قراءة في ظاهرة التطرف والغلو

بقلم: أحمد صدقي الدجاني

لندن - "مستقبل الإسلام في القرن الهجري الخامس عشر"، كان موضوع الدورة الثانية عشرة للمؤتمر العام لمؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي الذي أنعقد بين الرابع والسادس من آب (أغسطس) 2002. وفي نطاقه نتناول موضوع "التطرف في الإسلام" الذي أتى في ضمن المحور الثالث من محاور المؤتمر.

أولاً: وقفة أمام عنوان "التطرف في الإسلام"
حول مفهوم التطرف التطرف في اللسان العربي من الطَرَف وهو "الناحية"، "ومنتهى كل شيء". وتطرَّف "أتى الطرف" و"جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط". وكلمة "التطرف" تدعو إلى الخاطر كلمة "الغلوّ" التي تعني تجاوز الحد. وهو من "غلا" "زاد وارتفع وجاوز الحد". ويقال الغلو في الأمر والدين "لا تغلو في دينكم".
شاع استخدام كلمة التطرف ترجمة للكلمة الإنجليزية extremism في العقد الماضي في منطقتنا. وتردد معها استخدام كلمة "الأصولية" ترجمة للكلمة الإنجليزية fundamentalism. والأصولية في معجم وبستر "مصطلح أطلق على حركة احتجاج ظهرت في القرن العشرين، تؤكد على ضرورة التفسير الحرفي للكتاب المقدس كأساس للحياة المسيحية الصحيحة. وهو يطلق أيضاً على أية حركة أو اتجاه يشدد بثبات على التمسك الحرفي بمجموعة قيم ومبادئ أساسية". ولم يقدّر لهذا المصطلح أن يشيع في منطقتنا لاختلاف دلالة "الأصولية" في اللسان العربي التي توحي بالتمسك بالأصول، وهو أمر محمود، فكان أن استخدم مصطلح "التطرف" للدلالة على التشدد وتجاوز الحد في الدين.
"التطرف" مصطلحاً هو ضد مصطلح "الوسطية" الذي هو من الوسط "الواقع بين طرفين" كما يقول الأصبهاني في مفردات غريب القرآن. وهو يحمل في طياته معنى "العدل". وفي القرآن الكريم "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" أي عدلاً.
إذا كان مصطلح "التطرف" يدعو إلى الخاطر "التشدد وتجاوز الحد"، فإن مصطلح "الوسطية" يدعو إلى الخاطر "العدل" و"السماحة". ولفظ السماحة في لسان العرب "يطلق على سهولة التعامل فيما اعتاد الناس في المشادة". كما يقول سماحة الشيخ جمال الدين جعيط مفتي الجمهورية التونسية في بحثه "الإسلام دعوة أصيلة في السماحة والتعايش السلمي" الذي قدَّمه مؤخراً في مؤتمر بمصر. وقد ذكر فيه تعريف الشيخ محمد الطاهر بن عاشور للسماحة في كتابه "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام"، التي هي وسط بين الشدة والتساهل. ولفظها هو أرشق لفظ يدل على هذا المعنى. يقال سمح فلان، أي جاد بمال له بال. وهي تدل على خلق الجود والبذل". وينتهي إلى القول "فأصل السماحة يرجع إلى التيسير والاعتدال، وهما من أوصاف الإسلام". حول المقصود بالإسلام في هذا العنوان ينصرف الذهن أول ما ينصرف إلى أن المقصود هنا هو دين"الإسلام" حين يتحدث "آخرٌ" عن "التطرف في الإسلام". ونلاحظ أن قوى الهيمنة والطغيان من هذا "الآخر" تجهد في محاولة اتهام من يقاومون هيمنتها وطغيانها من المسلمين بأنهم متطرفون وأن هذا التطرف ناجم عن دينهم الإسلامي الذي يحثهم على "الجهاد".
وقد ركزت هذه القوى الطاغوتية حملتها الإعلامية على الدين الإسلامي في مواجهتها للمقاومين لطغيانها، وحاولت ولا تزال تحاول وصم المقاومة بأنها "إرهاب" بمعنى "الإرعاب والترويع واستهداف المدنيين الأبرياء".
