محمد خليفة يبحث في جذور الطغيان

محمد خليفة يتساءل: لماذا لم يعرف العرب عبر تاريخهم الطويل أي شكل من أشكال الديمقراطية؟

ابوظبي - "وشل الطغيان" كتاب جديد للكاتب محمد خليفة صدر عن دار "بن دسمال" للطباعة والنشر في أبوظبي في 300 صفحة. ويمثل الكتاب رحلة مضنية استنطق فيها الكاتب مصادر متعددة، وقادته إلى حضارات مختلفة، وحقب تاريخية متباينة. فعبر خمسة أبواب وزعها الكاتب إلى خمسة عشر فصلا، وأحال القارئ فيها إلى مصادر معلوماته 754 مرة، وبصورة تعكس الحرص على التوثيق، والتشبث بالأعراف العلمية، استطاع الكاتب أن يحاصر جوانب موضوعه منذ "المشاعة" البدائية وحتى مرحلة "الأنظمة الأيديولوجية"؛ فكشف بذلك عن مظاهر الاضطهاد وضروب العسف والطغيان، التي مارسها الإنسان ضد أخيه الإنسان، منذ ما قبل التاريخ وحتى منتصف القرن العشرين، وبصورة تقود القارئ، وهو يقف على أساليب الطغاة -ترتعد فرائصه من عنجهيتهم، ويقشعر بدنه من ممارساتهم، رغم أنهم جميعا في خبر "كان"- إلى التفكير في إنسانية الإنسان، والتشبث بقيمها الرفيعة، حيث ينتفي الطغيان، وتتخلص البشرية من أوحاله المشينة، وأهواله المرعبة، فيسود الحب والسلام، وتتخلص حضارة الإنسان من تلك الممارسات التي شوهت جبينها على مر العصور، وعند مختلف الأمم والشعوب.
وكما قال محمد خليفة في توطئة الكتاب: "ونحن إذ بحثنا في الطغيان بجميع أشكاله فإننا نراه – بحق- آفة المجتمعات الإنسانية، ونعتبر استمراره دليلا على عدم بلوغ البشرية نضجها وتطورها اللازمين، حيث تسود العدالة والحرية في جميع المجتمعات الإنسانية، ويحل الحب والسلام، وهو ما نرجوه آملين في قدرات الإنسان، وراجين من الله العلي القدير أن يسدد خطاه لبلوغ ذلك".
وقد أظهرت توطئة الكتاب المذكورة فكرته العامة، وشرحت خطته المنهجية، حيث جاء فيها أنه " لم يكد يخلو زمان من الأزمنة من وجود طغاة تجبروا في الأرض، وأكثروا فيها الفساد، حتى يمكن القول إن التاريخ البشري تاريخ عنف ودماء، وقمع وتسلط، فلا يوجد شعب الآن ـ تقريبا ـ لم يعان من التعسف والاضطهاد، والواقع أن الطغيان ظاهرة عالمية تمتد جذورها في أعماق التاريخ وربما إلى الوقت الذي كان فيه الإنسان ما زال يعيش مرحلة الصيد، وكثيرا ما كان الحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان حوارا بالسيف والرمح وآلات الحرب الأخرى" .
وفي الباب الأول، ومن خلال أربعة فصول تدرجت بالقارئ "من المشاعة إلى الطغيان"، "فالتسلط في العالم القديم"، و"افلاطون والحاكم الفيلسوف"، و"آرسطو وسياسة الاعتدال"، وقف الكاتب عند "جذور الطغيان"، مبينا أنه ومنذ أن استقر الإنسان في مستعمراته الزراعية الأولى ظهر الاستعباد وأصبح الحاكم في تلك المستعمرات ينظر إليه على أنه إله أو من نسل الآلهة، ومع أن تلك المستعمرات الزراعية البسيطة تطورت إلى أن أصبحت دولا تمد سلطانها على مساحات شاسعة، كالإمبراطوريات التي ظهرت في بلاد بابل ومصر القديمة. إلا أن فكرة الحاكم الإله بقيت مسيطرة على العقول والنفوس، فكان الحاكم في بابل أو في مصر يعامل على أنه إله أو من نسل الآلهة، ولذلك كان يقدس ويعبد، الأمر الذي جعل الحضارات القديمة يطغى عليها طابع الطغيان، باستثناء تلك التجربة التي نشأت في بلاد اليونان – وخاصة في أثينا – حيث اهتدى شعبها إلى مساوئ الطغاة والحكم الطغياني، فأحب الحرية، وأجبر طغاته على النزول من مقام الانفراد، مما مهد لظهور فكر سياسي عند بعض الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو، وهو الفكر الذي حث على ضرورة توفير الحرية، ونفي الطغيان.
ولم يفت محمد خليفة أن يبين أن المنازعات التي كانت تنشب بين الدول والجماعات البدائية غالبا ما ينجر عنها صراع ينتهي عادة بتدمير إحداهما وإبادتها ومن ثم ابتلاعها، مما جعل علاقات تلك الجماعات علاقات صدام هدفه السيطرة والإبادة والابتلاع، وضحاياه والمنتصرون فيه كلاهما من جنس "الحيوان الناطق" على حد تعريف الفلاسفة للإنسان.
ويثير الكاتب السؤال القديم الجديد المتعلق بسبب جنوح الإنسان منذ فجر التاريخ نحو الطغيان، ولماذا كان التاريخ البشري مثقلا بالقتل والتدمير؟ قائلا: إنه لقرون خلت والفلاسفة وعلماء النفس يبحثون عن إجابة عن السؤال المحير حول السبب الذي يجعل الإنسان - بكلمات جان بول سارتر - "أكثر الحيوانات فحشا وضراوة وجبنا". وعلى الرغم من هذا البحث المغرق في قدمه عن مفتاح حقيقة: "وحشية الإنسان تجاه أخيه الإنسان" ، فهناك كمية من الأعذار - أياً كانت - فمن المؤكد أن تنازع البقاء هو السبب الأول في نشوب ذلك الصراع الذي ظل محتدما منذ فجر التاريخ حتى الآن.
وقد اتخذ ذلك الصراع أشكالا متعددة، فكان من أجل الطعام أولا، ومن ثم أصبح الدين عاملا أساسيا فيه، والآن أضحت جرائم الطغاة تقترف باسم الوطن والصالح العام، ولكن الغاية واحدة وهي إثبات الوجود عن طريق نفي الآخر.
وفي الباب الثاني وقف الكاتب عند "انتشار المسيحية والطغيان"، من خلال فصلين؛ تناول في أولهما "المسيحية في روما"، وفي الثاني "المسيحية في بلاد فارس"، حيث أبرز مظاهر الطغيان التي مارسها أباطرة الروم والفرس ضد المسيحيين؛ فوقف عند أشكال القمع المنظم، والقتل والتشريد التي ظهرت بأبشع صورها في مرحلة انتشار المسيحية، واعتناق بعض الناس في روما وفارس للدين المسيحي، حيث كان الضحايا يجلدون حتى تنفصل لحومهم عن عظامهم أو أن لحمهم كان يقشر عن عظامهم بالأصداف وكان الملح أو الخل يصبّ في جروحهم، ويقطع لحمهم قطعة قطعة ويرمى للحيوانات الواقفة في انتظارها أو يشدون إلى الصلبان فتنهش لحومهم الوحوش الجياع جزء جزء، أو تدق عصا حادة الأطراف في أصابع بعض الضحايا تحت أظافرهم، وتسمل أعين بعضهم، ويعلق البعض من يده أو قدمه، ويصب الرصاص المصهور في حلوق البعض الآخر، وقطعت رؤوس بعضهم أو صلبوا أو ضربوا بالعصا الغليظة حتى فارقوا الحياة، ومزقت أشلاء البعض بأن شدت أجسامهم إلى غصون أشجار ثنيت ثنيا مؤقتا... إلى آخر تلك المظاهر التي ترويها كتب التاريخ . بل إن الاستهتار بالنفس الإنسانية وبالحضارة بلغ عند بعض القادة مثل نيرون حد التلذذ بعاصمته تحترق، بعد أن سبع من التلذذ بضحايا البشر الأبرياء.
وفي الباب الثالث تناول "الطغيان في الحكومات الإسلامية"، إذ أبرز في فصلين، كان أولهما عن "العرب والإسلام" والثاني عن "الملك العضود" أشكال الطغيان وأصناف القتل والاضطهاد التي اقترفها بعض الحكام المسلمين في العهدين الأموي والعباسي، وما أدت إليه من سوء أحوال المسلمين في تلك العصور؛ وذلك رغم التعاليم السمحاء للدين الإسلامي التي تحرم قتل النفس بغير حق، وتمنع الاستهانة بالإنسان وكرامته.
وقد بين الكاتب كيف شجع بعض ملوك تلك الحقبة مذهب الجبرية كوسيلة لإسكات الخصوم والمعارضين، فالسلطة يتم تحديدها من الله، وليس للناس فيها مشورة ولا رأي، والإنسان مجبور على كل ما يفعله خيرا كان أو شرا، وكيف أوعزوا إلى الفقهاء بأن يتحدثوا بهذا المذهب مما دفع بالبعض إلى انتحال الأحاديث في الجبر، كل ذلك من أجل أن تكون أعمال الطغيان مبررة، فيموت الحق، ويحي الباطل، ويذل العزيز، ويعز الذليل، وتنتهك حرمة الإنسان، وتخرق تعاليم شريعة السماء ومقاصدها.
