قضية فلسطين وتعقيداتها الدولية

بقلم: ماجد كيالي

أثار قرار الأمين العام للأمم المتحدة حول مخيم جنين، والذي تضمن طمسا للمجزرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية بحق البشر والحجر في هذا المخيم في أبريل الماضي، والذي اعتبر، أيضا، الفلسطينيين "شركاء" للإسرائيليين، في ما جرى! التساؤل، مجددا، عن جدوى اللجوء إلى هذه المنظمة الدولية لإنصاف الشعب الفلسطيني أو لإيجاد حل عادل لقضيتهم، كما فتح جروحا قديمة تتعلق بمسؤولية هذه المنظمة (والمجتمع الدولي عموما) عن المظالم التي تعرض لها هذا الشعب، منذ أكثر من نصف قرن، أي منذ قرار التقسيم إلى مجزرة جنين.
فما الذي يفسر التحول في المنظمة الدولية إلى حد جعل تقرير أمينها العام يساوي بين الضحية والمحتل، أي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وما الذي يجعل المنظمة عاجزة عن وضع حد للعدوان على الشعب الفلسطيني وللحصار الذي يتعرض له وللاحتلال الجاثم على أرضه؟
للإجابة على ذلك لا بد لنا من مراجعة ملف العلاقة بين الأمم المتحدة وقضية الفلسطينيين، وتفحص طبيعة المداخلات الدولية في هذه القضية.
وفي الحقيقة فإنه منذ نشوء هيئة الأمم المتحدة احتلت القضية الفلسطينية حيزا كبيرا في اهتمامات هذه المنظمة ونشاطاتها وقراراتها، ويشمل ذلك بالطبع الهيئات التابعة لها أو المنبثقة عنها، ولكن المفارقة هنا أن هذا الاهتمام الكبير لم يجد ترجمة له على أرض الواقع بإيجاد حل عادل لهذه القضية يتناسب وميثاق المنظمة والقرارات الصادرة عنها.
وعلى امتداد عمر هذه المنظمة صدرت عشرات القرارات عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعن مجلس الأمن الدولي، ولكن هذه القرارات بقيت، أيضا، مجرد حبر على الورق. إذ أن القرارات التي تعالج الجوانب الجوهرية للصراع، مثلا، صدرت عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة وقرارات هذه الهيئة، التي تعبر عن المجتمع الدولي، ليست ملزمة وهي بمثابة توصيات ولها قيمة أخلاقية فقط، وقيمتها القانونية شكلية. ويندرج في هذا الإطار، مثلا، كل من القرارات التالية:
1ـ القرار 181 (1947) الخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين (يهودية وعربية) مع مكانة دولية للقدس ودعوة لإقامة اتحاد اقتصادي بين الدولتين. ولكن إسرائيل قامت على 77 بالمئة من أرض شعب فلسطين في حين لم تقم دولة الفلسطينيين حتى الآن.
2 ـ القرار 194 (1948) ويقضي بوجوب السماح للاجئين بالعودة إلى ديارهم في أقرب وقت والتعويض على من لا يرغب بالعودة.
3 ـ القرار 273 (1949) ويتضمن الاعتراف بإسرائيل بشرط اعترافها بالقرارين السابقين (181 و194). والجدير ذكره أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي جرى الاعتراف بها في المنظمة بشكل مشروط، ولكنها بالطبع حظيت بالاعتراف الدولي من دون أن تنفذ ما عليها، ومعنى ذلك أن حق الفلسطينيين بإقامة دولتهم، في إطار الشرعية الدولية، لا ينبع فقط من القرار 181 وإنما من القرار 273 أيضا.
4 ـ القرارات رقم 3236 و3375 و3376 (1974 و1975) وهي تتعلق بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية للاشتراك في مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة كممثل للشعب الفلسطيني وتطالب مجلس الأمن الدولي بتمكين هذا الشعب من ممارسة حقوقه القومية المشروعة المتمثلة، بحق تقرير المصير والاستقلال والسيادة القومية والعودة، وتشكيل لجنة خاصة بذلك، وكان ذلك تطورا في مسار القضية الفلسطينية وثمرة من ثمرات الكفاح الفلسطيني.
5 ـ القرار 3379 (العام 1975) وهو القاضي باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، وبالطبع فقد تم شطب هذا القرار في مناخات عملية التسوية التي انطلقت من مؤتمر مدريد في مطلع التسعينيات.
6 ـ وكما قدمنا فثمة العشرات من القرارات، أيضا، التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشكل استثنائي أو دوري (سنويا) وهي تطالب إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية وعدم تغيير الوضع الديمغرافي في الأراضي المحتلة ووقف أعمال الاستيطان وحماية السكان المدنيين في زمن الحرب ووقف الانتهاكات لحقوق الإنسان الفلسطيني، كما ثمة قرارات تقر بشرعية النضال للتخلص من السيطرة الاستعمارية، من مثل القرارين: 2649 (لعام 1970) و 2787(لعام 1971).
أما القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، فهي أيضا لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ بسبب رفض إسرائيل لها بدعم أمريكي، خصوصا وأن هذه القرارات ليست ملزمة بسبب صدورها في إطار الباب السادس من ميثاق الأمم المتحدة، في حين أن القرارات ضد العراق تتبع للباب السابع وهي إلزامية، ومن جانب أخر فإن قرارات مجلس الأمن هذه لم تعالج الجوانب الأساسية لقضية فلسطين، وإنما مظاهرها ونتائجها، مثل وقف الأعمال الحربية وشجب ممارسات إسرائيل أو اعتبار أعمال الاستيطان وتهويد القدس ومصادرة الأراضي أعمالا غير شرعية.
وإضافة إلى ذلك فقد عمدت الولايات المتحدة الأميركية إلى منع أي قرار معادي لإسرائيل بشكل واضح، يصدر عن مجلس الأمن الدولي، باستخدامها حق النقض (الفيتو) الذي استخدمته أكثر من ثلاثين مرة، في هذا المجال وهو ما يوازي 50 بالمئة من المرات التي استخدمت فيها حقها بالنقض في مجلس الأمن الدولي! وهذا حصل في مجلس الأمن الدولي مؤخرا إذ أعاقت الإدارة الأميركية تشكيل لجنة لتفحص الحقائق لما جرى في مخيم جنين، كما أنها وقفت ضد إصدار قرار يدين فيه مجلس الأمن الدولي مجزرة حي الدرج في غزة (يوليو) والتي استشهد فيها 18 من المدنيين الفلسطينيين بينهم 11 طفلا.
وفيما يلي عرض لأهم القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي الخاصة بقضية فلسطين والصراع العربي ـ الإسرائيلي عموما:
1ـ القرار 242(1967) القاضي بعدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة ومطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.
2 ـ القرار رقم 338 (1973) القاضي بوقف الأعمال الحربية بين إسرائيل والدول العربية ودعوة إسرائيل إلى تنفيذ القرار رقم 242.
3 ـ القرار رقم 1397 (2002) وهو القاضي بإنشاء دولة للفلسطينيين وهو القرار الأول من نوعه الذي يصدر عن مجلس الأمن الدولي في هذا المجال. وأهمية هذا القرار تكمن في أنه بمثابة استكمال للقرار 243 الذي أغفل البعد الفلسطيني والذي اعتبر الصراع مع إسرائيل يقتصر على الدول العربية وعلى الأراضي التي جرى احتلالها.
وثمة قرارات عديدة لمجلس الأمن تدين ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلة ولا تعترف بشرعية ضمّها للقدس ولا باستيطانها للأراضي المحتلة.
