تحليل: العقوبات الاقتصادية الأميركية سلاح ذو حدين

لندن

تواصل الولايات المتحدة استعمال سياسة فرض العقوبات الاقتصادية ضد الدول والشركات والمجموعات والأشخاص في مختلف أنحاء العالم تحت أسباب وذرائع وحجج مختلفة منها: دعم الإرهاب، مخالفة القوانين الأميركية بشأن تصدير التكنولوجيا المتقدمة، السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، عدم الالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة المخدرات، انتهاك حقوق الإنسان، إعطاء مواصفات مخالفة لعلب التونة وغيرها. وقد استطاعت الولايات المتحدة أن تحول الكثير من هذه العقوبات إلى عقوبات دولية عبر استخدام نفوذها في مجلس الأمن الدولي.
وكان آخر حلقات هذا المسلسل فرض عقوبات على مجموعة من الشركات العالمية أغلبها شركات صينية وروسية بتهمة مساعدة إيران والعراق على الحصول على تكنولوجيا متقدمة وتطوير أسلحة محظورة.
وتواصل الولايات المتحدة استخدام سياسة فرض العقوبات حيث فرضت في 20 تموز/يوليو الماضي عقوبات على 10 شركات أجنبية متهمة بمساعدة إيران والعراق على الحصول على أسلحة دمار شامل.
وحسب صحيفة واشنطن تايمز، فإن معظم الشركات التي عوقبت شركات صينية ساعدت إيران والعراق على تطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية. وهذه هي المرة الرابعة في أقل من عام التي تعاقب فيها الولايات المتحدة الصين.
وقال ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن العقوبات التي تمتد عامين ستفرض بموجب القانون الأميركي الصادر عام 1992 بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل لكل من العراق وإيران، وتشمل العقوبات حظر أي تعامل تجاري أميركي مع تلك الشركات والدول.
كما فرضت الولايات المتحدة في أيار/مايو الماضي عقوبات على 14 "كياناً" في أرمينيا ومولدوفا والصين أيضاً، وفقاً لقانون حظر انتشار الأسلحة النووية لإيران لعام 2000، وتنحصر العقوبات في الكيانات المذكورة ولا تطال حكومات أرمينيا ومولدفا والصين نظراً لإمكانية توفيرها إسهاماً مادياً لعملية تطوير أسلحة نووية أو بيولوجية أو كيميائية أو لتطوير صواريخ بالستية أو صواريخ من نوع كروز.
وفرضت الولايات المتحدة في 24 كانون الثاني/يناير الماضي عقوبات تجارية ضد أوكرانيا بتهمة قرصنة أوكرانية للاسطوانات المدمجة للشركات الأميركية الموسيقية والمعدات الخاصة بالكومبيوتر. وذكرت وكالة الأنباء الألمانية أن وزارة التجارة الأميركية ألغت إعفاءات بحوالي 75 مليون دولار قيمة صادرات أوكرانية.
وقد شهدت السنوات الماضية وبالتحديد منذ عام 1990 وحتى الآن أكبر عدد من العقوبات المفروضة على الدول، مقارنة بالماضي، فالولايات المتحدة فرضت عقوبات اقتصادية انفرادية 115 مرة منذ الحرب العالمية الأولى و104 مرات منذ الحرب العالمية الثانية بينها 61 مرة خلال فترة الرئيس بيل كلينتون، وحتى نهاية عام 1998 كانت هناك 75 دولة تخضع للعقوبات أو تعيش تحت التهديد بها، فيما أكمل المهمة الرئيس جورج بوش باستمرار فرض العقوبات السابقة وتمديدها وفرض عقوبات جديدة على العديد من الدول والمنظمات والهيئات والأشخاص تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، فيما تم رفع العقوبات عن أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان وعن باكستان والهند لدعمهما للجهود الأميركية في مكافحة الإرهاب.
