رحلة في بعض الدول الأوروبية

بقلم: نضال حمد

بعيدا عن هموم العمل اليومي ومتطلبات الحياة السياسية والنقابية والإعلامية، غصت في إجازتي السنوية في بحر السفر بالوسائل البرية والبحرية.
فحملتني الرحلة إلى السويد والدنمارك وألمانيا وتشيكيا وبولندا ومن ثم العودة إلى العاصمة النرويجية أوسلو, فعدت وعائلتي إلى بيتنا في أوسلو بعد سفر بالسيارة أستمر لمدة 17 ساعة متواصلة مررنا خلالها ببلاد عديدة وعشنا تقلبات الطقس كما لو أن مدة السفر دامت على مدار السنة وبكل الفصول الأربعة.
وساعة انطلاقنا من منزل شقيقة زوجتي في مدينة زغوجيليتس البولندية وحتى وصولنا إلى ما يعرف بأسوار برلين.
هذه الأسوار هو عبارة عن أكثر من مائة كلم تمتد على أوتوستراد رفيع وواسع وفسيح يدور حول العاصمة برلين موفرا على المسافرين مشقة الدخول إلى المدينة والانتظار في عجقة السير الخانقة التي تتعب القلب وتسبب الصداع لكل السائقين. ولكي لا نتعب ونسمح للصداع بالولوج إلى جسدنا المتعب فعلا وبدون تلك الواسطة فأننا نضطر للدوران حول برلين العظيمة عاصمة ألمانيا المهيبة سابقا والخانعة حاليا.
نقول الخانعة لأنها فعلا مرتهنة للصهيونية وتابعة للسياسة الأمريكية وتحرم على مواطنيها وسياسييها وساستها توجيه أي لوم أو إدانة واستنكار لما تقترفه إسرائيل العدوانية من قمع ومجازر ومذابح شبيهة بما قامت به ألمانيا النازية بحق اليهود وكافة شعوب أوروبا أبان الاحتلال النازي والحرب العالمية الثانية.
نقول كلامنا هذا لأن السيد فيشير وزير خارجية ألمانيا وممثل حزب الخضر في الحكومة أصبح محامي دفاع عن شارون وإرهابيي إسرائيل وما تقوم به تلك الدولة المارقة والخارجة عن القانون الدولي من إرهاب حقيقي ومنظم بحق الشعب الفلسطيني والمجتمع والوطن الذي أعاد أصدقاء فيشير في حكومة شارون احتلاله من جديد.
أن عظمة ألمانيا تكمن في خروجها من أرث النازية ونزع ثوب الهولوكوست و المحارق عن جسد ألمانيا الحديثة كي تستطيع لعب دور يليق بها وبمكانتها في أوروبا الموحدة والنظام العالمي الجديد.
فألمانيا دفعت الثمن مضاعفا عما عاناه اليهود في أوروبا ولا يوجد سبب أو دواعي لبقائها رهينة المحبسين الصهيوني والأمريكي, فهذا الدور التابع والمرتهن لا يليق ببرلين الموحدة, هذه التي تمتد خلف هذا الأوتوستراد الضخم الذي يميزها عن غيرها من المدن والعواصم الأوروبية الأخرى.
بعد عودتي أواسط الشهر الماضي من رحلة قصيرة إلى لبنان وسوريا أشتبك فيها العمل والعام مع الشخصي والخاص قررت أن أسافر مع زوجتي وأطفالي في رحلة ترفيهية وبنفس الوقت عائلية، وذلك كي نحقق فكرة كنا قد قررناها منذ عشرة أعوام مضت , لكن الظروف على اختلافها لم تسمح لنا بتحقيقها.
والفكرة هي زيارة لبعض المدن في السويد والد نمارك ومن ثم مواصلة رحلتنا إلى ألمانيا فبولندا التي نسميها أيضا نحن العرب بولونيا ويدلعها أصحابها فيطلقون عليها لقب بولسكا أي بولندا.
ولأنني من الطلبة العرب الذين درسوا في جامعات تلك البلاد ومن الذين ارتبطوا بشكل أو بآخر بتلك البقعة من الأرض عبر الزواج أو البقاء هناك أو على مقربة من هناك, فلا زلت أملك بضعة مفاتيح هامة من مفاتيح العلاقة مع المجتمع البولندي وبعض من لهم علاقة بالسياسة والثقافة والرأي في بولندا الحديثة، بولندا ما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وصعود نجم التبعية المطلقة للمد الأمريكي الذي اجتاح كافة تلك الدول الاشتراكية سابقا والتابعة للدولار الأمريكي لاحقا.
قد يستغرب المرء سياسة الحكومات البولندية المتعاقبة فكلها تقريبا بيسارها ويمينها كانت ولازالت تتبنى الموقف الصهيوني والأمريكي خاصة في مسألة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية بالتحديد. والمراقب لوسائل الإعلام البولندية يشعر بالمرارة من تلك التبعية المهينة والكذب والنفاق والتمييز المبرمج الذي تتبعه وسائل الإعلام الحكومية وغير الحكومية.
