منال الشربيني: شاعرة رعوية جديدة

بقلم: أحمد فضل شبلول

يدلنا التاريخ الشعري العالمي، على ظهور بعض الشعراء المحبين للطبيعة، وللريف، والحياة البسيطة الهادئة التي تمنحهم شيئا من الحرية والانطلاق، بعد أن تضيق حياتهم ذرعًا بصخب الحياة في المدن الكبرى، وازدحام طرقاتها وأزقتها.
وقد اعتمد هؤلاء الشعراء على قاموس لغوي مشتق من تلك البيئة الطبيعية التي أحبوها، وعاشوا ـ أو تمنوا أن يعيشوا ـ فيها، وأُطلق عليهم شعراء الرعاة، أو الشعراء الرعويون، وأُطلق على شعرهم شعر الرعاة، وعلى قصائدهم وأغانيهم، القصائد أو الأغاني الرعوية.
ويعد الشاعر السكندري القديم ثيوكريتوس المولود حوالي عام 310 ق.م في سراقوسة بجنوب إيطاليا، أعظم شعراء الرعاة قاطبة في زمانه، فقد كان شعره "تعبيرا عن حاجة ملحة أحس بها أبناء العصر السكندري الذين ضاقوا ذرعا بالحياة في المدن الكبرى وأحسوا بصخبها وضجيجها، فأحبوا الريف وتاقوا للحياة البسيطة وحسدوا الرعاة على حريتهم وانطلاقهم".
يقول ثيوكريتوس في إحدى قصائده الرعوية على سبيل المثال: "والآن يا نبات العليق المتسلق ليتك تزهر بنفسجا، ويا ليتك أنت أيضا أيها العوسج تحمل أزهار البنفسج! ليت زهور النرجس الخلابة تنبت فوق شجر العرعر! ليت كل شيء يتغير ويا ليت أشجار الصنوبر تثمر كمثرى، لأن دافنس يحتضر. ليت الأَيِّل (الوَعْل أو الماعز الجبلي) يمزق كلاب الصيد إرِبًا، وليت البوم القاطنة في الجبال تنافس في الشدو العنادل .. الخ". وقد جاء بعد ثيوكريتوس العديد من الشعراء الرعويين الذين تغنوا بالطبيعة، وأسهموا في تأسيس المدرسة الرعوية في الشعر العالمي، ومن أهم هؤلاء الشعراء: فرجيل (صاحب الإنيادة) ووليم بليك، وجون ملتون (صاحب الفردوس المفقود) ووردزورث، وروبرت بروك. أيضا لدى الشاعر السنغالي الرئيس ليوبولد سنغور قصائد رعوية مستلهمة من الطبيعة والغابات الإفريقية. يقول ليوبولد سنغور على سبيل المثال. سأستعير الناي الذي يوقِّع سلام القطعان
وطوال النهار جالس في ظل أهدابك، قرب "نبع فيملا"
أمينا، سأرعى الخوار الأشقر لقطعانك
ذلك أنه في هذا الصباح يدٌ من ضوء داعبت رموشي التي من ليل
وطوال النهار، قلبي ردَّ صدى نشيد العصافير البكري
ويعتقد بعض الدارسين للشعر العربي، أن الشعراء القدماء الذين عاشوا في البادية العربية وتغنوا بالصحراء والجِمال والليل والنجوم من أمثال: امرؤ القيس، وذو الرمة، وعنترة بن شداد، يعدون من الشعراء الرعويين، بل بعضهم يذهب إلى أن الكثير من قصائد البحتري وأبي تمام تنتمي إلى القصائد الرعوية.
وإذا انتقلنا للعصر الحديث، سنجد شعراء من أمثال: جبران خليل جبران (وخاصة قصيدته المواكب)، وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة، ورشيد سليم الخوري، (الملقب بالشاعر القروي). ومحمود حسن إسماعيل (وخاصة في ديوانه أغاني الكوخ) وأبو القاسم الشابي، ومحمد عبد المعطي الهمشري (الذي قال عنه فاروق شوشة إنه أغنية ريفية صافية) ، وبدر شاكر السياب، وعيسى حسن الياسري، وغيرهم.
يقول م.ع. الهمشري في قصيدته المعروفة "أحلام النارنجة الذابلة": كانت لنا عند السياجِ شجيرةٌ

