وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا!

بقلم: عبد المجيد حمدان

أخذ هذا المثل "ولكننا يا بدر لا رحنا ولا جينا" يدق جدران دماغي، بعنف يتزايد مع تواتر التصريحات التي تعيدنا إلى عهد سياسة او منهجية أو أيديولوجية نفي الآخر – التحرير الكامل من جهة وأرض اسرائيل الكاملة من الجهة الأخرى - ، بعد أن بدا وكأن الانتفاضة الأولى أهالت التراب على هذه الطروحات.
وللحقيقة فإن عنف الدقات ناجم عن تصاعد قلقي فخوفي على مصير شعبي الفلسطيني.
وللحقيقة ايضاً فإن تصريحات التبرير، او الترويج، لسياسة نفي الآخر، في جانبنا، تبدو أكثر لطفاً وتهذيباً من تعليقات المرحوم أحمد سعيد، وصوت العرب، وهنيئاً لك يا سمك.
لكن هذا التهذيب واللطف لا يبعد عن دماغي شبح الخطر المحدق بشعبي، وهو خطر ربما تكون نتائجه أقسى من نتائج "نكسة!" حزيران عام 67.
كيف؟!
لا يخفف من وجع "النكبة" "فالنكسة!" حقيقة أن الحركة الصهيونية، بكامل طيفها، هي التي جلبت لشرقنا ايديولوجية او سياسة نفي الآخر. كما لا يخفف من هذا الوضع جلبها للإرهاب كأسلوب أو وسيلة عمل تتفق مع أهداف هذه السياسة وفي وقت كان شرقنا نظيفاً منها. لقد بنت الحركة الصهيونية كامل ايديولوجيتها على فرضية تقول أن ارض فلسطين أرض بلا شعب ملَّكلها الله سبحانه وتعالى، وبوعد منه، لشعب بلا ارض. وأن فلسطين تنتظر عودته ليعمرها من جهة، ولتحميه من موجات عمليات الاضطهاد والقتل التي تعرض لها في عديد من بلدان اوروبا من جهة أخرى.
وبعد برهنة الواقع على ان فلسطين ارض معمورة بشعبها، وأن هذا الشعب يتمسك بسائر حقوقه، الدينية والتاريخية والدنيوية فيها، نبتت في الحركة الصهيونية، كالشوك الجهنمي، ايديولوجية او سياسة أو منهجية أو هدف نفي الشعب الفلسطيني، أي اخلاء فلسطين منه بالابادة او الطرد او كليهما معاً.
كان الشعب الفلسطيني، وقبل أن يتعرف على سياسة الحركة الصهيونية هذه، قد أقام علاقات حسن جوار، تعايش وتعاون، مع المستوطنات الصهيونية.
وكمثال ما زالت طريه في ذهني ذكريات طفولتي عن علاقات قريتي والقرى المجاورة مع مستوطنة ملبس – بتاح تكفا اليوم -. كانت هذه القرى تسوق عنبها في تلك المستوطنة.. وظل أهلنا ينقلون لنا حكايات صداقتهم مع تجارها . والأمر نفسه كان سائداً في المدن المختلطة ( التي يسكنها عرب ويهود جنبا إلى جنب).
تغير الحال بعد تعرف القيادة الفلسطينية على ايديولوجية نفي الآخر الصهيونية. وللأسف جاء رد فعلها بتبني نفس السياسة ومن الجهة المضادة.
أي أنها بلورت هدف الصراع – الذي نشب فيما بعد – في الجانب الفلسطيني بإعادة المهاجرين اليهود إلى البلدان التي قدموا منها. والمؤسف أيضاً أنه في الوقت الذي غلفت فيه الحركة الصهيونية سياستها بغلاف الدفاع عن النفس، ولعبت دور الضحية، وباتقان شديد، أمام الرأي العام، كان رد الفعل الفلسطيني يتسم بالخشونة المبالغ فيها وبعدم اهتمام كافي بهذا الرأي العام.
ومع اقتراب رحيل الانتداب البريطاني كان ان أدرك الشيوعيون واصدقاؤهم من المثقفين المتنورين، وفي الجانبين – عصبة التحرر في الجانب الفلسطيني والحزب الشيوعي الفلسطيني في الجانب اليهودي – حجم الخطر الذي يتهدد الشعب الفلسطيني، جراء تبني قيادات الطرفين المتصارعين لهذه السياسة أو الايديولوجية والتعبئة الواسعة للجماهير عليها.