اذ يخال للمرء انه يقرأ أو يشاهد وسيلة إعلام إسرائيلية حين يكون الموضوع عن فلسطين وإسرائيل الصهيونية، فالفلسطيني هو الإرهابي ولا فرق بين الذي ينفذ عملية ضد الاحتلال والجنود المدججين بالسلاح والذين يحتلون البلاد ويمارسون القمع والقهر على العباد وبين منفذي العمليات الأستشهادية في فلسطين التاريخية والتي لا تميز بين مدني وعسكري في إسرائيل الغارقة بالسلاح والتي تعتبر مجتمع حربي وعسكري استيطاني أمني لا يعترف بالآخر بل ينفي وجوده ويتعامل معه على أساس أنه السيد والآخر هو العبد.
أما إذا ارتكب الصهاينة أي عمل يذهب ضحيته أبرياء ومدنيين وأطفال وعجزة فأنهم يكررون ويتبنون الموقف الصهيوني الذي يجد دائما تبريرات لمسلكياته ولتجاوزاته ومذابحه المستمرة بحق الشعب الفلسطيني الصابر والصامد على الرغم من صمت العالمين.
وبما أننا نتحدث عن ذلك سوف اروي لكم قصة كتاب عثرت عليه في دار لبيع الكتب, فقد لفت انتباهي عنوان لكتاب كانت زوجتي أخبرتني عنه فيما مضى والكتاب هو لكاتب صحفي بولندي كتبه عن محنة كنيسة المهد وقال في مقدمته انه سيحاول أن يكون محايدا وصادقا في نقله للوقائع والأحداث قدر الإمكان, وقد اعتلت هذه الجملة غلاف الكتاب الخارجي كي تبهر القارئ وتزيده شوقا لقراءة الكتاب.
قلت لزوجتي سوف اشتري الكتاب لمعرفة ما الذي يريده كاتبه وهل فعلا أنه توخى الحذر وتبنى الحياد في سرد الأحداث وفي تحليله لما حدث.
قالت هي بدورها :
من الصعب أن تجد في هذه البلاد هذه الأيام من ينصفكم ومن يتبنى موقفا محايدا فالجميع متأمرك و متصهين,ثم ماذا تريد من بلد حكومته تقع تحت سيطرة النفوذ اليهودي ومعارضته كذلك.
وعلى الرغم من صدق كلامها وقناعتي به إلا أنني قررت شراء الكتاب وبدئت قراءته إثناء إجازتنا في بولندا.عندما قرأت بداية الكتاب أحسست بما فيه من انحياز لإسرائيل ولليهودية والصهيونية وبما يكنه من عداء مبطن للإسلام وللعرب مبني على نظرية صليبية صهيونية مشتركة.
الكتاب يضم 176 صفحة من الحجم الوسط مع مجموعة صور من وحي الأحداث, استطعت أن أقرأ منها 52 صفحة كانت كافية لأن أعلن اشمئزازي من الكتاب والكاتب, هذا الذي تبنى نظرية التزوير والتشهير والدجل والانحياز بشكل مثير للجدل.
فالكاتب حاول في بعض المرات تمرير بعض الأشياء التي تدين الجنود الإسرائيليين وتصرفاتهم في المناطق الفلسطينية المحتلة وفي محيط الكنيسة المحاصرة. كما أنه ومنذ البداية يتهم الفلسطينيين الذين لجئوا للكنيسة بأنهم احتلوها بالقوة وبأنهم من الأرهابيين و لصوص حاولوا سرقة ممتلكات نفيسة من المكان المقدس.
ثم أن الكتاب يحتوي على معلومات تجعل القارئ أقرب وأكثر تعاطفا مع الصهاينة وجنود الاحتلال منهم مع الفلسطينيين والمدينة المقدسة والأراضي المقدسة والكنيسة المقدسة التي تعنيهم كمسيحيين كما تعنينا كفلسطينيين.
أراد الكاتب أن يقول للقارئ بأن ممثل الكرسي البابوي في فلسطين الأب ميشيل صباح كان متآمرا مع الرئيس عرفات سوية على الكنيسة وأنه يمارس عداءا لإسرائيل ويدعم الإرهابيين حسب وصفه للمقاتلين الفلسطينيين الذين ذادوا ودافعوا عن بيت المسيح وعن الكنائس المسيحية في الأرض الفلسطينية المقدسة. كما انه أي الأب صباح قام بتضخيم الأزمة وبإرسال أخبار ومعلومات كاذبة وغير صحيحة إلى الفاتيكان ووسائل الأعلام.
أقول لكم بصراحة بأن الكتاب مسموم مثله مثل الأعلام البولندي بشكل عام, ولا عجب في ذلك لأن السياسة التي تبنى على التبعية والاستجداء والتسول تولد هكذا صحفيين وهكذا إعلاميين,مع ملاحظة هامة هي أن هناك عشرات الالاف من البولنديين الذين تعود جذورهم وأصولهم لعائلات يهودية كانت في زمن الاحتلال النازي قد غيرت أسمائها اليهودية لأسماء بولندية, ثم استطاعوا من خلالها ضمان نجاتهم ومن ثم بقائهم واستمرارهم في المجتمع البولندي كما هم بولنديون لا يدينون باليهودية علانية ويعملون لأجل اسرائيل الصهيونية بطرق مختلفة ومنوعة كما الحال على ما اعتقد مع السيد ياسيك باواشينسكي مؤلف كتاب" مباشرة من الكنيسة المقدسة المحاصرة" الصادر هذا العام عن دار أكادي في كراكوف.