رواية «العطر» وتثوير عالم الروائح

بقلم: أحمد فضل شبلول

تعد حاسة الشم التي يتمتع بها جان باتيست غرنوي المولود في السابع عشر من تموز / يوليو 1738 في أكثر أماكن المملكة الفرنسية زخما بالروائح، هي البطل الرئيس في رواية "العطر" لمؤلفها باتريك زوسكيند، والتي ترجمها إلى العربية مؤخرا الدكتور نبيل الحفار، وصدرت عن المجمع الثقافي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
وبهذه الرواية يتقدم إلى المشهد الروائي العالمي أبطال جدد، لم يكن لهم ذكر مهم في روايات ما قبل "العطر"، ونعني بذلك الحواس التي وهبها الله للإنسان، والتي تمثل الركيزة الأساسية التي يعيش عليها، والتي لفتت بشدة انتباه أدباء نهاية القرن العشرين، وبخاصة الذين اعتمدوا على توظيف الجسد ومفرداته الخاصة في أعمالهم الإبداعية. وتأتي رواية "العطر" ـ على الرغم من أن لغة الإنسان تعد قاصرة عن وصف العالم المشموم ـ تتويجا لهذه الجهود التي قامت على توظيف الجسد وحواسه المختلفة. وإذا كانت زرقاء اليمامة قد اعتمدت ـ في الأساطير العربية ـ على حاسة البصر والرؤية الثاقبة ـ من خلالها ـ لمسيرة ثلاثة أيام، فإننا نستبعد تأثر زوسكيند بهذه الأسطورة العربية، ذلك أن الفلسفة التي يتحرك الكاتب الفرنسي من خلالها في روايته "العطر"، تختلف اختلافا كبيرا عن الفلسفة المبنية عليها أسطورة زرقاء اليمامة العربية التي لم تكن نتاجا لاستخدام مفردات الجسد على النحو الذي نلاحظه حاليا عند أدبائنا المعاصرين.

في رواية "العطر" التي تروي سيرة حياة القاتل غرنوي، تكثيف شديد للروائح النتنة أو الكريهة والطيبة أو الذكية معا، أو ما أطلق عليه المؤلف (ملكوت الروائح الزائل) من خلال هذا الأنف الحساس جدا الذي يمتلكه غرنوي والذي بمقدوره منذ أن كان في السادسة من عمره، تخزين فرادة آلاف بل ملايين الروائح، وابتكار أنواع من الروائح غير موجودة في العالم الحقيقي، والذي أعجب برائحة البحر لدرجة أنه اشتهى الحصول عليها، ولو مرة نقية دون شوائب وبكميات وافرة تسكره، والذي لم يشأ أن يصبح ـ في يوم من الأيام ـ أغنى أغنياء فرنسا، ولكن كل ما كان يشغله ويؤرقه هو التوصل إلى إيجاد صيغة الرائحة الطيبة النافذة التي ما أن يشمها البشر حتى يخضعوا خضوعا كاملا لصاحبها، ولكن عندما يكتشف غرنوي ـ وهو على قمة جبال سنترال في منطقة "أوفيرج" الفرنسية، وفي الهواء الطلق النظيف الخالي من أي رائحة بشرية ـ أنه ـ شخصيا ـ لا رائحة له، يجن جنونه، وتبدأ رحلة عذابه، التي قام خلالها بقتل خمس وعشرين فتاة في عمر الورود، ويمتلك جسدهن رائحة خاصة تعد من أذكى الروائح البشرية في العالم، حسب تفسير خبير العطور والروائح غرنوي الذي يؤمن بمقولة هوراس: "إن اليافع ينضح برائحة الثيران، ومن العذراء تفوح رائحة النرجس الأبيض ..".
لقد سبق لغرنوي تجربة قتل إحدى الفتيات الجميلات، التي لم تكن تتجاوز الثالثة أو الرابعة عشرة من عمرها، وذلك أثناء احتفالات مدينة باريس بتتويج الملك، والتي انبعثت خلالها روائح بارود المفرقعات أو الألعاب النارية التي تطلق في السماء، لقد كره غرنوي تلك الرائحة، وأخذ في الابتعاد عن مكان الحفل، ومن على البعد يشم رائحة طيبة ورقيقة أراد أن يمتلكها، فأخذت تشده ليمشي وراءها عدة كيلو مترات، إلى أن يصل إلى صاحبة الرائحة في مكان وجودها، فيدخل عليها، ويتشممها، إلى أن يقتلها، ويترك الجثة وراءه ويمضي إلى حال سبيله، دون أن يُقبض عليه. إنه لم يصدق أن الجسم البشري قادر على إصدار رائحة مثل رائحة هذه الفتاة المميزة الفاخرة، "فرائحة الجسم البشري عادة، إما أن تكون بلا نكهة أو مقززة بائسة، روائح الأطفال تكون غير محددة، وروائح الرجال بولية ممتزجة برائحة التعرق اللاذعة والجبن، والنساء تفوح منهن رائحة الزنخ والسمك الفاسد .. روائح البشر بصورة عامة كانت مملة ومنفرة، وهكذا كانت هذه هي المرة الأولى في حياة غرنوي التي لم يثق فيها بأنفه، فاستعان بعينيه ليصدق ما شمه ..". فوجد أن عرق تلك الفتاة "منعش، كريح البحر، ودهن شعرها كزيت الجوز، وجلدها كزهر المشمش، وتركيب هذه العناصر مع بعضها أنتج عطرا، هو من الثراء والتوازن والسحر بحيث إن كل العطور التي سبق أن شمها، وكل تراكيب الروائح التي ابتدعتها مخيلته، بدت له فجأة خواء جافا .. مئات آلاف الروائح لم تعد تساوي شيئا أمام هذه الرائحة بالذات. هذه الرائحة بالتحديد كانت المبدأ الأعلى الذي يجب على الروائح الأخرى أن تصنف نفسها وفقها، قياسا إلى هذا المثال الذي كان الجمال النقي بعينه".
