غزة وبيت لحم أولا ورأس القضية ثانيا..

بقلم : نضال حمد

لا عجب في أن تقبل السلطة بما تمليه عليها إسرائيل ومن خلفها أمريكا، بل يبدو انه من الواجب أن تعلن السلطة الغضب من موقف المعارضة الفلسطينية الرافض لاتفاقياتها الغير متكافئة مع العدو الذي وضع على رأس أولوياته ومتطلباته قطع رأس المقاومة وتصفية الانتفاضة, وذلك من خلال إلزام ما تبقى من أجهزة السلطة تنفيذ ما عجزت آلته الحربية عن فعله خلال شهور الانتفاضة الطويلة.
لا عجب في أن يعلن القسم الأكبر من الناس العاديين في فلسطين رفضهم لتلك المهانات والمذلات التي لا يخجل منها ممثلي السلطة الفلسطينية الذين وافقوا عليها وأقنعوا مسئوليهم بالموافقة عليها. نعلم أن الرد الفلسطيني جاء سريعا عبر البيانات التي صدرت عن القوى والفصائل الوطنية والإسلامية بما فيها كتائب شهداء الأقصى والتي تعتبر الناطق الفعلي والقوي باسم مشاعر مناضلي وأبناء وكوادر حركة فتح.
لا عجب كذلك في أن تحاول جهات إسرائيلية عديدة إفشال هذه الاتفاقية لأنه تعتبرها في غير مصلحة نهجها المتطرف جدا وتصب في خدمة بن أليعازر في صراعه القائم مع عمرام متسناع على زعامة حزب العمل، هذا الحزب الذي لا يعرف ما العمل وما هو المطلوب منه حتى تعود له شعبيته التي قبرها التطرف والاستعلاء والعنصرية.
ومن الواضح أنه يوجد محاولة جادة من قبل متسناع، المعروف بتوجهاته السلمية وحسن إدارته لبلدية حيفا وقربه من التعايش العربي الإسرائيلي على الأقل في بلدية حيفا حيث يتمتع السكان العرب بمعاملة أفضل نوعا ما من الذين يقيمون في مدن ومناطق فلسطين التاريخية الأخرى أو في المدن الأخرى المختلطة بين اليهود والعرب.هذا بالإضافة لجزء من الرأي العام الإسرائيلي أخذ منه الوضع الصعب الكثير وبدأ يفقد صبره من سياسة الدولة بشكل عام والحكومة الحالية بشكل خاص.عداك عن موقف قوى السلام التي يبقى لها تأثير ولو محدود على المجتمع الإسرائيلي والتي بدورها سوف تدعم أي توجه يعيد الأطراف إلى طاولة المفاوضات والوضع إلى ما كان عليه قبل الانتفاضة الثانية.
إذا كانت خطة غزة وبيت لحم أولا خطة سلمية فعلا وأهدافها وتوجهاتها سلمية كما يدعي بن اليعازر، لماذا لم يقم بوضع خطة تشمل كافة الضفة الغربية مثل بيت لحم ورام الله أولا أو بيت لحم وجنين اولا. فبيت لحم وغزة أولا لا أهمية كبيرة لها لأن غزة لم تحتل ولا يوجد فيها اختراقات هامة أو كبيرة مثلما الحال في الضفة الغربية التي اعيد احتلالها تماما. كان يجب على وزير الدفاع الصهيوني بن اليعازر وعلى وزير داخلية السلطة عبد الرزاق اليحيى أن يتحدثا ويتناقشا ويوقعا على اتفاقية حقيقية يقوم بموجبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من كافة المناطق الفلسطينية التي أعاد احتلالها وكرس فيها مبدأ إرهاب الدولة المنظم. هكذا خطة تضمن انسحاب الاحتلال كانت ستلقى آذانا صاغية من الجانب الفلسطيني, لأنها سوف تعيد الانسحاب وسوف تفك الطوق المضروب على القرى والمدن الفلسطينية وسوف تحرر الرئيس عرفات ومن معه من حجزهم في مقر المقاطعة في رام الله وسوف تعطي الناس الشعور بالأمن وبالحركة والتنقل بحرية. كما أنها كانت سوف تعطي المفاوضات وقتا كي تكمل ما أفشلته سياسة التعنت الإسرائيلي من قبل كافة الحكومات السابقة, تلك التي رفضت تطبيق ما وقعت عليه في اتفاقيات أوسلو ومشتقاتها. بل ذهبت أبعد من ذلك في استغلالها للعجز الرسمي الفلسطيني من خلال مصادرة الأراضي الفلسطينية وتعزيز الاستيطان بشكل هستيري حول حياة الفلسطينيين إلى ما يشبه الجحيم اليومي والحقيقي.