واذا كان غير بعيد عن الحقيقة القول بأن اكثر من 95% من الشعب الفلسطيني أيدت هذه السياسة، فإن حسابات الشيوعيين لموازين القوى وتقديرهم بالتالي لنتائج الصراع، ولحجم الخطر المحدق بالشعب الفلسطيني، دفعتهم الى معاكسة التيار الجارف، وتبني منهجية الحل السياسي للصراع وبسبب استحالة حله عسكرياً. وكان بعد ذلك تبني قرار التقسيم المجحف بحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة.
لقد نعتت الحركة القومية، وفي الجانبين، الشيوعيين بالخيانة. وادعى كل طرف من طرفي الصراع ان الشيوعيين قبلوا بقرار التقسيم تطبيقا لمبادئهم الأممية ولضمان حق تقرير المصير للطرف الآخر.
هنا لا بد من التنويه الى أن موقف الشيوعيين لم يعتمد المعيار السياسي وحده لحسابات ميزان القوى لقد اولوا انتباهاً جدياً للمعيار الاخلاقي ايضاً.
وغني عن القول ان ايديولوجية نفي الآخر لا بد وأن تعتمد وسائل للصراع تتفق والاهداف المتوخاة.
ولأن نفي الآخر يرى في كل فرد منه عدواً، أكان جنينا في بطن أمه، أو طاعناً في السن وعلى حافة قبره، ويتوجب التخلص منه، فإنه يعتمد تربية تسقط كافة الاعتبارات الاخلاقية، ويبحث دائما عن تبريرات ومسوغات تضفي اخلاقية من نوع جديد على الاعمال الصعبة التي يقترفها، أو يمكن أن يقترفها هذا الطرف أو ذاك، اثناء عملية الصراع.
وهكذا كان المعيار الاخلاقي الذي استخدمه الشيوعيون بمثابة البرهان – الذي لجأ إليه الطرف الوطني – الدامغ على خيانة هؤلاء لقضية شعبهم الوطنية.
وحتى بعد أن تبين صدق تحذيرات الشيوعيين، ورغم عمق النكبة، ظل هذا البرهان قائماً، ويشهر في وجههم بين الحين والآخر.
هنا ايضاً يتوجب التذكير ان السياسة والهدف تحدد وسائل تحقيقها. وبالتالي كان ان حددت منهجية نفي الآخر الحل العسكري كوسيلة وحيدة لتحقيق هذا الهدف. وبديهي ان يستخدم كل طرف ما بين يديه من وسائل قتالية لفرض هذا الحل. وبديهي ان يغيب المعيار الاخلاقي اثناء التنفيذ.
ما حدث أن معاكسة الشيوعيين للتيار لم تنقذ الوضع.. وكان ان نجحت الصهيونية في تحقيق مرحلة اولى لسياستها، بطرد القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني الى منافي الشتات. ولم تنجح النكبة الا في ايقاظ اقسام قليلة من المثقفين المتنورين، وفي الطرفين، لرؤية النتائج الكارثية لتبني مثل هذه الايديولوجية.
تواصلت هذه السياسة في الجانب الفلسطيني، والعربي ايضاً بعد ذلك. وظل النظر لشعار دولتين لشعبين في حدود قرار التقسيم، وعلاقات حسن جوار وتعايش وتعاون، مع حل لقضية اللاجئين حسب قرارات الأمم المتحدة، والذي واصل الشيوعيون في الجانبين رفعه، باعتباره خيانة. وتواصل تبرير ذلك بأن المباديء الأممية هي التي تملي على شيوعي طرف اقرار حق تقرير المصير لشعب الطرف الآخر. مرة أخرى واصلت الحركة الصهيونية ، وحكومات اسرائيل، تغطية سياستها هذه، بشعارات الدفاع عن النفس، واللعب المتقن لدور الضحية. أما الفعل العربي فارتدى ثوباً من الفظاظة جعل شعار قذف اليهود في البحر، وهنيئاً لك يا سمك، والهادر من صوت العرب طاغياً على كل صوت آخر.