إلفَ الغناءَ بظلها الزرزورُ

طَفِقَ الربيعُ يزورها متخفيا

فيفيضُ منها في الحديقة نورُ

حتى إذا حلَّ الصباحُ تنفستْ

فيها الزهورُ وزقزق العصفورُ

وسرى إلى أرضِ الحديقة كلِّها

نبأُ الربيعِ وركبُهُ المسحورُ

كانت لنا، يا ليتها دامت لنا
أو دام يهتفُ فوقها الزرزورُ

بطبيعة الحال سنجد تطورا للقصيدة الرعوية من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى أخرى، وخاصة في مجال التكنيك الشعري، أو في مجال البنية الشعرية. *** وفي ديوانها الأول "عند مفترق الذكرى والخرافة" تحاول الشاعرة منال الشربيني، اقتفاء أثر الشعراء الرعويين، أو الانتساب إلى مدرسة الشعر الرعوي، ولكن من خلال منظورها الشعري الخاص، ومعالجتها الشعرية المختلفة، ضمن عالم الشعر التفعيلي، وما يسمى بقصيدة النثر.
تقول الشاعرة في قصيدة "بقايا نداء": أتَى ..
نلهو على كتفِ الوادي
ترقُبُنا (عيونُ) الماءِ والخيمَةُ الشرقية
في صمتِ الحلمِ البُرْعُم
يَقتربُ البردُ
ترتاعُ خيولُ المَحْميَّة
وجبالُ الحزنِ الثكلى
تَحملُها قلوبٌ غجريَّة ..
في البدءِ صُراخٌ في المَرْجِ
ونحيبُ الأرضِ البدويَّة
ينقُشُ قِنديلا في الرمْلِ
ينقلبُ غبارًا وحشيا
غيمٌ يغتالُ براءتنا
يقذفُ بالثلجِ مرايا الماء
وكأنَّ الكونَ بقايا (نداء)
يحلمُ بالشمسِ الرعويَّة
وعِظَامُ الأرضِ طُغاةٌ
تَنْتحلُ صفاتٍ بشريَّة
وتمرُّ الشمسُ بجُبِّ الماءِ
تَنْضَحُ أكفانًا ونشِيجا
تَغْفو
تُهديه براءَتَها
ويلفُّ العشبُ حديثَهما
يرقبُ (سرابُ) الماء والدمعةُ الشرقية
لن نحتاج إلى تحليل اللغة في هذه القصيدة، لنكتشف أنها تنتمي للشعر الرعوي، أم لا؟ فكل مفردات القصيدة تشي بذلك، ولكن علينا أن نحلل المفارقة في الصورة المرسومة في السطر الثالث (ترقبنا عيونُ الماء والخيمةُ الشرقية) على ما بها من خروج على وزن تفعيلة المتدارك الخببي، الذي سارت عليه الشاعرة في أغلب سطور القصيدة، والصورة المرسومة في السطر الأخير (يرقب سرابُ الماء والدمعةُ الشرقية) وما بها أيضا من خروج على وزن التفعيلة نفسها. الشاعرة هنا لم تتغنَ بالطبيعة، على عادة الشعراء الرعويين، ولكن الطبيعة عندها، في هذه القصيدة، وبقية قصائد الديوان تقريبا، ساحة للصراع، والاغتيال، والنحيب، ومن ثم تخفت الغنائية، ويحل محلها الدرامية التي يفجرها الصراع بين عناصر الطبيعة (البرد الذي يروع خيول المحمية، وجبال الحزن الثكلى، والقلوب الغجرية، والصراخ، ونحيب الأرض البدوية، والغبار الوحشي، والغيم الذي يغتال البراءة، والأكفان، والنشيج ..)، ومن ثم يتحول اللهو على كتف الوادي مع الحبيب الذي أتى في مطلع القصيدة، أو مطلع الحياة المشرقة الدافئة، وسط عيون الماء وفي مراح الخيمة الشرقية، إلى صراع وقتال ووحشية مع اقتراب البرد، رمز الجفاء البشري، أو رمز المحتل الغاصب، الذي يزحف إلى المشاعر الإنسانية الدافئة، ويحطمها، أو يحيلها إلى غضب وزمجرة، ومن ثم تتحول عيون الماء إلى سراب، والخيمة الشرقية رمز الكرم والجود والعطاء في العالم الرعوي القديم، تتحول إلى دمعة شرقية، علامة على الحزن، والألم، والمعاناة.
والنتيجة التي نخرج بها من القصيدة، أن الشاعرة تحاول أن تفكك أو تخلخل أو تثور على العالم الشعري الرعوي الذي يتغنى بجمال الطبيعة، والريف، والحياة البسيطة الهادئة الهانئة، التي لم يعد لها وجود في ظل هذا الصراع والحزن والاغتيال.
