عالم عربي لا حراك فيه

بقلم: ناصر السهلي

شيء ما يحدث لعالمنا العربي هذه الايام، شيء لا يمكن وصفه بالعادي ابدا، والامر لا يتعلق باكتشافات عبقري (ولو عن طريق الردح) لبعض الاقلام "العربية" بعمالة بالجملة للموساد الصهيوني يتهم بها كل من له رأي لا يشبه "الرأي السديد" للحاكم"الرشيد".
ولا بعدم وصول الدعم العربي للشعب الفلسطيني او صرف النظر عن اقامة مشروع اعلامي يحاكي العقل الغربي الذي قررته قمم رفع العتب التي قالت القليل وفعلت ما دون الصفر بكثير، ولا حتى بصمت الشارع العربي وهو ينظر الى ما يتعرض له الشعب الفلسطيني بحماسة اقل من متابعته لمصير هؤلاء الذين كان يتعاطف معهم في مسلسل "كاسندرا" او "الحاج متولي".
هذا الشيء ببساطة شديدة لا يتعلق بالديمقراطية والشفافية اللتين، ويا سبحان الله ، باتت انظمة الفساد والقمع واغتصاب السلطة في عالمنا العربي تؤمن بهما ايمانا عميقا في مسار رؤية البيت الابيض لدورها في فلسطين والعراق.
ولا بقرار فجائي اصدره الحاكم العربي لجنوده وحرس حدوده في المطارات والمداخل البرية وسفاراته، وذلك على أساس انه فعلا يقف مع فلسطين، للتوقف عن العمل بقرار سابق يعتبر اقتراب الانسان الفلسطيني منها جميعا جنحة وجريمة تستدعي التأديب بالسجن والطرد والبهدلة وشتم فلسطين من شمالها الى جنوبها ليحذر غيره من القيام بمثل تلك الجرائم التي تسول له نفسه التفكير بها وهو يفكر بزيارة لاخوته واهله اسوة بباقي البشر.
لي من المعارف عشرات من الذين أوقفتهم سلطات مطارات دول عربية سياحية وأعادتهم الى الشمال الاوربي رغم ان جوازات سفرهم اوربية الا انهم "اعترفوا" بفلسطينيتهم ، فجريمتهم كانت انهم ارادوا ممارسة متعة السياحة مع وفود سياحية اوربية ليطلعوا على "بلاد العرب ".
ولا في الاصدار العجيب لقرار بممارسة السيادة العربية باعتبار السفير الاميركي "شخصا غير مرغوب فيه" بعد أن ثبت بالملوس وبالدليل الحي والاعتراف، الذي يجيد انتزاعه من المواطن العربي البسيط، أن سلاح وصواريخ بلده هي التي تقتل هؤلاء الفلسطينيين الذين يدعي وقوفه الى جانب قضيته.
ولا حتى بتراجع العالم العربي عن ادعاءه بعدم قدرته على العيش بدون"كابريس"، او استغناءه عن قوات الجيش الاميركي كونه اصبح اكثر شجاعة وقدرة للدفاع عن كرسي الحكم بفعل حب الشعب واستماتة المجتمع للدفاع عن الزعيم وحاشيته.
نعم ثمة شيء يحدث لهذا العالم العربي، وهو ليس من النوع الثقيل الدم والظل الذي مارسته العقلية الانقلابية التي اكتشفت فجأة بأن سيادتها لا تتأثر بإعطاء جون قرنق ما يريد، وهي العقلية التي خونت غيرها واتهمته بالتفريط بالمبادئ الوحدوية، ولا من النوع الأثقل الذي ظلت تمارسه مفاهيم التكفير والقتل المتبادل في الجزائر حيث يُذبح الانسان صبيا كان ام مسنا ام امرأة.
ولا هو بتلك السماجة المتفاقمة لاشتراكية تحكم المغرب وغيره دون ان تشبه اية اشتراكية، ولا جديد في الامعان بتسخيف ثورة يوليو، رغم يوبيلها الفضي، من خلال دروس في الجلد لا يمارسها حتى الذين انقلبوا على فكر ماركس ولينين.
ولا في هروب البعض نحو قطرية ممقتة او البحث عن انتماءات قارية للدلالة على غضب على هذه الامة التي فشلت في تحقيق ادنى نوع من انواع الوحدة!
ولا في قرار لبناني لوقف العمل بقانون حرمان الفلسطيني من العمل بأكثر من 73 مهنة، ولا في القراءات الموحدة للشريعة.
ولا حتى في توقف عمال الموانئ والمطارات العربية عن استقبال وافراغ حمولة الطائرات والبواخر الاميركية لمدة يوم واحد، ولا في تحول النقابات الى نقابات حقيقية لا تقبل ان يتزعمها زعيم انتهازي يخرج الزبد من فمه وهو يهتف بالجماهير عن ضرورة النضال ضد النهب والسلب الممارس بحق أكثر من 90% من الشعب بينما يطأطأ رأسه في حضرة مندوبي النظام.