وتساءل الكاتب لماذا لم يعرف العرب عبر تاريخهم الطويل أي شكل من أشكال الديمقراطية؟.. فتلك التجربة البسيطة التي ظهرت في سقيفة بني ساعدة عقب انتقال الرسول (صلعم) إلى الرفيق الأعلى لم يكتب لها التطور والاستمرار، فنحن نلمس في اختيار أبي بكر للخلافة، أن هناك رأيا ورأيا معارضا، لكن ذلك لم يستمر، ولم يستفد العرب كثيرا من نتاج الفكر السياسي اليوناني رغم اطلاعهم عليه.
ويعطي مفهومه للإصلاح قائلا "إن الإصلاح ـ كما نرى ـ لا يمكن أن يتم إلا إذا تحرر الإنسان المسلم من عقدة الخوف من السلطة، فتراث أكثر من ألف سنة في العبودية ترك أثرا عميقا في النفوس، وما زال يحول دون تحقيق نهضة حقيقية في أي بلد عربي أو إسلامي، ولا شك أن التقليد لا يجدي نفعا ولا جدوى منه، ولا بد كي ينهض العالم الإسلامي من استحداث نظم خاصة بثقافته الإسلامية، فاستيراد القوالب الجاهزة يكرس التبعية والتخلف، لأن الفرد في الشرق غير الفرد في الغرب، وتكوين مجتمع الشرق غير تكوين مجتمع الغرب، وقد فطن كثيرون لهذا الفرق لكنهم في الواقع لم يدركوا السبب في هذا، وفي رأيي أن السبب في ذلك يعود إلى تأصل العبودية في وجدان الإنسان المسلم بسبب الاستبداد الذي تعرض له عبر قرون طويلة، وهذا الأمر يحول دون أن تكون الديمقراطية في الشرق لها نفس نتائج ديمقراطية الغرب. وكذلك يحول دون أن تكون تلك التنظيمات المنقولة من الغرب إلى بلاد الشرق لها المردود نفسه كما لها في الغرب. ولا بد من إصلاح العقول والنفوس قبل إصلاح الإدارة، فالبذرة وحدها غير كافية وإنما لا بد من التربة الصالحة أيضا.
وعلى اعتبار أن النهضة الحديثة التي ظهرت في أوروبا جاءت بعد طغيان مرير مارسته الكنيسة ضد الناس في أوروبا باسم الدين خلال العصور الوسطى، مما أدى إلى ظهور حركات الإصلاح الديني، وما تبعها من حروب دينية، فقد خصص الباب الرابع للحديث عن "أوروبا بين محاكم التفتيش والإصلاح الديني"، حيث خصص فصله الأول "لمحاكم التفتيش في أوروبا"، والثاني "للكنيسة والإصلاح"، والثالث "للإصلاح الديني في إنجلترا"، والرابع "للثورة الفرنسية والطغيان" حيث بين فيه أن الثورة الفرنسية وإن كانت بحق قطيعة مع العصور الوسطى وثورة عليها، لما أتت به من مفاهيم وإصلاحات لم يشهد العالم لها مثيلا من قبل، فقد رافقها طغيان شديد مورس باسم الديمقراطية والحرية.
وفي الباب الخامس تناول "الأنظمة الأيديولوجية"، فوقف في فصله الأول عند "الاشتراكية والشيوعية"، وفي الثاني عند "الاشتراكية الوطنية"، وفي الثالث عند "الفاشية الإيطالية"، مبرزا الجرائم التي مارستها تلك الأنظمة بحق شعوبها وبحق الإنسانية جمعاء؛ وذلك من خلال الحديث عن النظام الشيوعي الذي ظهر في روسيا، معتمدا الفلسفة الماركسية في الحكم، والنظام النازي في ألمانيا الذي كانت أيديولوجيته تقوم على مبدأ العنصرية وتفوق الجنس الآري، وكذلك النظام الفاشي في إيطاليا، الذي قامت أيديولوجيته على فكرة إحياء مجد الإمبراطورية الرومانية الغابر.
وهكذا فإن هذا الكتاب وإن انتحى أسلوب البحث العلمي الرصين فإنه يظل تنويعا في أساليب الكتابة عند محمد خليفة، تلك الأساليب التي جمعت بين العمود الصحفي الممتع المقنع، والقصة الأدبية كما في "مدائن من رماد" و"رعشة الأطيار"، والقصيدة الشعرية، كما في "تيه الثرى" و"وهج الأنثى"، والكتابة السياسية الرمزية، كما "سفود الجماجم"، والبحث العلمي كما في "وشل الطغيان"، لكن القاسم المشترك بينها جميعا هو ذلك الخيط السمفوني المعقد الذي يصفه البعض "بالأسلوب" تبسيطا، وينعته آخرون "بعبقرية الكتابة"، هو تلك القيم الإنسانية الرفيعة التي تسكن الكاتب، وترفض إلا أن تتسرب عبر الكلمات والجمل والصور، قيم الحب والحرية، وأمل الإنسان المريد في عالم يتحقق فيه السلام والحب، وتنتهي منه كل مظاهر الظلم والكراهية والاستعباد.