وعلى الرغم من أن الشاعرة خارجة من عباءة الشعر الرعوي، إلا أنها تثور على أجدادها وآبائها من الشعراء الرعويين السابقين، فتنقُض ما حاولوا بناءه من قبل.
ولعل عنوان الديوان "عند مفترق الذكرى والخرافة"، الذي لم يحمل عنوان إحدى قصائد الديوان، كما عودنا معظم شعرائنا، يشي بالروح العامة المسيطرة على قصائد الديوان كلها، تلك الروح المنبثقة من إحساس الشاعرة أنها تقف عند مفترق الطرق الشعرية، ما بين القديم الرعوي الذي جسده آباؤها وأجدادها في قصائدهم، والجديد الرعوي الذي تتطلع إلى إنجازه، ويحمل بصمتها الشعرية، وبصمة عصرها. ولعل هذا القديم يحمل قدرا كبيرا من الخرافة حول سهولة الحياة في الريف، وهدوئها، وهنائها، على النحو الذي تغنى به الفنان محمد عبد الوهاب في أغنيته "محلاها عيشة الفلاح"، أو على النحو الذي قرأناه في رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل، أو على النحو الذي رأيناه في فيلم "خرج ولم يعد" ليحيى الفخراني وليلى علوي .. وما إلى ذلك. إن لسان حال الشاعرة يقول إن ما صوره معظم السابقين عن الريف المصري، ما هو إلا خرافة، فللريف قضاياه ومشكلاته العصية على الحل. ولعل الشاعرة عندما تتذكر، وهي تقف عند مفترق الذكرى، ما كتبه الأقدمون عن الريف ـ إذا كان صحيحا من وجهة نظرهم ـ تصيبها الحسرة على ما آل إليه حال الريف الآن. ولعل في هذه الذكرى نوعا من أنواع المقارنة غير المقصودة بين الماضي والحاضر، لذا فإنها عندما تكتب شعرا رعويا الآن، تكون الصورة أو الرؤية على نحو ما تحدثنا عنه وشاهدناه في قصيدتها السابقة. إنها تستطيع الآن أن تواجه آباءها وأجدادها من الشعراء الرعويين السابقين، فتقول لهم في قصيدة نثرية قصيرة (إبجرامة) بعنوان "المواجهة". في طرقات مجهولة
تتخبط الأحلام
وحدها ..
ونثار المرايا
تُذبل الندى
فيتشقق جبينُ المطر!
لقد تحولت الحقول الخضراء الجميلة الباسقة ـ في زمن الشاعرة ـ إلى حقول دم، فماذا ننتظر بعد البرد الذي يروع خيول المحمية، وجبال الحزن الثكلى، والقلوب الغجرية، والصراخ، ونحيب الأرض البدوية، والغبار الوحشي، والغيم الذي يغتال البراءة، والأكفان، والنشيج، ماذا ننتظر سوى حمامات الدم، بل حقول الدم على حد تعبير الشاعرة في قصيدتها النثرية أو إبجرامتها التي اختارت لها عنوان "الغدر" والتي تقول فيها: في "حقل الدم"
تتأوَّه أيقونةٌ للنيل
تغزل من سعف النخيل أوتارا
يغتالها الصدى
تنزف لحنا أخير !!
إن بنية الصراع التي تتفجر على مستوى الديوان، إلى جانب البنية الفنية لقصائد الإبجرامة، يقودان إلى مقطوعة نثرية عنوانها "الجحود" تتكون من ثماني كلمات فقط، هي: ضارعٌ
يرجو الغيومَ
ترفقتْ
فلما ارتوى
تضرَّع للشمس !
فهذا الرعوي أو الفلاح أو البدائي الذي كان يتضرع للغيوم كي تمطر، فيثمر الزرع، وتزهر الحقول، وترتوي الحياة، ما إن استجابت الغيوم وهطل المطر، وتحقق الخير المرجو، أدار ظهره للغيم، وبدأ يتضرَّع للشمس، كي تشرق، وتزيح الغيوم في طريقها. ومن ثم فإن بنية الجحود، التي هي جزء من بنية أكبر هي بنية الصراع في عالم الشاعرة، تُعمق من انقلاب مفاهيم الشعر الرعوي، في هذا العالم. في الماضي لم يتحدث الشعراء الرعويون عن جحود مثل هذا الجحود الذي وجدناه في تلك الإبجرامة عند منال الشربيني، ولكن في ظل انقلاب المفاهيم، أو تخلخلها على هذا النحو، فإنه يصبح من المنطقي وجود بنية صغيرة، مثل بنية الجحود والنكران في عالم الشعر الرعوي. بل إننا نتوقع وجود يم ميت، وشواطئ منفِّرة، في جسد القوقعة التائهة.