وألقت ظلالاً سوداء على كلمة "الجهاد" بخاصة وصولاً إلى تحريف معنى "الجهاد" في أذهانِ من يتسلط عليهم إعلامها، وتشويه معنى "الاستشهاد في سبيل الله". فهؤلاء "الاستشهاديون" في ذلك الإعلام هم "انتحاريون"، وهم يمارسون "إرهاباً" وليس "جهاداً" يبغي دفع العدوان وتحرير الأرض ومقاومة الطغاة المعتدين.
وبئس ما يطرحه إعلام القوى الطاغوتية، وما أبعده عن الحقيقة، ويا لتطرفه في التحيز في المصطلح واعتماده المعيارين شأن المطففين الذين هم إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.
ينصرف الذهن أيضاً إلى أن المقصود "بالإسلام" حين يقرن الآخر التطرف به، هو "الحضارة العربية الإسلامية" ودائرتها الحضارية.
وهي الحضارة التي انطلقت من رؤية كونية مؤمنة بالله سبحانه خالق كل شيء، واعتمدت اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم لساناً للتعبير عن العلم، وشارك في بنائها مختلف "الأقوام" الذين تضمهم ديار الإسلام على اختلاف "مللهم" وانتموا إليها. ولما كانت قيم هذه الحضارة تُعلي من شأن "العدل" والمساواة بين جميع خلق الله، فإن المنتمين إليها ينعطفون إلى "مقاومة" الظلم والجور الذي تحاول قوى الطغيان فرضه عليهم وتسليمهم به. وهذا ما يجعل هذه القوى الطاغوتية تلمزهم بالتطرف وتسمي مقاومتهم إرهاباً.

ثانياً: استحضار ما ورد في كتاب الله بشأن التطرف والغلو من جهة والوسطية والسماحة من جهة أخرى
لقد مرت بنا في مطلع هذا الحديث الآية التي تنهي عن الغلو، وكذلك الآية التي تعلي شأن الوسطية. والحق أن علماء أجلاء عديدون عنوا بدراسة موضوع التطرف، في العقد الماضي بخاصة، وأفاضوا في الحديث عن التوجيه القرآني في الحض على الوسطية والنهي عن الغلو والتطرف.
ومن هؤلاء الشيخ د. يوسف القرضاوي ود. محمد عمارة، وآخرون كثيرون. ونكتفي في هذا المقام أن نستحضر ما كتبوه من شرح لما نزل به الوحي في هذا الموضوع، وأن نلاحظ أن التوجيه القرآني كان دوماً يحث على الاعتدال فالله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها. وهو يعلي من شأن اليُسر. وهو ينهى عن البخل والشح لأنهما تطرف في التعامل مع المال. كثيرة هي الأحاديث النبوية التي تشرح ذلك وتدعو إلى الرفق "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق. ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه" (رواه أحمد).
وقد جاء الفقه ليؤكد على تمثل روح التيسير والسماحة وليجعل من القواعد الأصولية قاعدة المشقة تجلب التيسير وقاعدة لا ضرر ولا ضرار وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات. ويحفل فقه المعاملات بما يحث على الأخلاق الحميدة وينهي عن السخط والضجر والفحش والشطط والمغالاة، وغير ذلك من صور التطرف.

ثالثاً: ظاهرة التطرف في عالمنا المعاصر وأسبابها
يشهد عالمنا المعاصر بروز ظاهرة التطرف فيه على عدة صعد وفي عدد من المستويات. وقد بلغت هذه الظاهرة بفعل ثورة العلم التقني حداً غير مسبوق في فظاعة ما ينجم عنه. إذ لم يعرف تاريخ الإنسان مثل هذا التوظيف "للتقنية" في إيقاع الأذى بالإنسان وأمه الأرض.
وبلغت أيضاً بفعل ثورة الاتصال حداً غير مسبوق في شدة وطأة أخبارها على الإنسان أينما كان، حيث يقوم الإعلام بنقل هذه الأخبار بالصورة والصوت فور وقوع حدث معبّر عن التطرف أو ناجم عنه.
أول ما يلفتنا ونحن نتأمل في هذه الظاهرة "التطرف الرسمي" على مستوى الدول التي تتحكم فيها قوى هيمنة وطغيان، سواء في تعاملها مع "المقاومين" لهيمنتها وطغيانها أو في تعاملها مع "مواطنيها" في أحوال "الطوارئ" التي تقوم هي بتحديدها. وينبثق عن هذا التطرف الرسمي ما اصطلح على تسميته أممياً "إرهاب الدولة الرسمي". وقد بلغ في عصر العولمة" الذي نعيشه اليوم مدى بالغ الخطورة.