مرة أخرى وفي اجواء التحضير لحرب حزيران عام 67 وقف الشيوعيون وحدهم في مواجهة التيار. لقد ساد الشارع العربي حماس كاسح للحرب. وكان هذا الشارع قد عبيء بأن هذه الحرب ستنهي "الكيان الصهيوني" وستوفر الحل الكامل للمأساة الفلسطينية ، بعد أن تنتزع هذا الدمل الغريب من الجسم العربي. الشيوعيون وحدهم حذروا من الكارثة المتوقعة. آنذاك كنت شاباً مندفعاً ومتأثراً الى حد بعيد بالتجربة الناصرية. لم أفهم لا حذر الشيوعيين ولا تحذيراتهم .. ومرة أخرى كان هناك من بادر الى اتهامهم بالخيانة وبذات التبريرات السالفة. والمهم انه وفي غمرة كل ذلك الحماس لم يتوقف احد عند الانعكاسات الضارة للشعارات المرفوعة في اطار ايديولوجية نفي الآخر، وفي المقام الأول لم يتوقف امام التغطية الاسرائيلية المتقنة لاهداف هذه السياسة ووسائل تنفيذها من جانبهم.
والنتيجة كما هو معلوم جاءت بنجاح الحركة الصهيونية وحكومة اسرائيل في نفي جزء آخر من الشعب الفلسطيني. وايضاً، وذلك مهم جداً، تخلصت من قرار التقسيم وقبرته الى غير رجعة. وكان ايضا ان المحيط العربي الذي كان يصرخ بقذف اليهود الى البحر انشغل في ازالة آثار العدوان، وتخلى فعلياً عن قرار التقسيم.. وان ظل الأمل يحدو هذا المحيط العربي بتطبيق القرار 194 الخاص بحق العودة او التعويض.ولا أظن ان هناك حاجة للتذكير بأن العرب تخلوا تدريجياً عن هدف أو ايديولوجية النفي للطرف الاسرائيلي. وبدلاً منها وتدريجياً تبنوا الحل السياسي ودولتين لشعبين وان كان ذلك بصورة تثير الحزن والشفقة.
ونعود الى السؤال: لماذا وقف الشيوعيون في الحربين موقف التحذير هذا؟! ولماذا ساورهم القلق والخوف على مصير شعبهم، رغم أن كل حسابات الوطنيين الفلسطينيين والعرب كانت تقول غير ذلك؟!
لقد فرضت النظرية العلمية – الماركسية اللينينية – رؤية علمية لمعادلة الصراع، ولحسابات ميزان القوى، بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وبديهي ان تسقط هذه الرؤية كل العواطف والأوهام من المعادلة. واذا كان الشيوعيون قد رأوا في هذه المعادلة معادلة جبرية معقدة من الدرجة الثانية أوالثالثة ، فقد رآها الوطنيون الآخرون معادلة حسابية بسيطة، تقتصر عناصرها على عمليتي الجمع والطرح فقط، اضافة الى تغذيتها بالكثير الكثير من العواطف والأوهام. لذلك كان بديهياً ان تأتي نتائج حل العمليتين متباعدة.
وكمثال: اعتمد الوطنيون الفلسطينيون على الحساب الجمعي للقوة العربية التي قدمت لنصرتهم ولدرجة أن أوكلوا لها مهمة التحرير كلها. وكان أن رفض هؤلاء الوطنيون رؤية حقيقة أن الأنظمة السياسية التي كانت توجه تلك الجيوش هي مجرد صنائع بريطانية. وايضاً رفضوا الوقوف أمام حقيقة أن هذه الجيوش كان يقودها ضباط بريطانيون، أما مباشرة، او بصورة غير مباشرة، وفي الوقت الذي كانت بريطانيا العظمى تنفذ وعدها بإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وكما كان متوقعاً جاءت الصحوة متأخرة وبعد أن وقعت الفأس في الرأس، وبعد أن قامت تلك الجيوش بتسليم مناطق عملها للقوات الاسرائيلية.
ايضاً كان حساب قوة العدو كمي. الفلسطينيون يشكلون ضعف عدد اليهود على أقل تقدير. وبهذا الحساب توقعوا أن يأكلوا اليهود في بضعة أيام أو في بضعة اسابيع. وغاب عن الحساب نقص المعرفة الشديد لطبيعة الاستعدادات اليهودية والتي امتدت على مدار ثلاثة عقود كاملة واستندوا الى اوهام خلقوها وثبتوها عن جبن اليهودي وعدم قدرته على المواجهة ..الخ وايضاً غاب عن الحساب فعل قلب الأدوار -لعب الضحية لدور القاتل والقاتل لدور الضحية- وذلك على صعيد الراي العام العالمي. وبديهي ان غاب كل تصور عن كيفية تحول العطف على الضحية الى اسناد سياسي، عسكري، بشري، معنوي، مالي وتكنولوجي .. ودور هذا الاسناد على نتائج الصراع في النهاية.