لقد اختلف شكل الفلاح أو الرعوي أو الراعي، عما كان من قبل، لقد صوره الأقدمون، في صورة أقرب ما تكون إلى نصف نبي، أو سلطان العالم والدهر، يتطلع البشر إلى مرآه، فهو جزء من الطبيعة الجميلة، إنه كائن طيب شفاف يحنو أو يحدب على الجميع، لا يحمل سوى نايه الذي ينفخ فيه، إذا أرقه أو أمضه شيء في حياته الرتيبة، ولا توجد لديه عقد نفسية مثل التي يعاني منها أبناء المدينة، يقول ميخائيل نعيمة في قصيدة "صدى الأجراس" على سبيل المثال: ها هم أترابي قد سرحوا
في الغابِ يقودُهم المرحُ
وبقيت أنا وحدي سكرانا
يرقصُ في قلبي الفرحُ
فجلستُ على كتفِ النهر
ما بين العوسجِ والزهر
العالمُ مملكتي وأنا
سلطانُ العالمِ والدهر
ولكن مع انقلاب المفاهيم، وتغير نمط الحياة، تقول الحفيدة الشاعرة: في بلادي
ليس يرتاح الحمام
ليس يشدو أو يطير
حتى شكل الراعي والناي القديم
لم يعد يغوي الصبايا
والخرير لم يعد مهد البوادي
والجرار فارغات .. فارغات
وإذا كان الشاعر السكندري الرعوي القديم ثيوكريتوس قد قال منذ أكثر من ألفين وثلاثمائة عام "ليت زهور النرجس الخلابة تنبت فوق شجر العرعر!"، فإن حفيدته منال الشربيني تقول في إبجرامة بعنوان "الشرق": قابعٌ في النسائم
يعبث بدثار النرجس
ولَّت وجهها شطره
فكان من "الآفلين".
وإذا كان الجد الرعوي بدأ عبارته الشعرية بأداة التمني ليت، فإن حفيدته الرعوية، تقرر حقيقة قائمة في عالمها الشعري، وهي أفول الشرق في وجه زهرة النرجس. ومن المعروف أن زهرة النرجس من نباتات الدنيا القديمة (كما جاء في الموسوعة العربية الميسرة) وهي من الرياحين. ومن اسمها اشتقت أسطورة نارسيس، التي تصور حالة الشخص المستغرق في حب ذاته والإعجاب بها، ثم مصطلح النرجسية، في علم النفس. فماذا يعني أفول الشرق في وجه زهرة النرجس؟
معناه أن هذا الشرق العابث لا يرى نفسه جيدا، ولا يعطي الفرصة لزهرة النرجس أن ترى نفسها هي الأخرى، معناه أن الشرقَ غيرُ قادر على الحوار مع الآخر، حتى ولو كان هذا الآخر هو زهرة النرجس، إنه يعبث بها وبدثارها، وبأوراقها البيض العطرية، وبتاجها الضارب إلى الحمرة، ولكن عندما تبدأ الزهرة في الالتفات الجِدي لهذا الشرق، لتبدأ حوارا حضاريا، يبدأ هو في الانزواء، ويكون من الآفلين. رؤية جديدة ـ في كلمات قليلة ـ تطرحها الشاعرة من خلال مفرداتها الرعوية المختلفة.
لقد استطاعت الشاعرة منال الشربيني أن تُخضع عالم المفردات الرعوية لرؤيتها الخاصة، وأن تتخلصَ من السلطة الرعوية للشعراء السابقين عليها، وتؤسس سلطتها الخاصة، وقد استفادت الشاعرة من السنوات التي عاشتها في العاصمة الأردنية عمَّان بين عامي 1982 ـ 2000 (ثمانية عشر عاما) لتَرفِدَ تجربتها الشعرية من عالم الطبيعة العمِّانية أو الأردنية بشكل عام، فضلا عن استفادتها من مدرسة أوغاريت للإبداع الأدبي التي تأسست عام 1998 بعمّان. وإذا كنا لا نلمح أي أثر للبيئة السكندرية أو البيئة البحرية المفتوحة على العالم الخارجي، في مفردات الشاعرة، فلأن هذا يتعارض مع رؤيتها الرعوية الجديدة، بما يؤكد ـ في النهاية ـ إخلاصها الشديد لهذه الرؤية الشعرية، ولهذا العالم الأثير الذي نجحت في نقله لنا بكل صراعاته وإشكالاته المتعددة من خلال قصائد ديوانها الأول "عند مفترق الذكرى والخرافة". ونحن في انتظار أعمالها وإبداعاتها الشعرية القادمة لنرى إلى أي مدى سيتطور العالم الشعري الرعوي على يديها. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية