أجندة مسلمي أميركا السياسية في موسم الانتخابات

بقلم: علاء بيومي

الملفت للنظر بخصوص أجندة مسلمي أميركا السياسية في موسم الانتخابات الحالي نوفمبر 2002 هو الضعف النسبي لوجود الانتخابات كأحد عناصر هذه الأجندة الأساسية على الرغم من أهميتها القصوى، ويعود هذا الضعف إلى عدة أسباب أساسية يرتبط بعضها ببنية القوى السياسية المسلمة الأميركية التحتية ويعود بعضها إلى الظروف التي يعيشها مسلمو أميركا في فترة ما بعد أزمة سبتمبر 2001، ونتـناول في هذه المقالة بعض أهم هذه الأسباب بعد تسليط قليل من الضوء على مظاهر ضعف وجود الانتخابات على أجندة مسلمي أميركا السياسية، وعلى أهمية الانتخابات كعنصر من عناصر أجندة مسلمي أميركا لعام 2002. 1- أهمية الانتخابات كعنصر من عناصر أجندة مسلمي أميركا

أهمية الانتخابات كعنصر من عناصر أجندة أية جماعة أميركية تطمح في أن يكون لها تأثير في المجتمع الأميركي وأن تكون قادرة على حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها تنبع من أسباب عديدة، أولها أن الانتخابات هي جوهر العملية السياسية الأميركية وأن السياسية هي ظاهرة اجتماعية مثلها مثل الظواهر الاجتماعية الأخرى المؤثرة على حياة أية جماعة بشرية مثل الاقتصاد والتعليم والتربية وغيرها، ولكي تنجح أية جماعة يجب أن تمنح مختلف ظواهر حياتها اهتماما متساويا متوازنا على طول الخط، فلن يشفع لجماعة ما اهتمامها بالاقتصاد على حساب السياسية، أو اهتمامها بالسياسية على حساب التعليم والتدين والأخلاق، بل يجب أن تهتم أية جماعة كالمسلمين الأميركيين مثلا بجميع جوانب حياتها بشكل متوازن ومتكامل.
ثانيا يلاحظ أن اهتمام المسلمين الأميركيين بالظاهرة السياسية مازال منخفضا إلى حد كبير، ويرى العديد من المسلمين الأميركيين أنهم نجحوا في الجوانب الاجتماعية والدينية من حياتهم أكثر من نجاحهم في السياسية، الأمر الذي يجعلهم عرضة لأية زوابع سياسية حتى لو كانت صغيرة، ففي ظل اهتمامهم القليل بالسياسية تتحول هذه الزوابع إلى تهديد كبير لمصالحهم السياسية والاقتصادية بل ولحقوقهم أيضا وسلامتهم الشخصية والاجتماعية.
ثالثا يحتاج المسلمون الأميركيون السياسة هذه العام أكثر من احتياجهم لها في أي عام مضى، وذلك بسبب تبعات أزمة سبتمبر الخطيرة على حقوقهم وحرياتهم ومصالحهم في أميركا، وبعد أن أصبحت قضية التمييز ضد المسلمين والعرب في أميركا هي إحدى قضايا الانتخابات والتي ينقسم المرشحون حولها بين مؤيد ومعارض، وبذلك تعتبر مشاركة المسلمين الأميركيين في انتخابات نوفمبر 2002 ضرورة ليس فقط في حد ذاتها ولكن أيضا لحماية وجود المسلمين الأميركيين وحقوقهم على مختلف المستويات الحياتية الأخرى.
رابعا لمسلمي أميركا العديد من الأصدقاء في انتخابات العام الحالي على مختلف المستويات بما في ذلك الكونجرس الأميركي، ويقدر البعض أن هناك حوالي 70 - 80 مساندا للمسلمين والعرب في الكونجرس الحالي يخوضون انتخابات نوفمبر 2002، ويواجه عدد كبير من هؤلاء الأصدقاء والمساندين لحقوق وحريات المسلمين في أميركا ومصالحهم حملات ضارية لإسقاطهم، وقد نجحت بعض هذه الحملات كما هو في حالة النائب إريل هيلليارد أحد ممثلي ولاية ألباما في مجلس النواب والذي تكتل اللوبي الموالي لإسرائيل ضده لإسقاطه ونجح في ذلك خلال انتخابات دائرة هيلليارد الأولية في شهر يونيو الماضي.
وتستدعي الأسباب السابقة وأسباب عديدة أخرى يصعب تناولها جميعا في موضعنا هذا لضيق الوقت والمساحة أن ينـتبه المسلمون في أميركا للمرشحين المساندين لهم ولأهمية المشاركة في الانتخابات القادمة قبل أن يفوت الأوان. 2- مظاهر ضعف وجود الانتخابات على أجندة مسلمي أميركا السياسية على الرغم من انتصاف موسم الانتخابات الحالي (نوفمبر 2002) ودخوله مراحله الهامة والحاسمة للعديد من المواجهات الانتخابية الهامة للمسلمين والعرب في أميركا، مازال حجم الانتباه الذي يوليه مسلمو أميركا ومنظماتهم السياسية الكبرى للانتخابات ضعيف بشكل ملحوظ، ومن أهم مظاهر هذا الضعف ما يلي:
آ- المنظمات المسلمة الأميركية المهتمة بالعملية السياسية لم تصدر حتى الآن جداول مفصلة خاصة بالمرشحين السياسيين المفضلين من قبلها على المستوى الوطني، والذين يجب مساندتهم من قبل مسلمي أميركا.
وهذا لا يعني غياب مثل هذه الجداول بشكل كلي، فالواضح أن بعض المنظمات العربية والمسلمة قد أصدرت جداول خاصة بها كما هو الحال بالنسبة للجنة العمل السياسية العربية الأميركية (AAPAC) والتي أصدرت قوائم خاصة بالمرشحين السياسيين المفضلين من قبلها في ولاية مشيجان، وفي حالة الجمعية المسلمة الأميركية المتحدة (UMAA) والتي أصدرت قوائم خاصة بمرشحيها المفضلين في ولاية ألينوي، ولجنة العمل السياسية كير – باك (CAIR-PAC) والتي أعلنت مساندتها لمرشحين بمجلس النواب الأميركي وهما إريل هيلليارد وسنثيا ماكيني.
وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات إلا إنها تميزت بالمحلية أو بقصر اهتمامها على عدد صغير من المرشحين.
وتعتبر أشمل وثيقة خاصة بمرشحي المسلمين والعرب المفضلين في الانتخابات القادمة هي الدراسة التي أصدرها المعهد العربي الأميركي (AAI) مؤخرا والتي ترصد مواقف جميع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ من أهم قضايا المسلمين والعرب في أميركا وخارجها، مما يجعلها أشمل وربما أهم وثيقة يمتلكها المسلمون والعرب الأميركيون في موسم الانتخابات الحالي، ولكنها للأسف لم تنل اهتماما إعلاميا وجماهيريا كافيا في الأوساط المسلمة الأميركية.
ويترتب على ذلك قلة معرفة الجماهير المسلمة الأميركية نفسها بالمرشحين المساندين لها ولقضاياها في موسم الانتخابات الحالية.
ب- تعبئة الجماهير المسلمة الأميركية للتأثير على الانتخابات القادمة مازالت محدودة من حيث مجالات النشاط والنطاق الجغرافي. وبالنسبة لمجالات النشاط فقد اقتصرت تعبئة المسلمين بالأساس على مجال التسجيل في السجلات الانتخابية والذي تبنته بعض المنظمات المسلمة المعروفة مثل مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (CAIR) والاتحاد الإسلامي الأميركي (AMA) والتي أعلنت برامج طموحة لتسجيل أكبر عدد من الناخبين المسلمين الأميركيين قبل نوفمبر 2002.
هناك أيضا نقص في تعبئة المسلمين في مجال المشاركة في الحملات الانتخابية الأميركية من خلال التبرع بجهودهم وأوقاتهم، وقد أصدرت مؤسسة مسلمة أميركية حديثة التكوين وهي مؤسسة الحرية التابعة للجمعية الإسلامية الأميركية (MAS) منذ أسبوعين كتيبين يزودان المساجد والقائمين عليها بنصائح عملية عن طرق تسجيل الناخبين والنشاط السياسي، كما قام المسلمون في ولاية تكساس بعقد مؤتمر كبير حضره حوالي ستة آلاف مسلم في أوائل الصيف الحالي لتسجيل الناخبين ولقاء المسلمين مع المرشحين السياسيين بالمنطقة، وعلى الرغم من هذه المبادرات الناجحة إلا أنها لا تكفي لتعبئة المسلمين في أميركا بالشكل الكافي ومازالت هناك حاجة كبيرة لحركة تعبئة سياسية عامة وعملية.
فهناك نقص في مشاركة المسلمين العملية في الحملات الانتخابية الخاصة بالسياسيين أو الأحزاب المؤيدة لهم، ويعبر هذا النقص عن تحدي خطير لأن المشاركة في الحملات الانتخابية هي أداة هامة لإقامة علاقات شخصية مباشرة بين المسلمين والجماعات النشيطة سياسيا.
على الجانب الإيجابي يجب تسجيل النشاط الملحوظ الذي يقوم به المسلمون الأميركيون في تجميع التبرعات للمرشحين السياسيين الموالين لهم، وتشير التقارير الخاصة بهذه المسألة أن المسلمين الأميركيين قد ينجحون هذا العام في تجميع تبرعات سياسية تفوق ما جمعوه خلال العقد الماضي كله، ويظهر تأييد المسلمين المالي بوضوح في حالة بعض أعضاء الكونجرس المساندين لهم.
وبالنسبة لنطاق التعبئة الجغرافي فالواضح أن المسلمين الأميركيين ينظرون إلى الانتخابات كقضية عامة وطنية ( تخص المسلمين في مختلف الولايات الأميركية ) وتحتل موقعا هاما على أجندتهم ولكنهم لم يترجموا هذه النظرة إلى حملات وطنية فعلية إلا في حالات قليلة جدا قد تقتصر في هذه اللحظة على حالتين فقط وهما حالة النائب إريل هيليارد (ممثل ولاية ألباما) والنائبة سنثيا ماكيني (ممثلة ولاية جورجيا)، وفيما عدا ذلك يقتصر هم مساندة أصدقاء المسلمين في الانتخابات الحالية على أبناء الولايات التي ينتمي لها هؤلاء المرشحين.
ويعني ذلك أن المسلمين الأميركيين لم يعبئوا طاقاتهم بعد على مستوى وطني لمساندة العديد من أصدقائهم في الانتخابات الحالية، وقد يعاني بعضهم مواقف صعبة وقد يتم إسقاطهم دون أن يعرف بهم المسلمون. 3 - أسباب ضعف وجود الانتخابات على أجندة مسلمي أميركا السياسية في البداية يجب تسجيل كل تقدير واحترام للقوى السياسية المسلمة الأميركية المستمرة في سعيها لتقوية وجود المسلمين على الساحة السياسية الأميركية رغم كل ما يواجهها من صعوبات وتحديات، كما يجب أيضا تقدير صبر هذه القوى على العمل وتفاؤلها ومغالاتها أحيانا في التفاؤل سعيا منها لتشجيع المسلمين على المشاركة السياسية رغم وعيها أكثر من غيرها بصعوبات العمل السياسي ومعوقاته بحكم أنها أكثر انخراطا فيه، وأعتقد أن روح التفاؤل هذه خاصية مطلوبة وضرورية لدي كل جماعة قيادية تسعى إلى تغيير واقعها.
وأتمنى أن ينظر القارئ الكريم إلى أسباب ضعف وجود الانتخابات على أجندة مسلمي أميركا السياسية على إنها تشخيص عملي لمشكلة هامة يجب العمل على علاجها، وليس كجلد للذات ودعوة لليأس والزهد عن العمل.
ويمكن الحديث عن أسباب ضعف وجود الانتخابات على أجندة مسلمي أميركا السياسية على مستويين أساسيين، وهما مستوى المشكلات البنيوية الأكثر تأصلا وترسخا، ومستوى المشكلات العارضة الحديثة العهد المرتبطة بظروف ما بعد أزمة سبتمبر 2001. أ‌. المستوى البنيوي أولا هناك ضعف ملحوظ في ثقافة مشاركة المسلمين في العملية السياسية الأميركية، ويظهر هذا الضعف على مستويين أساسيين، أولهما انشغال العديد من المسلمين الأميركيين بقضية مشروعية الانتخابات وجدواها وأهميتها من عدمها، بمعنى أخر أن هناك العديد من المسلمين الأميركيين الذين لم يحسموا قضية المشاركة في الحياة السياسية الأميركية بعد.