ولكن بعد أن اكتشف غرنوي أن لا رائحة له، أو أنه غير قادر على شم رائحته ـ إذا كان له بالفعل رائحة ـ (فهو القادر على التقاط رائحة أي إنسان على مسافة أميال، لا يستطيع شم رائحة عضوه الذي لا يبعد عن أنفه أكثر من شبر)، يقرر أن يهبط من عليائه ـ بعد سبع سنوات عاشها مع شعب الروائح العبقة، وكتب خلالها مذكراته الروائحية الخاصة ـ قرر أن يهبط ويصنع رائحته وعطره الخاص الذي بدأ يستخلصه من روائح الفتيات قبل زواجهن، وكأن الزواج يذهب بالرائحة الذكية الخاصة بالفتاة البكر، وذلك بعد أن قضى سنوات من التعليم والتعلم لدى أكبر عطاري فرنسا في ذلك الوقت، وهو بالديني الذي تعلم عنده خلط النسب ومزج العطور، وفن التقطير المليء بالأسرار والعجائب.
ومن هنا تبدأ رحلة القتل اللذيذ بمدينة "غراس" التي ستمنح غرنوي أسرارا روائحية جديدة، وتركيبات سرية يصنع منها أذكى رائحة في العالم، فيقتل الواحدة تلو الأخرى، ثم يأخذ رائحتها بلف الجسد كالمومياء، ومسح أماكن التعرق كالإبطين وفروق الأصابع والفرج وأي ثنية أو ثقب في الجسد، بقماش مدهون، مع قص الشعر من جذره، وبهذا يأخذ غرنوي الرائحة مع ملابس الفتيات وشعرهن، ليصنع رائحته الجديدة.
وبطبيعة الحال ينتشر الرعب والخوف والفزع والهلع في أنحاء مدينة "غراس"، وتتوقع كل أسرة لها ابنة جميلة في عمر الورود أن يحدث لها ما حدث لكل فتاة من قبل، وتوقع ريتشي ـ مستشار المدينة ـ أن يحدث لابنته ما حدث للفتيات الأخريات، فيفكر في الأمر بطريقة مغايرة لكل من يفكرون فيه، بما فيهم جهاز الشرطة، فالقتل يتم ليس بهدف الاغتصاب ولا بهدف السرقة، ولكن يتم القتل بغرض جمع عينات من الجمال، وأن القاتل يعمل على تشكيل صورة الكمال، وأنه في سبيل استكمال الصورة لابد أن يصل إلى جمال ابنته لور. وبذا يحس ريتشي بأن ابنته ستكون الهدف القادم للقاتل، فيحاول أن يفلت من هذا المصير شبه المحتوم لابنته، ولكن هيهات أن يحدث ذلك، فرائحة الابنة تدل على مكان وجودها، وعلى الرغم من خروج عائلة ريتشي بعيدا عن المدينة، إلا أن غرنوي يتوصل إلى مكان وجود لور، ويرتكب جريمته المعتادة، ولكن يقبض عليه هذه المرة، وعلى الرغم من اعترافه الصريح بارتكابه كل الجرائم السابقة، إلا أنه عندما رش على نفسه عطره الخاص الذي صنعه من روائح الفتيات المقتولات ساعة الإعدام، خرس صياح العشرة آلاف نسمة الذين جاءوا يشهدون تنفيذ حكم الإعدام في القاتل غرنوي، وعلى الرغم من يقينهم بأنه القاتل، فقد قالوا لأنفسهم: لا يمكن لهذا أن يكون هو الحقيقة، وفي اللحظة نفسها كانوا يعرفون أنه لابد أن يكون هو الحقيقة.
واجتمع الرأي على أن هذا الماثل أمامهم لا يمكن أن يكون قاتلا، وأخلي سبيله، بل إن ريتشي ـ مستشار المدينة ـ ارتمى على صدره وعانقه قائلا: "سامحني يا بني، يا بني العزيز سامحني". وأراد أن يتبناه، أو أن يتخذه ابنا يرثه ويحل محله فيما بعد، لأن فيه من رائحة ابنته لور.
وكعادة غرنوي يترك بيت ريتشي بعد عدة أيام، ويمضي إلى حال سبيله، ليلقى حتفه على يد مجموعة من اللصوص وسفاكي الدماء الذين حين اقترب منهم، رفع غطاء زجاجة صغيرة، ورش على نفسه من محتوياتها، فانسكب الجمال عليه كنار متأججة، وعندها تراجع هؤلاء اللصوص تهيبا ودهشة من هذا الذي يمر أمامهم، ولم يكن تراجعهم سوى مقدمة للهجوم عليه شهوة وحماسا وانجذابا إلى هذا الرجل الملاك، فانقضوا عليه وطرحوه أرضا، وكان كل فرد يريد ملامسته أو الحصول على جزء منه، فمزقوا عنه ثيابه، ثم شعره وجلده، وغرزوا أسنانهم ومخالبهم في لحمه، إلى أن اختفى جان باتيست غرنوي عن وجه الأرض دون أدنى أثر له. وعندما أفاقوا من فعلتهم كانوا فخورين بما فعلوا إلى أقصى حد، فلأول مرة في حياتهم يفعلون شيئا عن حب.

هذه هي ـ باختصار مخل بطبيعة الحال ـ رواية "العطر" لباتريك زوسكيند المولود في بلدة أمباخ بفرنسا عام 1949 والذي وصل إلى الشهرة العالمية بعد روايته الأولى "العطر" التي كتبها عام 1985 وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، منها أخيرا اللغة العربية.
وأقول: "باختصار مخل"، لأنه من الصعوبة بمكان التحدث عن هذه الرواية في صفحات قليلة كهذه، فهي لابد أن تُقرأ كاملة. إنها كقصيدة الشعر التي لا يمكن تلخيصها، وأي حديث عنها سيكون حديثا مَعيبا، وأي قراءة لها ستكون قراءة مخلة وناقصة، وبخاصة أنها اعتمدت على أسلوب الفنتازيا، وفي الوقت نفسه على أسلوب المعلوماتية، أو على تدفق المعلومات عن الشي الذي يتحدث عنه المؤلف أو غرنوي، مثل الروائح نفسها، أو طريقة صنعها، وما إلى ذلك، ولنستشهد على سبيل المثال بهذه الفقرة التي وردت في بداية الرواية، يقول زوسكيند:
"في العصر الذي نتحدث عنه، هيمنت على المدن رائحة نتنة لا يمكن لإنسان من عصرنا الحديث أن يتصور مدى كراهتها. فالشوارع كانت تنضح برائحة الغائط، وباحات المنازل الخلفية برائحة البول، وأدراج البنايات برائحة الخشب المتفسخ وروث الجرذان، والمطابخ برائحة الملفوف المتعفن وشحم الخراف، أما الغرف غير المهوَّاة فقد كانت تنضح برائحة الغبار الرطب، وغرف النوم برائحة الشراشف المدهنة واللحف الرطبة المحشوة بالريش، وبالرائحة النفاذة المنبعثة من المباول. من المدافئ كانت تفوح رائحة الكبريت، ومن المدابغ رائحة قلويات الغسيل الواخزة، ومن المسالخ رائحة الدماء المتفسخة.
أما البشر فقد كانوا ينضحون برائحة العرق والملابس غير المغسولة؛ من أفواههم كانت تنبعث رائحة الأسنان المتعفنة، ومن بطونهم رائحة البصل، وإن كان العمر قد تقدم بهم قليلا، فقد كان لأجسامهم رائحة الجبنة العتيقة والحليب الحامض والأمراض الورمية.
كانت الروائح الكريهة تفوح من الأنهار والساحات، من الكنائس ومن تحت الجسور، ومن القصور. كانت رائحة الفلاح كريهة كرائحة القس، ورائحة الحرفي المتدرب كرائحة زوجة المعلم.
كانت طبقة النبلاء كلها تنضح بالرائحة الكريهة، بما فيها الملك نفسه الذي كانت تفوح منه رائحة حيوان مفترس، ومن الملكة رائحة عنزة شمطاء، في الصيف والشتاء. ففي القرن الثامن عشر لم يكن الإنسان قد توصل إلى حد للتفاعل التحللي للبكتيريا، ونتيجة لذلك لم تكن هناك أية فعالية بشرية، لا البناءة منها ولا المخربة، دون رائحة، كما لم يكن هناك أي تفتح على الحياة أو اندثار لها دون أن ترافقه رائحة".
لقد ولد غرنوي وسط هذا العالم كريه الرائحة تحت طاولة تنظيف السمك التي كانت أمه تعمل عليها، حيث كان اللحم المدمى الذي يخرج من رحمها لا يختلف كثيرا عن أحشاء السمك المكومة أمامها، لذا يقرر هذا المولود ـ عندما يبلغ سن التمييز ـ أن يصنع رائحته الخاصة التي يسيطر بها على البشر. وبالفعل استطاع أن يسيطر عليهم بعد أن توصل إلى صيغة عطره الخاص، والتي أدت ـ في الوقت نفسه ـ إلى قتله في نهاية الرواية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية