اطفال جزائريون يكسبون المال وسط الاشواك والكهوف‏

جيجل (الجزائر) - من رشيد بودراعي‏
الافواه الجائعة لا ترحم

ادت ظروف المعيشة الصعبة وقسوة الريف وشح ‏الجبال باطفال الجزائر الى ان يصيروا أبطالا رغما عنهم ومغامرين من طراز فريد ‏يتسلقون الكهوف ويواجهون الاشواك لجمع ثمرة التين الشوكي التي تتحول الى فاكهة ‏مفضلة وتجارة رائجة على الطرقات في بلدة جيملة بولاية جيجل شمال شرق الجزائر.‏
ففي هذه البلدة الواقعة بين مربع من الجبال تصبح عطلة المدارس في الصيف فترة ‏اخرى للكد والجد بالنسبة للعشرات من الاطفال لجمع قليل من الدنانير لاعانة ‏عائلاتهم الفقيرة كي تخفف من قسوة الحياة او لتوفير كلفة لوزام الدراسة قبل بداية ‏موسم جديد في شهر سبتمبر المقبل.‏
ويبدأ الاطفال عملهم مثل المزارعين قبل طلوع الشمس ببيع التين الشوكي ‏(الصبارة) على الطرقات وينتشرون على امتدادها في انتظار السيارات وحافلات الركاب ‏التي تتوقف عادة لشراء هذه الفاكهة التي يتطلب تناولها مواجهة اشواك نحيفة الحجم ‏وقصيرة الطول لا تكاد العين تبصرها لكن الوخز بها يؤدي الى التهابات لساعات ‏طويلة.‏
وتبدأ يوميات هؤلاء الباعة قبل الخامسة صباحا حاملين صفائح المعلبات الفارغة ‏وعصا طويلة تصنع من ضلوع الاشجار الطويلة وفي رأسها ثلاثة اصابع تتيح الانقضاض ‏على حبات التين الشوكي.‏
وليس سهلا جمع هذا النوع من التمر الذي ينبت في المرتفعات وعلى الحافات ‏الصخرية وبين الكهوف حيث الزواحف المتوحشة واشهرها الثعابين السامة.‏
واذا ما كان هؤلاء يوفقون في الغالب في تجنب أخطار الزواحف فالاشواك التي ‏تتطاير من اشجار التين الشوكي عند لمسها لا ينفع معها سوى القليل من الحيل ‏ولاتكون نهايتها سوى الايادي العارية وهذا الامر هو الفاتورة الوحيدة او الضريبة ‏التي فرضتها الطبيعة على باعة هذه الفاكهة البرية.‏
ويفضل الناس في هذه الفترة من الصيف التي يعم خلالها الجفاف وتتفاقم ندرة ‏المياه وتتزايد اخطار الامراض الموسمية اقتناء فاكهة التين الشوكي ويجدون في ‏اكلها لذة لا تكرر مع الفواكه الاخرى لخلوها من اعراض الاوبئة ولفعاليتها في ‏التقليل من مسببات الاسهال.
وبين أبطال باعة التين الشوكي الطفل احمد ذو الاعوام العشرة الذي يتخذ من مدخل ‏جسر ضيق تعبره السيارات وحافلات الركاب في بطء مقرا لتجارته. وهو لايكثر الكلام ‏لكون الناس تعودوا على أسعاره وهم يعرفون المنطقة التي يجني منها سلعته ‏ونوعيتها ولذلك فهم لا يتفاوضون معها كثيرا.
وربما كانت ثياب هذا الطفل الرثة، التي رقع بعضها بخيوط سميكة تشهد على ‏فقر وحاجة عائلته هي التي توفر لها شفقة زبائنه.‏
وقال احمد " انا لست على طمع كبير فكل ما اكسبه من هذه التجارة تحت اشعة الشمس ‏المحرقة هو 70 دينارا(ما يعادل اقل من دولار) في أفضل الاحوال".‏
ولا ينتظر احمد من هذه التجارة ان تجلب له او لعائلته الغنى والمال الكثير بل ‏يفعل ذلك لمساعدة أمه في مواجهة حاجات اخوته وللتعويض عن عطل والده عن العمل منذ ‏سنوات بسبب تضرر النشاط الاقتصادي للمنطقة من اعمال العنف في البلاد والتي لم ‏تستثن هذه المنطقة التي ارتبط اسمها بالنسبة لسكانها ذوي الطبع الريفي بالهدوء ‏ونادرا ما كانوا يسمعون عن القتل.
اما سليم الذي يستعد العام المقبل لامتحانات شهادة التعليم المتوسط فهو اكثر ‏حظا في تجارة التين ويكسب منها في اليوم ما بين 200 و300 دينار (حوالي دولارين ‏ونصف الى ثلاثة دولارات وربع) ويوفر له ذلك حوالي 3000 دينار (حوالي 37 دولارا) ‏خلال موسم هذه الفاكهة.
وقال سليم الذي تساعده بنية جسمه القوية على التفوق بين اترابه" ما اجمعه من ‏بيع التين الشوكي يقلل من قلق والدي بشان لوازم دراستي للعام القادم".‏
وتكفي عوائد سليم لاقتناء سروال وحذاء رياضي وقميص وشراء جميع لوازم الدراسة ‏التي عادة ماتسبب القلق للاباء مع كل دخول مدرسي في الجزائر التي ارتفعت بها ‏تكاليف الدراسة في الاعوام الاخيرة مع تقليص الحكومة معدلات دعمها وتحرير ‏الأسعار.
وتضاعفت في الاعوام الاخيرة معدلات الاطفال دون سن العمل في الجزائر، وتراجعت البلاد ‏من صف الدول التي تتوفر بها ظروف معيشية مقبولة للاطفال الى مرتبة البلدان التي ‏لها سجل سلبي في تجاوز حقوق الطفل واحترام المعاهدات الدولية لحمايته.
واسهم في تراجع احوال المعيشة للاطفال في الجزائر وبخاصة اطفال الارياف ما ‏خلفته ازمة العنف من انهيار في اقتصاد البلاد وتراجع ايرادات الطبقات الوسطي ‏وانصراف الحكومة عن الاهتمام ببرامج الانماء الاجتماعي والاقتصادي وانشغالها ‏بالمشكلات السياسية. (كونا)