على مستوى أخر تعاني جموع المسلمين الأميركيين من نقص في المعرفة والخبرات العملية فيما يتعلق بسبل المشاركة في العملية السياسية والتأثير عليها، على الرغم من غزارة هذه السبل وتعددها في الثقافة الأميركية، وتنفق المؤسسات المسلمة الأميركية العديد من الموارد في هذه المجال ولكن مازال أمامها الكثير.
ثانيا هناك نقص في المؤسسات السياسية المسلمة الأميركية، وخاصة في مجالي اللوبي ولجان العمل السياسية (PACs)، فالمؤسسات السياسية المسلمة الأميركية الموجودة على الساحة قليلة العدد والموارد بشكل واضح، كما أنها تتميز في معظمها بعمومية النشاط وعدم تركيزها على العمل السياسي وخاصة في مجال اللوبي وحملات دعم المرشحين، وهي مجالات متقدمة من العمل السياسي تحتاج مؤسسات معينة (ذات توصيف قانوني محدد) يفتقر إليها المسلمون الأميركيون بوضوح.
ويعود ذلك لأسباب عددية على رأسها قلة الخبرات السياسية المطلوبة لإنشاء هذه المنظمات في الأوساط المسلمة الأميركية، إذ تشير الدراسات الخاصة بهذا المجال إلى أن إنشاء منظمات سياسية متقدمة مثل جماعات اللوبي على سبيل المثال تحتاج قيادات وكوادر سياسية معينة تأتي بالأساس من المؤسسات التنفيذية والتشريعية الأميركية مثل البيت الأبيض والوزارات الأميركية والكونجرس، فوجود هذه الكوادر يعد أمر ضروري لإنشاء مثل هذه المنظمات.
وللأسف يعاني المسلمون الأميركيون من قلة هذه الكوادر بسبب حداثة عهدهم بالنشاط السياسي في الولايات المتحدة، وقد يحتاجون لسنوات عديدة لتدريب مثل هذه الكوادر.
وهذا بالطبع لا يقلل من شأن ولا إنجازات المنظمات السياسية المسلمة الأميركية الموجودة على الساحة والتي تحقق إنجازات سياسية مختلفة للمسلمين الأميركيين تفوق قدراتها ومواردها المحدودة بشكل واضح.
ثالثا لم يطور المسلمون الأميركيون حتى الآن وسائل إعلامية وطنية خاصة بهم، وتتميز وسائل الإعلام الموجودة بمحليتها وضعف مواردها وعدم قدرتها على الوصول للمسلمين المتفرقين في مختلف أنحاء الولايات أميركا. ويترتب على غياب هذه المؤسسات عدم قدرة المنظمات السياسية على نشر مواقفها تجاه مرشحين بعينهم وتعبئة المسلمين الأميركيين حول هؤلاء المرشحين. ب‌. تبعات أحداث سبتمبر 2002 أزمة سبتمبر 2002 أثرت سلبيا على أجندة مسلمي أميركا السياسية لسببين على الأقل، أولهما هو إرهاق أجندة وموارد المنظمات المسلمة الأميركية بسبب تبعات الأزمة العديدة على مختلف الأصعدة والتي أرهقت المنظمات المسلمة ومواردها خلال النصف الأول من عام 2002 على الأقل.
ثانيا تبعات أزمة سبتمبر الخطيرة على حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا دفعت بقضية الحقوق المدنية إلى قمة أولويات المسلمين الأميركيين بشكل ملفت للنظر، ومن خلال متابعاتنا لما يصدر عن المنظمات المسلمة الأميركية من تصريحات وسلوكيات، يمكن القول أن قضايا الحقوق المدنية طاغية في الوقت الحالي على أجندة مسلمي أميركا السياسية، ونحن بالطبع نقر بأهمية هذه القضايا في الوقت الحالي، ولكننا نحب أن نشير إلى أهمية وضرورة تخصيص جزء من موارد المنظمات المسلمة الأميركية لتفعيل مشاركة المسلمين في الانتخابات القادمة لأنها وسيلة لحماية حقوقهم المدنية ولأسباب عديدة أخرى شرحنا بعضها في مقالتنا هذه.
وفي النهاية أحب أن أسجل تقديري مرة أخرى لجهود المنظمات المسلمة الأميركية الموجودة على الساحة، والتي نتمنى لها مزيد من التقدم والتوفيق، إن شاء الله. * بقلم: علاء بيومي، كاتب وباحث سياسي – واشنطن