«الحمزنامة» تجتذب الجمهور في واشنطن

واشنطن- من بنجامين غروس
مغامرات من كل نوع

يثير معرض متحف ساكلر التابع لمجموعة متاحف السمثسونيان الجديد برسوماته المفعمة بالحيوية، والتي تصور الأبطال العظام والسحرة الأشرار والمخلوقات العجيبة، اهتماماً واسع النطاق بفن جنوب آسيا بين المتفرجين من جميع الأعمار.
ويقدم معرض "مغامرات حمزة" أكثر من ستين واقعة مصورة من "الحمزَنامة"، وهي مجموعة فريدة من قصص المغامرات المثيرة المبنية إلى حد ما على مآثر حمزة، عم الرسول (صلعم). وقد انبثقت قصص مآثر ومغامرات حمزة من تقليد رواية الحكايات شفوياً في إيران، وما زالت تلقى إقبالاً على سماعها وقراءتها في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
وقد أُخذت الرسومات من مخطوطة أمر بوضعها السلطان الفتى "أكبر" في عام 1556 بعد فترة قصيرة من توليه الحكم على امبراطورية المغول في شمال الهند.
وقد أوضح مسومه فهرد، وهو مسؤول في متحف ساكلر وقيم على هذا المعرض، أن قصة حمزة "كانت قصة معروفة جداً، وقد سمعها "أكبر" بالفعل حين كان طفلاً، كما كان يستمتع حقاً بروايتها في مجلسه. وحين تولى العرش، قرر أنه يريد نسخة مصورة عن هذا النص بالذات."
ورغم أن أكبر كان أمياً، إلا أنه نصب نفسه راعياً للفنون ووظف خمسين فناناً لرسم 1400 حدثاً مختلفاً من الحمزنامة لاستعمالها في بلاطه لم يبق منها اليوم سوى مائتين. وقد استغرق العمل على المشروع حوالي خمسة عشر عاماً.
وقال فهرد إن الحمزنامة "تعتبر من نواح كثيرة لا مجرد واحدة من روائع فن الرسم المغولي وحسب، وإنما أيضاً واحدة من أكثر المخطوطات الموضوعة في العالم الإسلامي برمته إثارة للإعجاب."
وأول انطباع يتكون لدى الزائر عند دخوله المعرض هو ضخامة حجم المشروع. فقد أراد أكبر أن تُستخدم الحمزنامة كقطعة مسرحية تتمم عمل حكواتية القصر الملكي. ونتيجة لذلك، بلغ طول كل صفحة من صفحات الحمزنامة سبعين سنتمتراً، وهو طول يفوق بكثير طول المنمنمات الفارسية الأقدم عهداً والتي وضعت للاستعمال الشخصي فقط.
كما زودت الحمزنامة الحرفيين العاملين في بلاط أكبر بفرصة لإظهار مهارتهم كخطاطين، ففي ظهر كل رسم أبيات من الشعر باللغة الفارسية، وهي لغة البلاط المغولي الرسمية. وكانت تلك الأشعار تزود الحكواتية بمعرفة الحدث التالي في القصة وتفسح المجال أمامهم بذلك للارتجال بشكل أفضل أثناء روايتهم للأحداث.
ولعل أكثر النواحي تجديداً في حمزنامة السلطان أكبر هو الرسومات نفسها. فهذه الرسومات تمثل من أوجه كثيرة خروجاً على التقاليد الفنية السابقة وابتداع أسلوب جديد فريد في الرسم المغولي يجمع بين عناصر ثقافية كثيرة.
فالمعروف أن المشرفين الفنيين على مشروع الحمزنامة كانوا من الفرس، ولكن الكثير من الرسامين الذين عملوا لديهم وفدوا إلى البلاط من جميع أنحاء جنوب آسيا والشرق الأوسط. وتبدو براعة الرسامين واستخدام الألوان بدقة بالغة، وهما صفتان ميزتا المنمنمات الفارسية الأقدم عهداً، جنباً إلى جنب في جميع صفحات المخطوطة مع الفن الهندي الحيوي الغني بالألوان. وقد عكس هذا المزج بين الثقافات طبيعة بلاط أكبر المنفتحة العالمية، حيث كان السلطان يدعو أشخاصاً مختلفي الديانات والثقافات إلى الاجتماع معاً وتبادل الآراء ووجهات النظر.
وتكرر الوقائع المصورة والمروية في الحمزنامة نفس الأفكار الرئيسية التقليدية التي تتناولها الملاحم البطولية: كفاح الخير ضد الشر،وأهمية الإخلاص والشجاعة، وسلطة الحب المستديمة. وهي تظهر حمزة وأقرانه يسافرون بحثاً عن المغامرة، ويحاربون الشياطين، ويتغلبون على الساحر الغدار زمرد شاه.
وقال فرهد: "الحقيقة هي أن هذه قصة في غاية الديناميكية. وهي مختلفة تمام الاختلاف عن كل معارضنا السابقة. وقد أردنا أن نظهر ذلك بشكل ما...إنها شبيهة بقصة روبن هود....إنها إنديانا جونز....إنها مغامرات!"
ويشغل المعرض طبقتين في متحف ساكلر مشكلاً أكبر مجموعة تعرض معاً من رسومات الحمزنامة منذ عهد السلطان أكبر. وقد عمد المنظمون، لتحقيق استغراق الزوار أكثر في جو الفترة التي يشملها المعرض، إلى إقامة صالون تتناثر الوسائد على جوانبه، يمكن للزوار الجلوس فيه والاستماع إلى الحكواتية يروون قصص المغامرات وكأنهم زوار في بلاط أكبر.
ومن بين الرواة السيدة مينا مولد التي قالت إنها تذكر سماع قصص مغامرات حمزة أثناء نشأتها في كشمير وتشعر أن الجانب الروائي في المعرض قد ساعد في زيادة تقدير الزوار للمخطوطات والاستمتاع بمكامن الجمال فيها.
وقالت: "إن العنصر الروائي يجتذب الزوار حقاً إلى الرسومات. فأولئك الذين يستمعون إلى القصة يشعرون برابطة نحو الشخصيات، ونحو الأساطير والمغامرات. ثم يعودون إلى تفحص الرسومات."
وأشارت مولد إلى أن رد فعل الجمهور تجاه المخطوطات وحكاياتها كان إيجابياً بشكل ساحق، بغض النظر عما إذا كان الزوار يعرفون القصة قبل وصولهم أم لا. وفي رأيها أن المعرض يفتن الزوار من جميع الأعمار بنفس القدر.
وأضافت: "لقد لاحظت أن الزوار الذين يقصدون هذه الغرفة، من أطفال وبالغين، وقد يستعمل البالغون لغة أكثر بلاغة، يعربون عن رسالة واحدة. إنهم جميعاً يصغون بانتباه شديد...وقد جائني الزوار من جميع الأعمار، وكلهم يحب المعرض."
وينوي متحف ساكلر استضافة مجموعات من طلاب المدارس عند بدء السنة الدراسية الجديدة في الخريف. إلا أنه يمكن للأطفال الذين يزورون المعرض في عطلة الصيف الاشتراك في برامج خاصة يتعلمون فيها عن الفن والموسيقى والرقص الهندي.
ومن الجدير بالذكر أن صاحب فكرة معرض "مغامرات حمزة" هو أستاذ تاريخ الفن في جامعة (ولاية) فيرمنت، جون سيلر. وسوف يستمر المعرض في واشنطن العاصمة حتى التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر القادم، ثم ينتقل إلى نيويورك ولندن وزيورِخ (بسويسرا).