لقد ساد نفس منطق الحساب في التحضير لحرب عام 67. واذا كان الشيوعيون قد حذروا من خطورة شعار ابادة اسرائيل، وكيف سينقلب هذا الشعار في التطبيق الى نكبة جديدة ستحل بالشعب الفلسطيني، فإنهم وقفوا ايضاً عند مظاهر الخلل الأخرى في الحساب الكمي لمعادلة الصراع والقائم على عنصري الجمع والطرح كما أشرنا.
كمثال اشار الشيوعيون الى الحالة المزرية للجبهات الداخلية العربية. فعلى الصعيد العسكري مثلاً تركز الاهتمام على بناء جيوش للاستعراض بديلاً للجاهزية القتالية. وكان انعدام الديمقراطية، وديكتاتورية الفرد، بمثابة دفيئة تفريخ للفساد الذي يعصف بقدرات أحسن جيوش العالم تنظيماً وجاهزية قتالية. وكان الحال على العكس تماماً في اسرائيل .
وكمثال ايضاً تغافل الوطنيون العرب عن انعكاسات فظاظة الشعار بإبادة اسرائيل، وصرخات هنيئاً لك يا سمك، على الصعيد الدولي. ولم يتوقفوا عند معنى الاعلان الأميركي بوضع الاسطول السادس الأميركي كاحتياط استراتيجي أول لاسرائيل، والقوات الأميركية الكبيرة المرابطة في اوروبا كاحتياط استراتيجي ثانٍ لها. كما لم يتوقفوا امام احتمالات تحول تحذيرات دول حلف الأطلسي المختلفة بعدم سماحها، ليس بإبادة اسرائيل، بل وهزيمتها ايضاً، الى وقائع عملية ملموسة.
وأيضاً تم تجاهل معنى قيام اسرائيل بعملية اندغام لمصالحها في مصالح حلفائها، وذلك في الوقت الذي بنى العرب، والفلسطينيون في المقدمة، استراتيجية علاقتهم بالحليف، ليس فقط على النأي بمصالحهم عن مصالحه، بل وباعتماد الفهلوة أساساً للتعامل معه، وبما في ذلك استغفاله والكسب منه وبأقصى ما يستطاع.
وحتى في جانب حساب ميزان القوى العسكري كان الحساب كمياً.. عدد الطائرات .. عدد الدبابات .. المدافع .. الجنود .. الخ، ومع إسقاط متعمد لحساب القدرة الفعلية على استخدام هذه الأعداد، والمعرفة العلمية التطبيقية لنظريات الدفاع والهجوم الحربية وانعكاسات تطور التكنولوجيا عليها.
هكذا كانت النتائج محسوبة ومحسومة .. وكان لا بد وأن تؤدي الى ما أدت اليه وتحقيق اسرائيل لمرحلة أخرى جديدة في اطار ايديولوجيتها لنفي الآخر.
بعد العام 67، تواصل التبني الفلسطيني والعربي لمنهجية نفي الآخر، رغم صحوة أوساط أوسع من المثقفين المتنورين ، والسياسيين الواقعيين، على خطورة النتائج الكارثية لهذه السياسة.
واذا كانت الحكومة الاسرائيلية قد اعتمدت قوتها العسكرية المتفوقة لتنفيذ هذه ، دون أن تتخلى عن تكتيك التغطية بلعب دور الضحية، فقد كان بديهيا ان تفرز، وفي الجانبين وسائل عمل تتفق مع أهدافها. هكذا واصلت اسرائيل ارتكاب المزيد والمزيد من المذابح الوحشية، توجتها بمذبحة صبرا وشاتيلا. وواصل الطرف الفلسطيني استيراد وسائل سبق للعالم أن وصمها الإرهاب. والمثير للانتباه ان المستورد الفلسطيني ظل يعتبر الانتقال من شكل الى آخر في استخدام هذه الوسائل كتطوير ونقله نوعية على درجات سلم نضاله.
