صندوق النقد الدولي يشيد بالسياسة الاقتصادية لتونس

تونس تشهد حركة تنمية مستمرة رغم الازمات المحيطة بالمنطقة

تونس - ليس من تقاليد صندوق النقد الدولي أن يشيد بالسياسات الاقتصادية لبلد ما الا اذا حققت من النتائج والمؤشرات الاقتصادية ما يجعلها تستحق فعلا الاشادة.
ومن ثم، عندما يشيد صندوق النقد في تقريره السنوي ببلد صاعد مثل تونس، فان ذلك يشكل شهادة دولية من هيئة متخصصة على سلامة خيارات تلك الدولة وتطور اقتصادها.
وقد أشاد صندوق النقد الدولي بما سماه "النتائج الاقتصادية والمكاسب الاجتماعية التي حققتها تونس". وقال في تقريره السنوي الأخير "إن مجلس إدارته يهنئ تونس على أدائها الاقتصادي القوي وتقدمها في المجال الاجتماعي بفضل السياسات الاقتصادية والبنيوية والاجتماعية التي اتبعت في السنوات الأخيرة" مؤكدا أن هذه السياسات أدت إلى نموّ أكثر وانتاجية أفضل واقتصاد أكثر تنوّعا.
وينطلق صندوق النقد الدولي في اشادته باداء الاقتصاد التونسي من الواقع الذي يعيشه هذا البلد، ومن مدى التطوّر وحجم المكاسب التي تحققت له خلال السنوات الاخيرة. فمنذ أكثر من 14 سنة بدأ الرئيس زين العابدين بن علي مجموعة من الإصلاحات الهيكلية التي اكسبت الاقتصاد التونسي حيوية وقدرة على تنويع قاعدته الانتاجية، والتي مثلت الاساس السليم للتطور الاقتصادي الذي يتم حاليا.
وتمثلت أبرز انجازات الاقتصاد التونسي في قدرته على الحفاظ على نسبة نمو بلغت العام الماضي، رغم سنوات الجفاف وتراجع الاقتصاد العالمي وتداعيات هجمات سبتمبر، نحو 5.4 بالمائة، بالاضافة الى خفض ديونه الخارجية، واستقطاب الاستثمار الأجنبي.
ولا شك ان هذا انجاز هام في ظل الاوضاع القاسية التي مر بها الاقتصاد العالمي عام 2001، اذ شهد تراجعا في النمو العام من 4.7 بالمائة سنة 2000 إلى 2.4 بالمائة سنة 2001، وذلك بسبب تراجع النشاط الاقتصادي في البلدان الصناعية المتقدمة.
وكان من آثار ذلك ان التجارة العالمية تراجعت إلى أدنى مستوياتها بعد أن بلغت حركة المبادلات 13 بالمائة سنة 2000، كما تراجعت مؤشرات البورصة إلى مستويات قياسية أيضا في الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر، أي مباشرة بعد هجمات نيويورك بما هدد لاحقا أسواق المال والأعمال بأزمة حقيقية، وتوسعا كبيرا في هامش المخاطرة، وتراجعت تدفقات الاستثمار بنسبة صافية بلغت 22 بالمائة، بعد أن سجلت زيادة بنسبة 18 بالمائة سنة 2000 وتراجعا بـ 40 بالمائة سنة 2001، وهو أكبر انخفاض يسجل منذ عشر سنوات.
ورغم ذلك واصل الاقتصاد التونسي أداءه بنجاح. فقد تمكنت تونس من احتواء الانعكاسات السلبية لأحداث 11 سبتمبر، خاصة على مستوى القطاع السياحي وخدمات النقل الجوي والبحري، بفضل الإجراءات العاجلة التي اتخذتها الحكومة التونسية، وإنجاز حملة تسويقية استثنائية وتعزيز طاقة النقل الجوي مع شركاء تونس وصناعات السياحة.
وبالفعل استعادت تونس موقعها في سوق السياحة العالمية، بعد أن احتوت نسبة التراجع السياحي التي لم تتجاوز 7 بالمائة، وعادت مؤشراتها السياحية إلى الارتفاع، باعتبارها وجهة تتسم بالثقة والمصداقية والامن كما أكدت ذلك مختلف وكالات الأسفار التي عقدت مؤتمراتها في تونس هذه السنة وأواخر العام الماضي.