أن الأمن الإسرائيلي لن يأتي إلا بإعطاء الشعب الفلسطيني الحق بالعيش بسلام وبحرية وأمان وطمأنينة وبدون قطعان المستوطنين وحراسهم من الجنود المدججين بآلة الحرب الدموية وبكل ما توصلت له صناعة الموت في الولايات المتحدة وفي إسرائيل العنصرية.
يوم ينسحب جيش الاحتلال من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية ويوم يعترف بهزيمته ويندحر عائدا إلى ثكناته ويعترف بارتكابه جرائم الحرب و بمجازره ومذابحه ودمويته ويدفع التعويضات اللازمة للمتضررين الفلسطينيين ولعائلاتهم، عندها تستطيع حافلات الركاب في المدن الإسرائيلية أن تسير بدون حراس مسلحين وبمفتشي تذاكر وبطاقات فقط. كما تستطيع المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية فتح أبوابها للزبائن دون تضييق وتفتيش.
ويوم تعترف إسرائيل بالدولة الفلسطينية المستقلة وتتعامل معها على أساس معاملة الدولة للدولة وليس القوي للضعيف أو المستضعف، وتكف عن حجز وسجن وحصار وتجويع الشعب في المدن والقرى التي حولها الاحتلال إلى مربعات أمنية محتلة ومحاصرة ومطوقة, سوف يكون بإمكانها الشعور بالأمن وبالسلام الحقيقي.
إذا اعتقدت إسرائيل أن اتفاقها مع السلطة سوف يضمن أمنها ويخرجها من المأزق الذي وضعت نفسها والمنطقة فيه فأنها خاطئة. وتخطأ في تقديراتها لأن السلطة عاجزة عن حماية نفسها وعن حماية جماهيرها وحتى مجلسها التشريعي, هذا الحاضر الغائب أو المغيب تماما عن مسرح الأحداث ومركز القرار.
إن المتابع للأمور يعرف أن هواة اللقاءات الأمنية والتفاوضية وذوي الضحكات المعروفة هم من وقعوا سابقا اتفاقية غزة أريحا أولا واليوم يوقعون الاتفاقيات المجهزة إسرائيليا والغير متوازنة تماما والتي تضر بالمصلحة العليا للشعب الفلسطيني بينما تحفظ بعض المكاسب للمفاوضين باسم شعبنا, مع أن شعبنا لم يوكلهم التفاوض باسمه ولم يمنحهم صلاحية التوقيع على هكذا اتفاقيات مهينة ومذلة وخطيرة تهدد الوحدة الوطنية الفلسطينية بشكل خطير.
على الذين وقعوا على هذه الاتفاقية المشبوهة والتي اخطر ما فيها هو جر الساحة الفلسطينية للحرب الأهلية وهم يعلمون ذلك أن يعيدوا التفكير بما يفعلون وأن يحترموا تضحيات هذا الشعب ووحدة قواه وأهدافه و رأيه العام الذي لن يرحمهم هذه المرة, لأن الكيل طفح ولم يعد هناك مجالا للقبول بإملاءات إسرائيل وبما تفعله السلطة دون الرجوع لرأي الشعب والمؤسسات التشريعية الفلسطينية. نضال حمد