ونعود لنقول أن المعيار الاخلاقي كان الحافز الاساس لدى الشيوعيين الإسرائيليين في معارضة الايديولوجية الصهيونية لنفي الآخر. وفعلت سلسلة المذابح الوحشية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في العام 48، والجيش الاسرائيلي فيما بعد، فعلها في ايقاظ الوازع الاخلاقي لدى مثقفين اسرائيليين، ثم لدى اوساط شعبية وداخل احزاب الحركة الصهيونية ذاتها. وكان ان شكلت مذبحة صبرا وشاتيلا والتي تعذر تبريرها عسكريا، صدمة بالغة الشدة للاخلاقية الاسرائيلية. لقد القت هذه المذبحة ضوءاً كاشفاً على بشاعة ولا انسانية ايديولوجية نفي الآخر. وكان أن حفزت بعض المؤرخين للبحث، فالكشف، عن جرائم مماثلة، ارتكبتها عصابات الهاغناه وشتيرن وليحي وغيرها اثناء حرب عام 48، واستهدفت، ونجحت في خلق مأساة اللاجئين الفلسطينيين. وما يعنينا هنا أن اوساطاً صهيونية واسعة – اليسار وحركات السلام ..الخ اعلنت تخليها عن منهج أو ايديولوجية نفي الآخر، واقتربت من تبني موقف الشيوعيين واصدقائهم للحل السياسي القائم على دولتين لشعبين، مع علاقات حسن الجوار والتعايش والتعاون.
في الجانب الفلسطيني حسمت الانتفاضة الكبرى الامر لصالح تبني الحل السياسي. وبدا ان شعار "الحل من بوز البندقية" الذي اختفى من وثيقة اعلان الاستقلال، لم يعد قائما. ولأن المنهج الجديد – الحل السياسي للصراع ، تطلب تبديل الوسائل، والبحث عن وسائل تتلاءم مع الهدف، فقد جرى تبني وسائل المفاوضات والمقاومة الشعبية غير العنيفة لتحقيق التسوية السياسية.
هكذا بدا، ولبعض الوقت، أن منهجية او سياسة او ايديولوجية نفي الآخر، قد ذهبت الى غير رجعة. خصوصا بعد تخلي العالم العربي عنها، وبعد تأكيد المجتمع الدولي، في اعقاب انتهاء الحرب الباردة، على رفضها واستحالة قبولها. كان ذلك رغم معرفة الكل بأن اليمين في الطرفين ظل متمسكاً بهذه المنهجية.
اليمين الاسرائيلي واصل رفع شعار ارض اسرائيل الكاملة وواصل حملته المسعورة في المصادرة والتوسع الاستيطاني وخلق وقائع تجعل تحقيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني قريبا من الاستحالة. وايضا واصل استخدام ذات اساليبه ووسائله في التضييق على الشعب الفلسطيني وجعل حياته ومعيشته قريبة من العيش في جهنم، في الوقت الذي واصل فيه بناء الفردوس الموعود للشعب اليهودي.
لقد خلّف تهرب الحكومات الاسرائيلية، ثم التلكؤ والمماطلة، في تطبيق الاتفاقات الموقعة، حالة من خيبات الأمل المتلاحقة لدى الجماهير الفلسطينية. وبدا أن الأحلام في الأمان والراحة والرفاه قد تحولت بفعل الاجراءات الاسرائيلية الى كوابيس خانقة وبديهي أن يخلق ذلك حالة من انعدام الثقة بامكانية نجاح الحل السياسي. ووفر، ولدى جانبي الصراع، تربة خصبة لاعادة انبات منهجية او ايديولوجية نفي الآخر.
ثم كان اعتلاء اليمين، المؤمن بهذه المنهجية، سدة الحكم في اسرائيل، وعودته بالتالي الى اعتماد سياسة الحل العسكري من جديد عاملاً آخر في اضعاف او انعدام هذه الثقة.
بذات القدر فعلت الاخطاء – الخطايا – التي ارتكبها الجانب الفلسطيني في المفاوضات وفي بناء مؤسسات السلطة الوطنية، وما ظهر من سوء الاداء الوظيفي، وترعرع الفساد والتجاوز على القانون، ذات الفعل السابق من ذلك ان كل هذه الاخطاء ولدت أي بانسداد أفق الأمل امام امكانية نجاح الحل السياسي. هذه العوامل مجتمعة أدت مجدداً الى عودة قوية لاحياء ايديولوجية نفي الآخر والتي تعتمد وسيلة الحل العسكري اسلوباً وحيداً لتحقيقها.
ولعل التمويه الذي اتبعه الطرفان للتغطية على اهدافهما لم يمنع المتبصرين من رؤية الحقيقة، ومعها العملية التدريجية للانقلاب على منهجية الحل السياسي القائم على دولتين لشعبين.
في الجانب الاسرائيلي لا يحتاج برنامج حكومة شارون الى شرح. والتغطية التي اعتمدتها، وهي الدفاع عن امن الاسرائيليين، ومحاربة الارهاب، ثم الاصلاح في البنية الفلسطينية، لم تحجب حقيقة عودتها الى محاولة تطبيق سياسة او تحقيق هدف ايديولوجية نفي الآخر.
في الجانب الفلسطيني يحتاج الأمر الى تركيز اكثر في متابعة تطور المسألة . في الشهور الأولى للانتفاضة ساد الحذر مواقف الحركات الاصولية، حماس والجهاد بالأساس. لقد وقفتا في لجان التنسيق الوطنية والاسلامية بصلابة في وجه اعتماد سياسة محددة، وشعارات محددة للانتفاضة، وتحديداً سياسة وشعارات الانتفاضة الكبرى والتي غدت البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وكان لا يمكن ان يغيب عن ذهن المتابع اليقظ ما بذل من جهد في استنهاض عادة الثأر المتأصلة في التقاليد والتراث الشعبي الفلسطيني. وكانت الجرائم الاسرائيلية المتلاحقة والمتنوعة، وبربرية هذه الجرائم ووحشيتها، قد شكلت التربة الخصبة والمادة المحفزة لجهد استنهاض غريزة الثأر والانتقام هذه.
ولما كانت العمليات الاستشهادية قد شكلت الرد الثأري المناسب، فقد عملت هذه الجهود على اضفاء شكل من القدسية عليها، وعلى تعبئة جماهير الشعب ليس فقط لتبنيها بل ولاعتبارها الشكل الوحيد والوسيلة الوحيدة، والوجه الأبرز، للانتفاضة والكفاح الوطني الفلسطيني كله.
هنا لا بد أن نلاحظ أن الوسيلة سبقت الهدف في الإعلان. وبعد أن تركزت شعبية العمليات الاستشهادية، وغدت كاسحة، وانتقلت قوى علمانية اخرى الى تبنيها، جرى الاعلان عن الهدف .. وهو ما كنت قد وصفته في كراس "الانتفاضة – محاولة تقييم" باغتيال الانتفاضة الجماهيرية والسطو الناجح على برنامجها السياسي.
والآن تتواتر، كما قلت في البداية، التصريحات الكاشفة عن منهجية او سياسة او ايديولوجية نفي الآخر.
وكما أشرت فان للهدف وسائله ومعاييره الاخلاقية الخاصة. واعيد وأكرر أن سياسة نفي الآخر، تعتبر كل فرد في هذا الآخر، جنيناً كان في بطن أمه، أو شيخاً طاعناً في السن على حافة قبره، عدواً يجب القضاء عليه. فالقتل من اجل القتل يدفع الآخرين الى العودة الى الاماكن التي قدموا منها. وبه يتحقق تحرير الوطن من النهر الى البحر. أما الجانب الآخر فيقول ان فعل القتل من اجل القتل هو ما سيدفع بالمواطن الفلسطيني الى البحث عن مكان عمل مناسب وآمن يغاير حياة جهنم التي يعيشها في ظل الاحتلال.
وكما كان الأمر في اعوام الصراع قبل نكبة عام 48، وقبل "نكسة!" عام 67 وبعدها، ظل الاعلان الفلسطيني عن هدف نفي الآخر،ومثله الفعل، يتسم بنوع من الفظاظة المحدثة للصدمة.
وظل ايضاً الموقف من الرأي العام – الذي يواصل الاعلان ليس فقط عن عدم استساغته لايديولوجية نفي الآخر، ولوسائلها بالتالي، بل والاعلان عن رفضه واستحالة قبوله لها – ظل هذا الموقف اما ان يتسم باللامبالاة ، كقول أحدهم مؤخراً : في أي بنك نصرف التعاطف الدولي ، أو انه ينحي على هذا الرأي العام باللائمة، وبدعوى لا مبالاته تجاه الجرائم الاسرائيلية، فتتكرر علينا مقولة استحالة كسبه الى جانبنا.