الآن يمكن تفسير الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية والمفارقات والتعقيدات المحيطة به، بأسباب عديدة، أهمها:
أولا) منذ نشوئها كانت القضية الفلسطينية قضية دولية بامتياز، وبغض النظر عن نصيب الحركة الصهيونية في إقامة دولة لليهود في فلسطين، فإن الجهد الدولي هو الذي مكّن هذه الحركة من النجاح في مشروعها وضمان استمراره وتطوره، وكان لبريطانيا ثم للولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وحتى للاتحاد السوفيتي (السابق) دورا كبيرا في قيام الكيان الصهيوني ومده بأسباب النمو والتطور من النواحي: السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والبشرية.
فمثلا بريطانيا العظمى المنتدبة على فلسطين (في النصف الأول من القرن الماضي) سهلت هجرة يهودية إلى فلسطين وقدمت للوكالة اليهودية الامتيازات لإقامة مؤسساتها كنوايا للكيان اليهودي، أما الولايات المتحدة الأميركية فقد ضغطت (مع الاتحاد السوفيتي) لتمرير قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة، وجعلت من إسرائيل محورا لسياستها في المنطقة، لابتزاز الدول العربية، واستخدمتها لصالحها في زمن الحرب الباردة وقدمت لها كل أشكال الدعم المادي والعسكري والتكنولوجي والسياسي، ومن جهتها تقف فرنسا وراء تنمية الصناعات الحربية في إسرائيل وامتلاكها للسلاح النووي وألمانيا قدمت الأموال وساهمت بتطوير الصناعات والتكنولوجيا فيها، وكان الاتحاد السوفيتي (وروسيا فيما بعد) الخزان الذي لا ينضب للهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ثانيا) ينظر الغرب إلى الكيان الصهيوني باعتباره امتدادا له في المنطقة العربية على أساس من مقولة عنصرية ـ إمبريالية مفادها أن "ليس للغرب في الشرق افضل من الغرب نفسه". وقد نجح الكيان الصهيوني بتوظيف هذه المقولة بادعائه أنه ينتمي للغرب من الناحية "الحضارية" في قيمه ونظامه السياسي وبأنه واحة للحرية وللديمقراطية في المنطقة! للتغطية على طابعه الاستعماري ـ العنصري.
وبالطبع فإن الغرب الرأسمالي يبدي قابلية كبيرة لهضم هذه الادعاءات التي تساعده أولا في تغطية مسؤولياته عن المأساة التي لحقت بالشعب الفلسطيني جراء قيام إسرائيل، وثانيا، لأنه لم ينضج بعد للاعتذار، من الدول العربية، عن ماضيه الاستعماري، ما يفسر هذا التردد لدى الدول الغربية فهي مستعدة للدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني وتقديم الدعم الاقتصادي له والاعتراف بحقوقه الجمعية في الضفة والقطاع، والتنديد بالممارسات الوحشية الإسرائيلية، ولكنها غير مستعدة للذهاب إلى حد تأييد المقاومة المشروعة أو تبني حق العودة للاجئين، التي تتطلب فتح الملفات الأساسية للقضية الفلسطينية، وهذا يفسر أيضا تبعيتها للموقف الأميركي، رغم التقدم في الموقف الأوروبي.
ثالثا، تستمد القضية الفلسطينية عالميتها أيضا من العدو نفسه الذي تواجهه، فالمسألة اليهودية باتت مسألة عالمية منذ أواخر القرن التاسع عشر، بحكم التطورات في أوروبا، وازدادت عالميتها بعد الحرب العالمية الثانية كنتيجة للتركيز المبرمج على اضطهاد النازية لليهود، ما أدى إلى اهتمام العالم الغربي بها عبر الاستجابة للمطالب الصهيونية بدعم قيام دولة إسرائيل التي ظهرت باعتبارها إحدى نتائج الحرب العالمية الثانية.