فأما المدى الذي بلغه "التطرف الرسمي" وما يقترن به من "إرهاب الدولة"، في التعامل مع "المقاومين" الساعين إلى العدل والذين يناضلون من أجل تحرير الوطن من المحتل الغاصب، فإننا نراه في مواقف قوى الهيمنة والطغيان وممارساتها في "حرب العولمة" التي أعلنتها بعد زلزلة 11/9/2001 في نيويورك وواشنطن. وكذلك نراه في مواقف "الصهاينة" العنصريين التابعين لتلك القوى والمشاركين فيها وممارساتهم تجاه الشعب العرب الفلسطيني والأمة العربية منذ أن أقامت قوى الهيمنة والطغيان "دولة" لهم على أرض فلسطين عام 1948.
نستحضر أمثلة على المواقف، فيتداعى إلى الخاطر ما صرح به الرئيس الأمريكي في الشهور الماضية حول "القضاء على الطفيليات الإرهابية" وأنه "يتعين على كل إرهابي أن يعيش هارباً"، "وأن من ليس معنا فهو ضدنا". ويتداعى إلى الخاطر أيضاً ما صرح به رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي حول "قهر الفلسطينيين وسحقهم حتى يستسلموا وعندها نفاوضهم".
أما الممارسات فقد رأيناها في عملية "أناكوندا" (الأفعى) التي قامت بها القوات الأمريكية في أفغانستان يوم 2/3/2002، ورأيناها قبل ذلك في معاملتها للأسرى حين نقلتهم فاقدي الحواس إلى قاعدة "جوانتينامو"، وفي قيام وزير الدفاع الأمريكي بإغلاق الكهوف في جبال أفغانستان على من فيها. كما رأيناها في الاجتياح الإسرائيلي للمدن الفلسطينية منذ يوم 29/3/2002 وفي مذبحة مخيم جنين بخاصة التي اقترفها الصهاينة.
لقد أدانت الشرعية الدولية "إرهاب الدولة الرسمي" الذي يعبر عن تطرف الدول. ومثل على ذلك القرار الأممي رقم 40/61 الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأربعين. وقد شرحناها في كتابنا مستقبل الصراع العربي الصهيوني وفيه "الطلب إلى جميع الدول أن تفي بالتزاماتها التي يفرضها عليها القانون الدولي، بالامتناع عن تنظيم الأعمال الإرهابية في دول أخرى، أو التحريض عليها، أو المساعدة على ارتكابها، أو المشاركة فيها أو التغاضي عن أنظمة تنظيم داخل أراضيها بغرض ارتكاب مثل هذه الأعمال" (بند 6). وفيه أيضاً "أن تهتم بالقضاء التدريجي على الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي، وأن تولي اهتماماً خاصاً لجميع الحالات، بما فيها الاستعمار والعنصرية، والحالات التي تنطوي على انتهاكات صارخة، لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والحالات التي يوجد فيها احتلال أجنبي التي يمكن أن تولد الإرهاب وتعرض السلم والأمن الدوليين للخطر" (بند 8). وجاء في مقدمة القرار "وإذ تؤكد من جديد الحق، غير القابل للتصرف، في تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب الخاضعة لنظم استعمارية وعنصرية ولغيرها من أشكال السيطرة الأجنبية، وإذ تقر شرعية كفاحها، ولا سيما حركات التحرير الوطني، وفقاً لمقاصد ومبادئ الميثاق ولإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة".
لافت أن "دولة الكيان الاستعماري الصهيوني" وهي تمارس "إرهاب الدولة الرسمي" تعمد إلى وصف المقاومة التي تواجهها بأنها "إرهاب". وهذا ما قامت به الإدارة الأمريكية التي تقود العولمة في عالمنا حين أعلنت حرب العولمة التي نعيشها وأسمتها "الحرب ضد الإرهاب". ولافت أيضاً أن الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا لديهما مراكز تدريب على الإرهاب والعنف. وقد فصّل الحديث عن ذلك جورج مرن بايوت في الجارديان اللندنية يوم 28/10/2001 الذي كشف تورط صناع السياسة في أمريكا منذ عام 1946 في إدارة مواقع تدريب على الإرهاب والعنف. (الرياض 24/1/2002 مقال الحقيقة المحرمة د. عبد الله الطويرقي). وشرح أ.د. عبد الكريم غرايبة في مقاله "الإرهاب والرعب والاستبداد" ما يقوم به مخططو القتل في البنتاغون (القدس العربي 8/1/2002).