الجانب الاسرائيلي واصل لعب دور الضحية وببراعة كعادته. كما واصل استغلال الفظاظة الفلسطينية للتغطية على بشاعة جرائمه.
وايضاً واصل تعمية الشارع الاسرائيلي تجاه تجاوزه لكل المعايير الاخلاقية، التجاوز الذي تقتضيه منهجية نفي الآخر. وهكذا وفي محاولاته لمداهنة المعايير الاخلاقية واصل اعلان الأسف عن جرائمه بقتل المدنيين، والأطفال والنساء على وجه الخصوص، وخصوصاً ان عمليات القتل البربري ظلت تفتقر الى التبرير العسكري لها.
ونصل بعد كل ذلك الى مصدر قلقي وخوفي الذي اعلنته في بداية هذه المقالة. يبدو الأمر لي وكأن التاريخ يعيد نفسه، ليس على شكل مهزلة، وإنما على شكل تراجيديا مفزعة.
حسابات الطرف الفلسطيني العائد لايديولوجية – او منهجية او سياسة – نفي الآخر، ظلت كما كانت في السابق تعتمد الحساب الكمي والجمع والطرح فقط. حساب كم قتلنا منهم وكم قتلوا منا .. خسائرهم بالدولار .. زعزعة الاستقرار .. زعزعة الطمأنينة ..الخ.. والاستنتاج بأن الهجرة اليهودية المعاكسة ، وبوتائر هائلة، على الأبواب. وعليه فإن تحرير فلسطين ، كل فلسطين، بات قاب قوسين أو أدنى.
وكما في العام 48، والعام 67، يتجاهل هؤلاء جملة من العوامل الأخرى الهامة والمحددة لنتائج هكذا صراع.
ومثلاً حين يقال لأحدهم بأن الشعب الفلسطيني وحده، بملايينه الثلاثة، يواجه حلفاً هائلاً، بقدرات هائلة، وبتصميم من هذا الحلف على عدم اجازة نجاح الوسيلة الفلسطينية في الصراع، يستخف بالأمر ويمطر السائل بخطاب عن الحقوق .. واستحالة قهر الشعوب ..الخ الأمر الذي يتكرر في خطابات مقابلات الفضائيات العربية.
أما الأهم فهو ان هناك جهلاً مطبقاً بما تراكمه الحكومة الاسرائيلية من انطباعات، فغضب ضدنا، في الساحة العالمية. وهناك جهل أكبر بهدف اسرائيل من وراء هذه المراكمة.. وايضا من مد الحبل ، من خلال الاستفزازات المتلاحقة بعمليات الاغتيال الوحشية التي تقترفها وغيرها، للقوى الفلسطينية، ولتزويد الحكومة الاسرائيلية بوقائع جديدة لهذه المراكمة.
هكذا لا يحتاج الأمر الى كاشف للحجاب، أو الى نبوءة، للاستنتاج بأن التخلي عن منهجية الحل السياسي، والانتقال الى منهجية الحل القائم على نفي الآخر، ينذر بكارثة جديدة يجري الاعداد لها ولتقع على رأس شعبنا.
درء هذه الكارثة هو الحلقة المركزية للنضال الفلسطيني اليوم. درء الكارثة يتطلب التخلي وباقصى سرعة عن منهجية او سياسة الحل القائم على نفي الآخر ، وبداهة عن وسائلها وفي مقدمتها العمليات الاستشهادية. يتطلب العودة بلا مواربة، وبكل الوضوح، الى اعلان ثابت بتبني الحل القائم على التسوية السياسية، وبالتالي نبذ كل اشكال ووسائل النضال التي تخدم الحل الأول، واعتماد وسائل واساليب النضال، وفقط، التي تخدم الحل السياسي، الحل القائم على دولتين لشعبين وبعلاقات حسن جوار وتعايش وتعاون والانصراف الى البناء والاعمار والرفاه والتطور الحضاري اللائق بانسانية الانسان.
وبعد هل تتناسب هزلية عنوان هذا المقال مع جدية الخطر الذي أحاول التنبيه له والتحذير منه ؟ أظن ذلك.