شوقي بغدادي وقصائده الصباحية

بقلم: أحمد فضل شبلول
دمشق، تعيش في وجدان شوقي بغدادي

أمامي الآن اثنتا عشرة قصيدة للشاعر السوري شوقي بغدادي، أحد فرسان الستينيات في الشعر العربي المعاصر، ولشعراء الستينيات ـ مهما قيل عن تجربتهم الشعرية الآن ـ مذاق شعري خاص، ودور بارز في تطوير القصيدة التفعيلية، فبعد أن أسهم رواد تلك القصيدة في إرساء قواعدها وتعبيد الطريق أمامها، جاء شعراء الستينيات ـ أو شعراء الموجة الثانية ـ فأكملوا المسيرة عن وعي وفهم وإدراك وتأصيل حقيقي للبناء التفعيلي الجديد للقصيدة العربية، ومنحوها آفاقا واسعة، ودخلوا بها معترك الحياة والفن، فأكدوا وجودها ومنحوها الشرعية الحقيقية، بعد أن كان الشك يُثار حول وجودها من عدمه، لدى جيل الرواد، ومَنْ وقف ضد تجاربهم الشعرية الأولى.
لقد حاول عدد من شعراء السبعينيات إلغاء الدور البارز الذي قدمه شعراء الستينيات، فاتهموهم بالقصور والعجز عن التطوير، وأن شعرهم مجرد ترديد لشعراء الرواد، بل أن تجاربهم أقل عمقا وأقل جودة، وأنهم السبب في توقف الشعر العربي عند آفاق محدودة، وظن هؤلاء النفر من السبعينيين أن إنجازهم الشعري أخطر بكثير مما قدمه الستينيون، وأنهم فتحوا آفاقا لا متناهية للقصيدة العربية، وأنهم بدخولهم عالم قصيدة النثر قد فعلوا لما لم يتمكن من فعله شعراء العربية جميعا من قبل.
وعلى الرغم من كل هذه الصيحات والدعاوى الباطلة، فإن أغلب شعراء الستينيات لا يزالوا يملكون الأصالة الشعرية، وإمكانية الولوج إلى عوالم شعرية عذبة وبكر، ولم يزالوا مخلصين لموسيقى الشعر ولتفعيلات الخليل، وللصور الشعرية البديعة والجميلة والمبتكرة التي تحلِّق بالقارئ أو السامع، إلى آفاق جديدة، ومن هؤلاء الشعراء، شوقي بغدادي الذي يقول في قصيدة "الصباح": فتحت باب الدار
وقفت في ارتياح
أعبُّ من طراوة الصباح
أغلقت خلفي الباب
ثم انطلقت مثلما ينطلق الطلاب
حييت كل من أعرف في الطريق
تحية الصديق
سألتهم عن صحة الأولاد
وحالة البلاد
صفرت لحنا ذائعا
ثم سألت بائعا
هاتِ لنا جريدة
ورحت اقرأ الكلام
كأنه قصيدة
وعلى الرغم من أن عددا من شعراء الستينيات وقع في أسر المباشرة والتقريرية والخطابية وتوظيف الأساطير الغربية في قصائدهم وإصابتهم بفجيعة هزيمة 1967 ومرارتها، التي عبروا عنها مرارا في أشعارهم، إلا أن معظمهم تجاوز كل ذلك، بعد أن تقدمت بهم السن، وصاروا أكثر حكمة ودراية بالواقع النفسي للإنسان (أمل دنقل، وعبد الوهاب البياتي على سبيل المثال) ، فحياة الإنسان ليست كلها أحزانا وآلاما وأشجانا وهزائم، وإنما هناك لحظات مبهجة ومفرحة، لحظات تشرق فيها النفس، كما تشرق شمس الصباح بعد كثافة الظلام والغيوم، لحظات صدق تعاش بين الصديق وصديقه، بين المحب وحبيبه. وقليل من الشعراء المعاصرين من عبَّر عن مثل هذه اللحظات الآسرة المفعمة بالحب والأمل والتفاؤل. من هذا القليل الشاعر شوقي بغدادي الذي يقول في قصيدة "في كل مكان": حين أفقت
كان سريري غير سرير الأمس
كانت نافذة مفتوحة
تدخل منها الشمس
كان الشارع غير الشارع
والجيران سوى الجيران
لكن فتح الباب الواسع
وأتى بالقهوة إنسان
قال: صباح الخيرِ .. تفضل
يا للدنيا .. !
صارت أجمل
لم يعد الحزن قاتلا ومعذبا عند الشاعر، ولكن تحوَّل حزن الشعراء عند بغدادي إلى مبعث للأمل، والحنين إلى غابات عذارى وشموس جديدة.
يقول في قصيدة "الوجه الآخر": إنني أحزن أحيانا
ولكن لأجل
إن حزني نفسه
يبعث في صدري الأمل
إن ما يشجي
هو الوجه المغطى للجَذَل
وبالفعل هذا هو الوجه الآخر للحياة، الوجه الآخر للحزن واليأس، الوجه الشعري الذي يستبدل الفرح بالألم، والبياض بالسواد، فقد منح الله ـ سبحانه وتعالى ـ الإنسان القدرة الهائلة على العيش بالأمل في أقسى لحظات اليأس والألم والمرارة، وقد جاء شوقي بغدادي ليذكرنا بتلك القدرة العظيمة الممنوحة للإنسان، فيقول: القلب تفتح
لكناري حلو يصدح
لي .. لكم .. للدنيا جمعاء
لنفرح فيها ..
فلنفرح
إن شوقي بغدادي ـ من خلال هذه القصائد المنشورة بالعدد 365 من "الأسبوع الأدبي" ـ يعد واحدا من الشعراء الصباحيين القلائل الذين يملأون الدنيا زقزقة وشعرا مفعما بالسعادة والفرح والإشراق والتفاؤل والألحان الصافية العذبة المبهجة، وبذلك يعوضنا كثيرا عن تلك القصائد الباكية الحزينة المليئة بالسواد والعذاب والهجاء النفسي والكآبة والتعذيب الروحي، وهي نغمة أصبحت شبه سائدة في شعرنا المعاصر: لعله النبع الذي
أريد أن يسيلا
وقطرة الخير التي تفجر السيولا
ويقول:
فكرت أن الناس طيبون
وأنني في ذلك الصباح
أسعد ما يكون
لقد انعكست هذه النظرة الصباحية المتفائلة المفعمة بالود والمحبة على مدينة الشاعر "دمشق"، وهي ليست مدينة تعيش في خيال الشاعر، ولكنها دمشق الموجودة على الخارطة العربية، بشحمها ولحمها وأناسها وجغرافيتها المعروفة (فأنتِ معقد الآمال / وفيك سوف ينهض الرجال). ومن الطبيعي ـ ونظرة الشاعر إلى الدنيا كلها محبة وأمل ـ أن تبدو صورة دمشق على النحو التالي: دمشق يا مدينتي الخضراء
يا دمشق

