احتفالات مميزة في تونس بالعيد الوطني للمرأة

تواجد قوي للمراةالتونسية في كل مجالات العمل

تونس - تميزت احتفالات تونس هذا العام بالعيد الوطني للمرأة بالتأكيد على أهمية المكاسب التي تحققت للمراة التونسية خلال السنوات الاخيرة، حيث أقيم حفل استقبال كبير على شرف المرأة التونسية حضره الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وعقيلته السيدة ليلى بن علي.
واكتسبت احتفالات هذا العام بعدا خاصا بسبب الحضور المكثف للعديد من الوفود النسائية التي مثلت بلدان عربية وأجنبية صديقة لتونس، ومن منظمات دولية واقليمية.
وقد كرست احتفالات هذا العام المكاسب التي حصلت عليها المرأة منذ الاستقلال، وقد مثل واقع المرأة التونسية اليوم حلما للكثير من الحركات النسائية سواء منها التي مازالت في مرحلة الدعوة التحررية المرأة، أو مساواتها مع الرجل، أو تلك التي شهدت بعض التطوّر فأصبحت تطالب بالاعتراف لها بحقوقها طبقا للمواثيق والعهود الأممية.
وبنظر مراقبين فإن ما تعيشه المرأة التونسية اليوم جاء متوجا لمرحلة طويلة من النضال، وكانت إحدى مميّزات تاريخ التطوّر الإجتماعي والسياسي الوطني، بدأت منذ القرن التاسع عشر، وامتدت طوال القرن العشرين، لتقدم في النهاية نموذجا يحتذى في كيفية صياغة النضال وتطويره، ثم بلوغ أفضل النتائج التي سجلتها الحركات الاجتماعية والنسائية في العالم حتى اليوم. من فكرة الى واقع وبدراسة التاريخ التونسي المتصل بقضية المرأة، فإن هذه القضية مرت بثلاث مراحل أساسية، لكنها تعبّر بوضوح ودقة عن المفهوم الفلسفي للتطوّر العام للمجتمعات وتستجيب له.
كانت المرحلة الأولى لقضية المرأة في تونس، وكما يحددها الباحثون، هي مرحلة الفكرة، بمعنى أن النظر في التطور الاجتماعي من طرف رجال الفكر ورواد الاصلاح قاد إلى أن الوضع الذي كانت عليه المرأة في تلك الفترة وما تلاها إلى ما قبل منتصف القرن العشرين كان أحد الأسباب الرئيسية للتخلف العام، وخاصة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، من هنا انطلقت المطالبة بتحرير المرأة من القيود التي تكبلها والمناداة خاصة بحقها في التعليم حتى تنهض بدورها في تحسين وضع الأسرة ثم المجتمع.
بيد ان الوضع العام للمجتمع سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، وبسبب سيطرة الفكر التقليدي، واصطدام الفكرة مع الاستعمار والعقلية التقليدية وأد الفكرة في مهدها في حينه. القانون في خدمة ارادة المجتمع وهنا تحديدا تبدأ المرحلة الثانية من تطوّر قضية المرأة في تونس، هذه القضية التي تبنتها الحركة الوطنية وجعلت منها إحدى مكوّنات النضال الوطني فعلا، وخصوصا في فترة تشكل القوى المدنية كرافد للعمل السياسي عن عمال وفلاحين وأرباب صناعة، وشباب ونساء وغيرها.
وكان هناك وجود حقيقي لدور نسائي في النضال ضد الاستعمار، وهذا ما دفع إلى بداية التفكير السياسي نحو صياغة قانونية لوضع المرأة في البلاد.
ولذلك اقترنت الفكرة بالقانون عندما عهد إلى أحد شيوخ الإسلام الشيخ محمد العزيز جعيّط بإعداد قانون للأحوال الشخصية، فأعد مشروع رفقة لجنة من الشيوخ والقضاة الشرعيين.
وعندما تحقق الاستقلال في 20 مارس 1956، كان قانون الأحوال الشخصية أول نص قانوني أساسي متكامل يتم إقراره، وقد تم التوقيع في حفل وطني حاشد حضره رئيس الحكومة الحبيب بورقيبة، وشيخ الإسلام المالكي الشيخ عبد العزيز جعيّط، وشيخ الإسلام محمد الطاهر بن عاشور عميد الجامعة الزيتونية آنذاك. المرأة أساس مجتمع الغد كان القانون يحمل في أبعاده مشروعا اجتماعيا حديثا كان قانون الأحوال الشخصية حاملا لرهانات الحداثة مع التمسك بمقومات الهوية العربية الاسلامية باعتبار ان تغيير المجتمع مرتهن بتغيير نمط العائلة في تونس، ولا تغيير في وضع العائلة دون إعادة الاعتبار للمرأة والإرتقاء بوضعها كما نادى به روّاد الاصلاح الاجتماعي وتضمنته المشاريع المختلفة لربط فكرة النهوض بالمرأة بالمشروع السياسي الجديد وبواسطة القانون.