كما يروّج هذا التطرف الرسمي المتجلي بإرهاب الدولة الرسمي مقولة "أن كل مقاومة لطغيانهم هي إرهاب"، فإنه يروَّج مقولة أن "العنف" هو حكر على الدولة دون غيرها. فهي الوحيدة التي يحق لها أن تمارس العنف لأنها جاءت عبر نظام مؤسسي، ولأن الحكومة فيها تأتي عبر انتخابات يشارك فيها الناس.
وتفترض هذه المقولة أن ما تقوم به هذه الحكومة المنتخبة من طغيان وعدوان أمر عادي يلبي مصالحها، ومفروض من ثم على من يتعرضون للطغيان والعدوان ألا يلجأوا إلى العنف في محاولة تحقيق مطالبهم. وهي تفتح لهم من أجل ذلك باب التفاوض الذي لا تباشره إلا إذا أعلنوا توقفهم عن "العنف" و"الإرهاب" على حد زعمها أي عن كل أشكال المقاومة.
وتعمد "دول الاستعمار الاستيطاني العنصري إلى القول بأن ما تقوم به هو تعبير عن إرادة مواطنيها، والذين هم مستعمرون مستوطنون غاضبون، وأنها بحكم كونها "ديمقراطية" (كذا!!) تستجيب لهذه الإرادة.
قصدنا تفصيل هذه المقولة الضالة لكي نرى مدى "التطرف" الذي يحكمها ولا يترك سبيلاً أمام المقاومين للطغيان والعدوان الرسمي إلا أن يتطرفوا في مواجهة الطغاة المعتدين سواء كانوا من الشعوب المستهدفة بالطغيان أو من مواطني هذه الدول.
لافت أيضاً أن هذا "التطرف الرسمي" يدأب على وضع مواطني دولته تحت وطأة ما يتعرضون له من خطر. ويصادفني وأنا أكتب هذه السطور ما نقلته وكالات الأنباء من أن"المخابرات البريطانية تحذر من هجمات إرهابية جديدة"، وأن رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي يعلن "أن هناك خطراً قائماً" فعلاً بوقوع اعتداء نووي على الولايات المتحدة. ولكنه أشار إلى أنه لا يملك معلومات بشأن الأعداء لأي اعتداء نووي محتمل". (الأهرام 9/5/2002)
نتأمل في التطرف الذي يعيشه عالمنا المعاصر على مستوى الأفراد. فنجد أنه لا يكاد يمر يوم دون وقوع حادثة أو أكثر تعبر عن هذا التطرف. فهذا انفجار في أسبانيا. وهذا طالب في بلدة ألمانية يطلق الرصاص على طلاب ومدرسين في مدرسته. وصفحات الحوادث في الصحف في مختلف دوائر عالمنا الحضاري ملأى بالأمثلة على ذلك. وبعض هذه الحوادث يذهب إلى مدى بعيد، مثل ذلك الانفجار الذي استهدف أوكلاهوما سيتي 19/4/1994 وأودى بحياة 168 أمريكياً وخمس مائة جريح. وقد تبين أن "تيموثي ماكفاي" قام به انتقاماً لقيام شرطة تكساس عام 1993 بقتل ثمانين متطرفاً أمريكياً في دورة عنف.
لقد تجلى هذا التطرف على مستوى الأفراد في دائرة الحضارة الغربية أيضاً في تصاعد ما يسمى اليمين السياسي وفي برامجه التي تظهر فيها العنصرية والتحيز ضد الآخرين.
نستطيع في ضوء ما سبق أن نضع أيدينا على سبب تكون هذه الظاهرة في عالمنا. فجنوح قوى الهيمنة إلى الطغيان وإخلالهم بالميزان واعتمادهم العدوان يعبر عن تطرف في حد ذاته ويؤدي إلى انتشار مناخ يعشش فيه التطرف على صعيد الأفراد. ولافت أنه في ظل هذا المناخ تنتشر صناعة أفلام العنف والرعب في السينما والتلفزة، فتنفخ في ظاهرة التطرف.(قدس برس)