من أركان العقيدة الصهيونية، التي تأسست على تغييب هذا الشعب، أما استمرار طابع التحرر الوطني فهو يساهم في عزل إسرائيل ويفضح ممارساتها العنصرية والعدوانية والاستعمارية في الأرض المحتلة ويشرع الكفاح ضد الاحتلال.
أخيرا لا شك بأن الرئيس عرفات يتحمل، من موقعه المتميز والمقرر، كزعيم للشعب الفلسطيني، مسؤولية المبادرة لمكاشفة شعبه بالحقائق وبالأخص مسؤولية الشروع بعملية التجديد التي تتلاءم ومتطلبات الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية، فالشعب الذي قاسى أهوال الحصار والعدوان وعانى الأمرين جراء التجويع والتقتيل والتدمير، من حقه أن يعرف مصير انتفاضته، ومآل هدفه المتمثل بالحرية والاستقلال وما هو ممكن وما هو غير ممكن في هذه المرحلة، ومن حقه على الرئيس أن يبادر لتصحيح مسيرته وأوضاعه، وإذا لم يكن الآن فإلى متى؟ وهل مازال عرفات يملك الوقت أصلا؟!