ومن جهة أخرى، وعلى مستوى الاستثمار الأجنبي، حافظت تونس كذلك على موقعها كوجهة استثمارية جاذبة لمؤسسات الاستثمار العالمية الكبرى. وقد ارتفع بالفعل معدل اقامة هذه المؤسسات في تونس من 90 مؤسسة سنويا في بداية التسعينات إلى حوالي 200 مؤسسة في العام خلال السنة الماضية، حيث تجاوز عدد الشركات العالمية العاملة في تونس أكثر من 2350 مؤسسة توفر حجم استثمارات خارجية يتجاوز مليار و200 مليون في السنة، كما تطور حجم اجمالي رأس المال المستثمر من 13 مليار و384 مليون دينار سنة 1997 إلى أكثر من 17 مليار و214 مليون دينار سنة 2000.
مناخ مناسب للاستثمار إضافة إلى هذا فان التقدم العلمي والتقني الذي حققته تونس يشكل ارضية مشجعة للاستثمار. ذلك أن النشاطات ذات القيمة التكنولوجية العالية قد شهدت إقبالا مكثفا في تونس خلال السنوات الأخيرة. وهي نشاطات تشمل التطبيقات والبرمجيات الإعلامية، والمكونات التكنولوجية الفائقة الدقة، كما تشمل أجزاء ومكونات الصناعات الكهربائية والميكانيكية والالكترونية نصف المصنعة، وكذلك انشطة الدراسات والهندسة والاستشارة والعمل عن بعد.
وتمكن الاستثمار الأجنبي، الذي استفاد من المناخ العام والحوافز التشريعية والمالية، وتوفر البنية الأساسية الجيدة في تونس، من أن يكسب الاقتصاد التونسي مزيدا من التنافسية، لاسيما بعد أن نجحت الدولة في نشر ثقافة الجودة عبر برنامجين متكاملين، الأول هو برنامج الجودة والمواصفات العلمية والثاني برنامج التأهيل الشامل الذي انخرطت فيه أكثر من 2000 مؤسسة.
وقد تم تصنيف تونس سنة 2001 في مراتب جيدة في مجال الاستثمار من طرف المؤسسات الدولية المتخصصة، في الوقت الذي خفضت فيه من مواقع بلدان أخرى منافسة لتونس. فشركة تأمين التجارة الخارجية الفرنسية "كوفاس" اعتبرت تونس البلد الأقل خطرا في المنطقة، في حين رتبتها وكالة "هيريتاج فونداسيون" كاقتصاد متحرر أساسا. تراجع الديون الخارجية من اهم الانجازات الاقتصادية التي حققتها تونس تراجع الديون الخارجية إلى أقل من 45 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تقلصت نسبة خدمة الدين إلى أقل من 16 بالمائة بعد أن كانت على التوالي، في حدود 60 و28 بالمائة سنة 1987.
وتعتبر الدوائر الاقتصادية أن هذه النسب في حدود مقبولة، وتتيح لتونس تعاملا مرنا مع الأسواق الدولية لرؤوس الأموال وتمكنها من انتهاج أفضل فرص التمويل المتاحة، خصوصا وأن الإصلاحات الهيكلية مكنت الجهاز المصرفي من تحسين دوره في تعبئة الادخار وتمويل الاقتصاد وتأهيله لمجابهة المنافسة الأجنبية.
وتؤكد الدوائر المالية ان النتائج الاقتصادية التي حققتها تونس تأتي ثمرة لسياسات اقتصادية انبنت على مقاربة تنموية شاملة أدّت إلى اقتصاد أكثر تنوّعا، وأن النتائج المسجلة يمكن أن تتحسن أكثر من خلال تسريع وتيرة عمليات الخصخصة والانتقال إلى اقتصاد السوق، حتى أن صندوق النقد الدولي توقع أن تبلغ نسبة نمو" الاقتصاد التونسي 3.8 بالمائة عام 2002 رغم الظروف العالمية العصيبة.
وأعرب الصندوق في تقريره عن ارتياحه لتطور المحيط السياسي الذي يعكس انفتاحا اقتصاديا كبيرا وتحريرا للتجارة ولنسق تدفق رؤوس الأموال"، معتبرا أن "هذه النجاحات جاءت ثمرة سياسات الاقتصاد الشامل والإصلاحات الهيكلية والاجتماعية المتناسقة التي قامت تونس إلى إرسائها بنجاح خلال السنوات الأخيرة".
كما اعتبر أن هذه السياسات مكنت من رفع انتاجية الاقتصاد ودفع نشاطاتها وتحسين قدرة تونس على الإيفاء بتعهداتها، بما يشير لها اقتحام أسواق رؤوس الأموال الدولية.