إن الجديد الذي نتحدث عنه لا علاقة له بتقرير الامم المتحدة حول التراجع الذي تعيشه حالة التقدم والتطور في المجتمعات العربية، فنسب الامية والتخلف في تصاعد، وتحوله الى مجتمع استهلاكي لا يمكن مقارنته مع اية منطقة جغرافية أخرى،إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مقدرات هذه الامة، ولا علاقة له باكتشاف أن العالم يتحول الى التكتل الا عندنا، حيث إذ" زعل" أو غضب الحاكم من جريدة او وسيلة إعلام الحاكم الاخر فإنه يقطع العلاقات الديبلوماسية معه، بينما تراه يلعق كل الاهانات التي توجهها له "ماما اميركا"..و دون جرأة على وقف العلاقات مع دولة الاحتلال حين تقتل على حدود إقطاعيته بعضا من رعيته"بالخطأ".
ولا في إمعان الحاكم العربي على استقبال هذا الصهيوني حتى النخاع، شيمون بيريز، الذي يعمل ممسحة لدى سفاح على شاكلة شارون بالرغم من إعلانه عن دمويته في ان يرى عرفات مقتولا بالرصاص، وهو يبتسم حين يستقبله الزعيم العربي، ولا في صمت العرب على تقرير انان الذي يحمل الضحية "خروج الجلاد عن طوره".
منذ نعومة أظافري كنت أراقب والدي الفلسطيني محمود "ابونصار" ابن بلد الشيخ، الذي جعلته النكبة واحدا من ارقام الاونروا، يجهد نفسه ليبتاع جريدة يومية ومجلة اسبوعية وشهرية وراديو ترانزستور وكتاب ليستدل على الطريق الذي سلكته جدتي من بلد الشيخ الى مخيم اللجوء باحثا عن اي جديد في هذا العالم العربي ليستدل به على ان دروب الاخراج القسري بعد المذبحة التي يمكن لها ان تصبح دروب عودة حين تتوحد هذه الامة.
رأيته بعد أن لم تتحد الامة يتمسك برواية"كيف سقينا الفولاذ"، وبقيت جدتي تتمسك بأهداب نشرات الأخبار، العجيب انها كانت دائما تأمل الكثير حتى من وزراء الداخلية العرب، الذين لم يختلفوا أو يتخلفوا يوما في اجتماعاتهم الدورية.
ومنذ أن قرأ والدي ذلك الكم الكبير من المجلات والجرائد والكتب تصر حالتنا العربية على امعانها في دخول طقوس التراجع تلو التراجع دون ان تستثمر اي من مقداراتها لتصبح ولا في مستويات ماليزيا او اندونيسيا اللتين عانتا ايضا من ديكتاتورية ومؤامرات.
لكنني بدأت حديثي وأنا أقول بأن ثمة شيء يحدث لعالمنا العربي وهي حقيقة واقعة، إذ أن كل ما ذكرناه سابقا يبدو وكأنه تكرار لحالة عاشتها امتنا منذ ان ولدت الدولة العربية الحديثة.
لكن يبدو من الذي يحدث هذه الأيام أن الخجل قد ولى في افصاح الكثيرين لولاءات للبيت الابيض بدل ولاءاتهم لأمتهم، وأن قضية العيب والحلال والحرام لم تعد تقتصر الا في حدود اخضاع المجتمع لرغبات وتوجهات الزعيم، والتسابق عليها باتت من شيم يتفاخر بها البعض.
فالجديد هو هذه العلنية في الاعلان عن الافلاس السياسي والفكري دون خوف من تاريخ او شعب، والمبارزة العربية- العربية في تردي الثقافة وانحدار مستوياتها الى قعر لا يكترث به احد على وجه هذه المعمورة ولا يثير حتى أكثر مدعي الثقافة الذين نراهم اليوم في مؤخرة الصفوف بل بعضهم يذهب الى حد البحث عن دور له ضمن طوابير الذين يبررون هذا التراجع باسم العولمة والمتغيرات الدولية التي لم ولن تهب رياحها على المواطن العربي طالما أن "نخبته" هي على هذه الشاكلة التي لا تجد حرجا في جلد الفلسطينيين من على صفحات يديعوت احرنوت او الصحف الاميركية والبريطانية.
إذن الشيء الجديد الذي يجري لهذه الامة هو أن لا جديد الا في علنية ما يجري وافتضاح الامر بعد ثلاثة أعوام من دخول أمتنا الفية جديدة. ناصر السهلي- الدانمارك