فالدولة الجديدة التي تعمل على تركيز مشروعها الحداثي جعلت من مراجعة وضعية المرأة في علاقاتها بالرجل والعائلة والمجتمع حجر الزاوية في تحقيق التغيير الجوهري في المجتمع.
فكان القانون الجديد تمهيدا لإحداث الاصلاح في المؤسسة القضائية كلها مثلما كان ممهدا لاصلاح المجتمع. فهذا القانون كان مشروعا عاما بجوانبه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وبما يتصل بإحداث البنية الاجتماعية الجديدة للمجتمع وتهيئة البيئة الخاصة بها. المواطنة أو الثورة الجديدة ومع اعتلاء الرئيس زين العابدين بن علي سدة الحكم في العام 1987 دخلت المرأة التونسية مرحلة نوعية من مراحل تطورها ورقيها.
وهذه المرحلة التي تعيشها اليوم ارتقت بها إلى مرتبة المواطنة الكاملة ومكنتها من التعامل مع ذاتها، ومع الرجل، ومع المجتمع ثم عل الدولة باعتبارها مواطنا كامل الحقوق.
وأبقى التحول على كل مكاسب المرأة ثم أضاف إليها بان ارتقى بوضع المرأة من مجرد المساواة وإلى مستوى المواطنة الكاملة وبالتالي البنية والشراكة في صنع المصير الوطني وجعل النظام السياسي من المرأة قضية حضارية عميقة في النسيج الفكري والثقافي العام.
وفي عهد الرئيس بن علي اصبح القانون متصلا بحقوق الإنسان وبقيم الجمهورية، واصبح شرطا دستوريا ملزما لتكوين الأحزاب نبض الدستور اعتبارا بأن "هذه المبادئ الدستورية هي خير ضامن لحقوق المرأة، تبعا للمكانة العليا للقواعد الدستورية في سلم القوانين الوطنية.
وإضافة للدستور فإن الميثاق الوطني قد أنزّل بعد ذلك هذا القانون منزلة النص الملزم في قيمه ومبادئه وأهدافه بكل أطراف المجتمع التونسي. قيم جديدة لمشروع جديد واستنادا إلى المبادئ والقيم الجديدة للتغيير ولحركية التطوّر المجتمعي، جاءت الثورة الجديدة في التعاطي مع موضوع الأسرة والمرأة ومؤسسة الزواج سنة 1992 لتنطلق إلى آفاق المواطنة الكاملة، والشراكة في تحقيق التنمية وبناء المجتمع، فجاءت التنقيحات التي شهدتها 13 من بنود القانون والتي رسخت قيم المساواة والحرية والتضامن والحقد الإنساني للمرأة، وتوازن الأسرة، وحقوق الطفل.
وهذه التعديلات كان لها لاحقا أثرها الهام على تطوير المنظومة التشريعية، وعلى دفع نسق التنمية، وتعزيز بنية المجتمع في مساره التطوري والتحديثي.
وبذلك كانت حركة تطور المجتمع متجانسة ومتكاملة، وأصبح للمرأة الدور الفاعل فيها، سواء كان ذلك على المستوى العلمي حيث يتساوى عدد النساء مع عدد الرجال المدرسين في مجالي التعليم الثانوي والعالي، بينما يزيد عدد التلميذات والطالبات فيهما، في حين ارتفعت الانتاجية الجملية بمكوّنات الانتاج في الناتج المحلي الاجمالي لتصل إلى أكثر من 40 بالمائة سنويا، وإلى 36.5 بالمائة كمعدل للسنوات الخمس الأخيرة، وذلك نظرا للاقبال غير المسبوق للمرأة على بعث المشاريع في الصناعات والخدمات والتجارة، وفي الزراعة. حيث تجاوز عدد النساء صاحبات الأعمال 5 آلاف، وصاحبات المؤسسات الزراعية 15 ألفا. وكل ذلك ترجم تحسنا في الوعي المجتمعي العام سواء في ارتفاع مستوى المعيشة أو تطوّر مؤمل الحياة عند الولادة الذي تجاوز بالنسبة للإناث 74 سنة.
ولعل هذا الواقع هو الذي يبرز ديناميكية المجتمع وحركيته، تلك الحركية التي "ماكانت لتكتمل لولا إسهام المرأة فيها بفضل ما تحقق لها من مكاسب منذ التحوّل، فتحت لها آفاق المشاركة في كل المجالات، وجسّمت الشراكة والمساواة بين الرجل والمرأة في المجتمع".
وتحوّلت تونس اليوم إلى واقع يجسّد مشروع مجتمعي حديث تحتل فيه المرأة نسبة ثلث القوى النشيطة و24 بالمئة من القضاة و11.5 في البرلمان بالاضافة الى انها تشغل مراكز قرار هامة مثل الوزارة وكتابة الدولة وغيرها.