تحليل: هل يتراجع بلير عن تأييد بوش في ضرب العراق؟

لندن - من روهان مينوج
حالة عامة من السخط بين الناخبين البريطانيين بسبب تأييد بلير الدائم لبوش

أسفر احتمال القيام بعمل عسكري ضد العراق عن تحرك النخبة البريطانية في الايام الاخيرة لمعارضة ما يعتبرونه اعتزام رئيس الوزراء البريطاني توني بلير على المشاركة في حملة عسكرية اميركية محفوفة بالمخاطر.
وأعربت الكنيسة والجنرالات المتقاعدون وكبار الموظفين المدنيين وكبار أعضاء البرلمان خارج الحكومة ورؤساء تحرير الصحف عن شعورهم بالقلق.
وتظهر مؤشرات متحفظة من جانب المقربين من بلير أنه يأخذ هذه المعارضة على محمل الجد وقد يستغل الفراغ الذي توفره له العطلة الصيفية في التراجع عن مغامرة عسكرية كانت تعتبر منذ عدة أسابيع أمرا حتميا.
وفي تسريب استراتيجي للمعلومات، أوردت صحيفة الجارديان اليسارية يوم الخميس الماضي أن استفتاء للرأي أجراه أحد المستشارين المقربين من بلير سرا كشف أن الناخبين البريطانيين يشعرون بالسخط من الرئيس الاميركي جورج بوش.
وأفادت الانباء كذلك أن وزراء الحكومة يشعرون أيضا "بالغضب والاحباط" إزاء غياب التوجه السياسي الذي ظهر من إدارة بوش فيما يتعلق بسياستها تجاه العراق.
وكشفت صحيفة ديلى تلجراف المحافظة في نفس التوقيت أن بلير كان قد أكد سرا لاعضاء في الحكومة قبل أن يبدأ عطلته الصيفية التي يمضيها في فرنسا أنه "لا يوجد احتمال لشن حرب خلال الشهور القادمة"، فيما يعتبر بلا شك تسريبا آخر للمعلومات تم إعداده بحرص.
وفي الوقت الذي أبعد فيه رئيس الوزراء نفسه عن الساحة السياسية لاسبوعين، تعارضت الاشارات التي ظهرت من الدوائر المقربة من بلير، بشكل كبير مع الاتجاه الذي كان سائدا منذ أسبوعين فقط.
وكان رفض بلير الواضح لاجراء مناقشة برلمانية موسعة واقتراع على قضية العراق قد قوبل آنذاك بتغطية إعلامية كبيرة، واعتبر بمثابة مؤشر على أن رئيس الوزراء على استعداد لتأييد بوش حتى أخر صاروخ من طراز توماهوك.
غير أن الصحف تركز الان على تصريح لوزير خارجية سابق حول هذا الشأن أدلى به أثناء زيارته للرئيس الليبي معمر القذافي، مفاده أن العمل العسكري ضد العراق "ليس وشيكا أو حتميا".
وسارعت هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) إلى توضيح أن زيارة مايك أوبراين، وهي الاولى من نوعها على هذا المستوى منذ عشرين عاما الى ليبيا، تتعارض مع سياسة الولايات المتحدة تجاه طرابلس، وتتناقض بشكل صارخ مع السياسة البريطانية المعلنة إزاء العراق. فهل سيحدث تغيير كبير في المستقبل القريب؟
وكانت مصادر حكومية في أواخر الشهر الماضي قد ذكرت قبل بدء العطلة البرلمانية الصيفية أن الصراع مع العراق حتمي وأن "تغيير الحكومة" الذي يطالب به بوش ضروري.
غير ان المؤشرات الان تفيد أن بلير بدأ يتراجع عن تأييد الصراع، وأن النقطة المثيرة للاهتمام هي أن شخصيات غير منتخبة من مؤسسة الدولة قد لعبت الدور الرئيسي في هذا الامر بدلا من الممثلين المنتخبين في بريطانيا.
وكان أعضاء البرلمان من حزب العمال قد أوضحوا منذ فترة طويلة عدم تحمسهم للقيام بعمل عسكري ضد العراق، وقام الكثيرون منهم بالتوقيع في وقت سابق هذا العام على اقتراح بهذا الشأن. ولكن بلير رفض في ذلك الحين هذا الاقتراح وتبنى نفس مبدأ بوش في إشهار السيف.
وقد أعرب الان كل من روان وليامز الذي اختير لتولي منصب رئيس أساقفة كنيسة كانتربرى واللورد برامال وهو جنرال متقاعد شغل في وقت سابق منصب رئيس أركان الجيش البريطاني، وسير مايكل كوينلان وهو أحد المديرين المتقاعدين في وزارة الدفاع، عن معارضتهم لمهاجمة العراق. أما بلير فما زال يتخذ موقف الانصات.
وعلى الرغم من عجز هؤلاء عن اتخاذ قرار بانفسهم، إلا أنهم يعبرون عن القلق العميق الذي يسود النخبة البريطانية، وذلك بأسلوب لا يستطيع أن يعبر به الضباط العسكريون العاملون أوالموظفون المدنيون.
ويستند هذا الشعور بالقلق على أسس أخلاقية وعملية. ومن بين هذه الاسس، المطلب الخاص بضرورة وجود تفويض جديد من الامم المتحدة، وضرورة وجود دليل على أن الرئيس العراقي صدام حسين يكدس أسلحة دمار شامل، وكذلك وجود تأكيد على أن العملية العسكرية لن تتعثر في رمال الصحراء، ووجود سياسة واضحة عما سيحدث في العراق والشرق الاوسط على نطاق أوسع اذا تم تغيير حكومته. وأهم شئ هو أن بلير ينصت للرأي العام.
ويعتقد الكثير من البريطانيين أن بوش بما يردده من حكم شعبية هو أفضل قليلا من مهرج، ولكنه مهرج خطير. والشيء الاهم أيضا أن الاتجاه السائد في الشوارع والحانات البريطانية لا يؤيد اتباع خطى الولايات المتحدة إلى حرب غير ضرورية وليست لها نتائج مؤكدة.
من الواضح اذن ان الرياح تتغير في العاصمة البريطانية، وان بلير يخشى الوقوف في وجهها، لكنه لم يحسم امره تماما بعد.