دمشق يا نافذة مفتوحة في الشرق
بضحكة العذراء
بصيحة الأذان عند الفجر
من كل مسجد، وكل صدر
بموعد أضاء قلب النهر لقد لعبت البنية الموسيقية عند شوقي بغدادي، دورها الفاعل في إضفاء عناصر البهجة والفرح والأمل، فنجده ـ على الرغم من أنه يكتب شعرا تفعيليا ـ يحافظ بقدر كبير جدا على موسيقى القافية، ونجده ينوِّع فيها بما يتلاءم مع المعنى المراد، ويلاحظ أن معظم القوافي جاءت إما ساكنة، أو مفتوحة، ولم نجد ـ في هذه القصائد ـ قافية مكسورة أو مضمومة إلا فيما ندر. شجرتي ، شجرتي
تهزها الرياحْ
لكنها لما تزل تستقبل الصباحْ
برأسها المرفوعْ
وتمسح الدموعْ
وتنتظر
أما عن التفعيلات التي يغترف منها الشاعر في هذه القصائد، فقد جاء معظمها من تفعيلة الرجز (مستفعلن ومشتقاتها 8 قصائد) ثم تفعيلة المتدارك الخببي (فعِلن، فعْلن، فاعلُ 3 قصائد) وقصيدة واحدة جاءت من تفعيلة الرمل (فاعلاتن).
غير إن تمرس شوقي بغدادي على كتابة القصيدة التفعيلية طوال العقود السابقة، لم يمنعه من الوقوع في أسر التقريرية والخطابية، أو في وهدة الاغتراف من الصور النمطية الجاهزة أو المستهلكة، رغم وجود العديد من الصور المبتكرة سواء التلقائية أو المصنوعة بحرفية أو مهارة عالية. ومن هذه المعاني والصور التقريرية المباشرة، قول الشاعر: ـ العمر لا يعاش مرتين
ـ النوم مثل الموت عندي فلأعش قليلا
ـ سأحبك من أعماق القلب
وأظل أحبك كل الحب
من أعمق أعماقي سأحب
وغيرها من التعبيرات المستهلكة التي لا تحمل أي شحنة شعورية متفردة.
إن شعرنا العربي المعاصر في حاجة ماسة إلى شعراء صباحيين من أمثال شوقي بغدادي، يحدثوننا عن الأمل والتفاؤل والإشراق، يحدثوننا عن القيم الجميلة في حياتنا التي كدنا ننساها في ساعات اليأس والألم والحزن والإحباط الذي يجتاح العالم من حولنا، فعلى الرغم من كل هذا السواد الذي يحيط بنا، فإن هناك بالتأكيد لونا أبيض، لم يستطع أن يضع يده عليه سوى عدد قليل من الشعراء، من أمثال شوقي بغدادي الذي يقول: ما أحلى الدنيا، ما أحلى
تتغير فيها أشيائي
ويظل الإنسان
فإذا وطني النائي
موجود في كل مكان
ونختتم رحلتنا مع قصائد شوقي بغدادي الصباحية المتفائلة، بوقوف الشاعر في وجه اليأس وخيبة الأمل والإحباط قائلا: لا .. لا .. فلدي قصائد
ما تمَّتْ
ولدي موائد
لم تنصب
ولدي مواعد
ما حانت
لا .. لا ..
فالمركب أوسع
وشراعي الليلة أقلع
والرحلة قد صارت أروع.
***
أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية