الانتفاضة بين رهان السلطة، ورهان القوى الوطنية والاسلامية

بقلم: ناصر السهلي

إذا صحت التقديرات بأن الجانب الرسمي الفلسطيني بات موافقا على خطط أمنية أميركية-اسرائيلية تستهدف من خلالها الاذرع الامنية الفلسطينية، بعد عملية إعادة تدريب وتأهيل على أيدي المخابرات الاميركية والعربية(وهو ما صرح به الرئيس عرفات لمحطة الجزيرة في 9/8) ضرب أو شل قدرات المقاومة الفلسطينية مع بقاء قوات الاحتلال او اعادة تمركزها ، فإن مثل هذه الموافقة أو القبول بلعب دور ما في هذا الاتجاه لن يجلب للمشهد الفلسطيني الدامي الا المزيد من التراجع والتشظي.
نقول ذلك ونحن نشهد هذه المحاولات المستميتة لاكثر من طرف اقليمي ودولي لاجل فرض شروط تعجيزية على الفلسطينيين للقبول بأقل ما هو مطروح عليهم وعليه شهدنا تلك السرعة في استجابة السلطة لمشروع غزة اولا، الذي اريد منه اعادة الوضع الفلسطيني الى دهاليز الاتفاقات المؤقتة التي تعطي للاحتلال الفرصة للخروج من مأزق تاريخي وضعته فيها حالة صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته.
والأمر غير المفهوم في قبول السلطة لدور من هذا النوع الامني انه قبول لا يرتبط كثيرا بالمصلحة الوطنية العليا التي باتت الحجة التي يبرر من خلالها اصحاب السياسة التراجعية سياستهم، فما الذي يعنيه أن ترفض القوى الوطنية والاسلامية مثل هذه المشاريع بينما تسارع السلطة وبدون العودة الى اية مرجعية وطنية او حوارية داخلية لاتخاذ قرارات مصيرية، وهي مرحلة تذكرنا بقرارات الموافقة على مبادئ اوسلو الذي لم ينتج طيلة عقد كامل من الزمن الا امعان صهيوني في هضم الحق الفلسطيني ومحاولات تحويلنا الى مجرد سكان يحتاجون طعام وطبابة وتسيير الشؤون الداخلية.
والاقدام المتسرع للسلطة الفلسطينية على التعاطي مع اية مبادرات تطرح عليها(كخطة غزة اولا) يؤشر الى قضية خطيرة جدا على الحالة الفلسطينية، أهمها أن هؤلاء الذين يمسكون بالقرار الفلسطيني لم يستفيدوا من اخفاقات سياستهم السابقة ويبدو ان اصرارهم على التفرد بالقرار يقوم على عدم المكاشفة والمحاسبة ومراجعة وطنية شاملة لقرارات خاطئة وبدون ادخال القوى الوطنية في دائرة الحوار الوطني الشامل حتى لا يجري استبدال لاستراتيجية الرؤية التي تأخذ بعين الاعتبار كل المتغيرات والتحولات المحيطة الا الذاتية، باستراتيجية وطنية تجمع عليها كل القوى الوطنية والاسلامية.
لقد شهدنا، ومع الاسف الشديد، سقف المطالب الفلسطينية وفق تلك السياسة ينخفض الى مستويات جد متواضعة بحيث يجري القبول بأية تسهيلات اقتصادية وسياسية( بقبول هذا المسؤول الاميركي او ذاك اللقاء مع الفلسطينيين) مقابل التزامات امنية كبيرة.
وكنا شهدنا بناءا على ذات السياسة حالة فصام كامل بين مطالب القوى الوطنية برحيل الاحتلال ومطالب السلطة بالانسحاب من هذه المدينة او تلك، وهي سياسة صهيونية معروفة تدفع بالمطالب نحو جزئيات ينشغل بها الطرف الاخر ويتحول عن مطالبه الكبيرة التي تكون محل اجماع واستعداد للتضحية والصمود، و الخطورة تكمن في أن البعض من النخبة السياسية الفلسطينية يوهمون انفسهم بإمكانية تحقيق مكاسب من خلال التعاطي مع سياسة تجزيء القضايا وهو ما يفرض نوعا من التراجع والانكفاء الفلسطيني الذي يحصل نتيجته نوع من الارتباك السياسي وافتقاد المصداقية للسياسة الفلسطينية لدى شعبها ولدى حلفاءها.
لا يمكن قراءة استطلاعات الرأي داخل المجتمع الصهيوني بمعزل عما تحدثه حالة التحمل والصبر والصمود الشعبي الفلسطيني أو بمعزل عن صور هؤلاء الذين تهدم بيوتهم وهم يتمسكون بالبقاء فوق ارضهم، فالمجتمع الصهيوني الذي يكاد ان يصل الى قناعة بأن شارون قد جلب لهم المزيد من اللاأمن الفردي والجماعي لم يصل الى قناعاته تلك الا بسبب المقاومة والتحدي الفلسطيني الذي يدفع المواطن الفلسطيني ثمنه دون ان يجد من هؤلاء الممسكين بزمام القرار الفلسطيني ما يشير الى حمل أهدافه من تضحياته الى مستويات من التفاوض خدمة للمقاومة وليس العكس.
ومن هنا فإن ما شهدته الساحة الفلسطينية مؤخرا من حوار وطني، وإن جاء متأخرا جدا، يجب أن لا يتحول بأي حال من الاحوال الى مجرد دائرة مفرغة من اتهام هذا الطرف وغيره بإفشال الحوار قبل أن يبدأ الحوار.