وبسبب استمرار توظيف الحركة الصهيونية للاضطهاد النازي لليهود وانتشار الجاليات اليهودية في العالم وحيويتها وتوظيف إسرائيل لها لدعم سياساتها واجهت ومازالت القضية الفلسطينية مصاعب جمة على الصعيد الدولي تجلى بصعوبة التفهم الدولي لعدالة الكفاح الفلسطيني وبالنفوذ الكبير الذي تحظى به إسرائيل على صعيد العلاقات الدولية وفي المحافل الدولية، وهو النفوذ المتمثل باللوبيات الصهيونية في العالم.
رابعا، تستمد القضية الفلسطينية عالميتها من الموقع الجغراسي الاستراتيجي الذي احتلته فلسطين في استراتيجيات الدول الكبرى وفي الصراع بين الدول الاستعمارية(قبيل الحرب العالمية الأولى)، باعتبارها الجسر الذي يصل المشرق العربي بالمغرب العربي ومصر ببلاد الشام والعراق، وعلى الدوام اعتبرت الدول الكبرى بأن السيطرة على فلسطين تسهل عليها السيطرة على الوطن العربي والمشرق العربي خصوصا، الذي بات يحظى بأهمية كبيرة بسبب موقعه بين أسيا وأفريقيا ومجاورته لأوروبا وبسبب امتلاكه لثلثي الثروة النفطية في العالم.
على ذلك من غير الممكن اعتبار الصراع مع إسرائيل مجرد صراع محلي (فلسطين أو عربي)، فهو جزء من الصراع في هذه المنطقة وعليها، وهو مرتبط بالصراعات الدولية: السياسية والاقتصادية والعسكرية، كان ذلك إبان ما عرف باقتسام تركة الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية) وبعيد الحرب الأولى في إطار تقاسم النفوذ بين الدول الاستعمارية وبعيد الحرب الثانية في إطار ما سمي بالحرب الباردة، وهو اليوم مازال يحتل مركزا مهما في إطار الاستراتيجية الأميركية لتعزيز هيمنتها كقطب أوحد على العالم.
وهذا بالطبع يحمّل الشعب الفلسطيني صعوبات وتعقيدات جمة لا يستطيع حلها لوحده، ويتجلى ذلك في مفارقات عديدة فالقضية الفلسطينية من أكثر القضايا وضوحا في العالم ومن أكثرها عدالة ولكنها مع ذلك تعتبر من أصعب القضايا في العالم وأكثرها تعقيدا واستعصاء على الحل كما أنها القضية الوحيدة الباقية من عهد العصور الكولونيالية. وبينما يدفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا لاستعادة حقوقه وحريته وأرضه،منذ أكثر من قرن، ثمة فجوة هائلة في موازين القوى، وفي مدى الاستعداد الدولي لتفهم نضاله وحتى لإنصافه ولو نسبيا.
وفي الختام فإن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول "اللامجزرة" في جنين وعدم تمكن مجلس الأمن من إصدار إدانة لمجزرة غزة، هو تحصيل حاصل لعالم تحكمه السياسة وموازين القوى والربح المادي، كما أنه نتاج للوضع الذي تستفرد فيه إسرائيل بالشعب الفلسطيني الذي تحتل أرضه وتمعن فيه قتلا وتدميرا، وهي مسكونة بلغة الغطرسة والقوة والاستعلاء، بسبب تفوقها العسكري على العرب ودعم أمريكا لها.
على ذلك لا تحتاج القضية الفلسطينية إلى مجرد قرارات دولية ولا إلى معايير العدالة والقيم الأخلاقية، فقط، لإثبات نفسها، فالشعب الفلسطيني بحاجة، أيضا، إلى المزيد من المثابرة والصمود والوعي بالتعقيدات الدولية التي تحيط بقضيته، وبمداخلاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، لأن هذه المداخل تساهم في بلورة استراتيجيته السياسية والنضالية وتمكنه من تحقيق التكامل بين القرارات والمعطيات الدولية وبين قدراته وإمكاناته الكفاحية، وهذا وحده من شأنه من إحداث تغييرات، لصالحه، في المعطيات المحيطة به.