فما صرح به هذا المسؤول الفلسطيني وغيره بشأن هذه الحوارات الوطنية هناك تخوف من أن يكون الحلقة الاولى من مسلسل إخراج الانظمة العربية الحليفة لواشنطن من أزمتها في علاقاتها مع الادارة الاميركية عبر الضغط باتجاه إيقاف المقاومة والانتفاضة كليا وبغض النظر عن موقع وزمن هذه المقاومة، وعليه فإننا لا نقرأ دور عمر سليمان مسؤول جهاز الاستخبارات المصري في سياق دور المنقذ للشعب الفلسطيني الذي يقتل ويشرد من بيوته، وإنما في إطار خطة أمنية متكاملة تتلخص عناصرها المرتبة من قبل السي اي ايه في جر الفلسطينيين الى وقف كامل لاطلاق النار من جانب واحد ( حتى لو جرى فرضه بالقوة) مقابل التلويح بـ"انسحاب" من غزة دون الاجابة عن اسئلة متعلقة بمستقبل الارض والشعب الفلسطيني.
وليس خفيا بأن التعويل يجري على بعض الرموز الانتهازية في الساحة الفلسطيني التي ترى انه بمجرد عودة الامور الى ما كانت عليه قبل اندلاع الانتفاضة يعتبر"إنجازا" كبيرا وفق قراءتهم المتواضعة للمصلحة الوطنية العليا.
إننا ندرك بأن القوى الوطنية والاسلامية التي دخلت في حوار وطني جدي تهدف من خلاله الى
تعزيز مشروع المقاومة واهدافها في كنس الاحتلال واقامة الدولة ذات السيادة، هي قوى تجد
من الضروري بمكان ان يكون للانتفاضة والمقاومة أهدافها الواضحة بدل ترك تفسيرات تلك الاهداف لمجموعة معينة من المستشارين وأصحاب ربطات العنق الذين إن سمعت خطاباتهم وشعاراتهم تطرب لها أذنك وإن رأيت أعمالهم وتهافتهم على التفاوض فلا يستوعبهم عقلك.
وقد حاولت القوى التي قادت الشارع الفلسطيني ميدانيا منذ ان اندلعت الانتفاضة دعوة السلطة الفلسطينية لحسم خيارها المتردد وقدمت المبادرة تلو المبادرة دون أن تستجيب لها السلطة التي لم تقرأ في تلك الدعوات الا تلك القراءة الضيقة في عدم جواز"تعدد السلطات" في الوقت الذي كانت فيه الآلة الحربية الصهيونية تدك هذه السلطة وكل ما يرمز لها.
وقد عادت هذه النغمة لتتكرر أثناء هذه الحوارات، حيث سمعنا الكثير من التصريحات الرسمية الاتهامية في عدم اعتراف هذه الجهة أو تلك بالسلطة والاسس التي قامت عليها، وكأن كل النضال والتضحيات الفلسطينية قامت فقط للحفاظ على اسس اوسلو الذي قامت عليه السلطة التي عجزت عن تلبية أدنى متطلبات التجاوب مع الدعوة لحسم الخيارات والاقلاع عن المراهنات على ادارة اميركية لا تعترف بكل الشعب الفلسطيني ولا حتى بأن ارضه يمكن اعتبارها محتلة.
وعلى سبيل المثال حاولت الجبهتان الديمقراطية والشعبية التقدم بمشروع تلو الآخر لاجل الاصلاح الداخلي ومحاربة الفساد ودخول السلطة في حوار جدي مع القوى الحية في المجتمع الفلسطيني لاستنهاض عناصر قوته فأية استجابة كانت من السلطة، ورغم ذلك نجد الفصيلين جزءا هاما من هذا الحوار الذي شهدته الساحة الفلسطينية الذي حاول رمز من رموز السلطة وأده من خلال اطلاق التصريحات الرنانة لوسائل الاعلام العربية.
وما يثير انتباهنا في الحالة الراهنة ليس ما يتعلق بالعمليات الاستشهادية او المسلحة داخل فلسطين المحتلة48 بل بافتقاد الساحة الفلسطينية لمشروع وطني يقود النضال بكل اشكاله واساليبه الى تحقيق الاهداف التي هي بكل تأكيد أبعد من "غزة أولا" وكذلك في كارثة التفرد بالقرار والتوجه الفلسطيني الذي يصر عليه البعض عبر الاستجابة لترقيعات امنية تسمى زورا وبهتانا "إصلاحات ومحاربة فساد" نزولا عند مطالب واشنطن وحلفائها في المنطقة حتى بات هذا" الاصلاح" الذراع التي يمسك بها اصحاب المشاريع الانهزامية شعبنا الفلسطيني لدفعه نحو القبول بما هو مطروح عليه.
إن المأزق الذي يجد المجتمع الصهيوني نفسه غارقا فيه ومأزق الانظمة في تأزم علاقاتها بواشنطن يجري الان البحث عن مخارج له من خلال بوابة فلسطينية تتجاوب مع المطروح من مشاريع تجمع الساحة الفلسطينية على رفضها وتصر السلطة متفردة على قبولها، وإن تم ذلك فإننا بكل تأكيد سننجر الى حيث أراد شارون للساحة الفلسطينية ان تصل وهذا تتحمل مسؤوليته السلطة الفلسطينية المترددة في حسم أمرها في القبول بأن هناك في المجتمع الفلسطيني من لديه رؤية تختلف عن رؤيتها، وعليه يجب تشكيل قيادة موحدة وبأهداف محددة والكف عن هذا الهزل المسمى اتفاقات مرحلية. ناصر السهلي- كاتب من فلسطين مقيم في الدانمارك