أما على صعيد الأمم المتحدة فقد فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات مرتين خلال الفترة بين عام 1945 وعام 1990 على روديسيا وجنوب أفريقيا، ومنذ عام 1990 فرضت الأمم المتحدة عقوبات ملزمة على ثماني دول هي العراق وصربيا وليبيا والصومال وليبريا وراوندا وهايتي وأنغولا وسيراليون. وتعتبر العقوبات المفروضة على العراق من أقسى العقوبات التي فرضت على دولة في العالم. اشكال العقوبات وعلى الرغم من أن الهدف المفترض للعقوبات هو الضغط السياسي على دولة أو شركة أو شخص لكن الحاصل أن العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة تجاوزت أهدافها إلى أبعد مدى فهي تقوم بتدمير مبرمج لكل أسباب الحياة. وقد أثبتت التجارب أن العقوبات الاقتصادية هي المعادل الاقتصادي لما يسمى في الحروب بالقصف الشامل، بل إن نتائجها قد تكون أسوأ من الأعمال العسكرية المباشرة كما هو الحال في العراق حيث تسببت في وفاة أكثر من مليون ونصف المليون طفل عراقي حتى الآن.
وقد تحولت الكثير من العقوبات الاقتصادية المفروضة على الدول أو الحكومات إلى عقوبة جماعية لشعوب هذه الدول بحيث أصبح من المعتاد أن يسمع أن معاناة المدنيين وخاصة الأطفال والنساء هي آثار جانبية غير مقصودة.
وقد ثبت بأن العقوبات الاقتصادية في العراق تتسبب بمعاناة إنسانية أكبر من تلك التي تحدثها العمليات العسكرية وذلك بإيجاد المتوسط العددي للمصابين في كلتا الحالتين: المتوسط العددي للمصابين في حرب الخليج يصل إلى 10000 -50000 ألف مصاب بينما يصل المتوسط العددي بين الأطفال حديثي الولادة و المتضررين جراء الحصار 10 - 30 مرة أضعاف ذلك العدد، ولهذا السبب فقد استقال دنيس هاليدي مساعد الأمين العام للأمم المتحدة قائلاً: "إنه لا يتمنى أن يعرف بهوية الأمم المتحدة التي تعمل على تمديد نظام العقوبات الذي يقتل و يشوه المواطنين بسبب الأمراض الناتجة عن سوء التغذية و نقص الأدوية الحاد".
وفرضت الولايات المتحدة أشكالاً مختلفة من العقوبات على الدول والمجموعات والأشخاص ومن هذه العقوبات:
- الحصار الاقتصادي الشامل لدولة من الدول ومنع استيراد أو تصدير أي سلع ابتداء بالمعدات العسكرية وانتهاء بالأدوية والأغذية الضرورية للحياة، كما هو الحاصل مع العراق.
- تجميد الأموال والأرصدة للدول والشركات والجمعيات والأشخاص المودعة في المصارف الأجنبية ومصادرتها في أغلب الأحيان، كما حصل مع إيران والعديد من الحركات والشخصيات والمؤسسات الإسلامية.
- حظر حركة الطيران المدني من وإلى الدولة المعاقبة في عصر أصبح الطيران من وسائل السفر الضرورية وبالتالي عزل الدول وشعوبها عن العالم الخارجي دون مراعاة للآثار والانعكاسات السلبية.
- إغلاق فروع المؤسسات والشركات المتهمة في الدول الغربية ومصادرة أموالها ومحاولة مطاردها في جميع أنحاء العالم.
- حرمان الدول من المساعدات الدولية الإنمائية سواء التي تقدم ضمن إطار الأمم المتحدة أو خارجها أو حرمانها من القروض التي تقدمها بعض المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
- معاقبة الدول والشركات التي لا تلتزم بالعقوبات المفروضة على الدول المعاقبة، وقانون "داماتو" أشهر مثال حيث ينص على معاقبة الشركات غير الأمريكية التي تستثمر في ليبيا وإيران. اهداف العقوبات وتتباين أهداف العقوبات من دولة إلى أخرى. وفي كثير من الأحيان تكون الأهداف المعلنة مغايرة للأهداف الحقيقية، وفي أحيان أخرى تتبدل أهداف العقوبات وتتحول بمرور الزمن إلى أهداف مختلفة أو إضافية، رغم زوال الأهداف المباشرة.
ومن خلال مراجعة العقوبات الأميركية أو التي فرضت برغبة أميركية من خلال مجلس الأمن الدولي بعدما ضعف نفوذ الدول الأخرى وخاصة الدول دائمة العضوية، فإننا يمكن أن نحدد أهداف العقوبات الأميركية بشكليها الأحادي والدولي بالنقاط التالية:

أولاً: منع أي دولة في العالم وبجميع الوسائل بما فيها شن الحروب العسكرية من امتلاك ناصية القوية العسكرية التي يمكن أن تحمي بها مصالحها وخاصة أسلحة الدمار الشامل، للمحافظة على تفرد الولايات المتحدة كقوة عسكرية أولى في العالم. وفي هذا المجال فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الهند وباكستان بعد إجراءهما تجارب نووية في عام 1998، كما تفرض عقوبات على العراق وإيران وكوريا الشمالية لنفس الهدف، فيما تواصل متابعة جميع الشركات في العالم ومعاقبتها إذا ما أخلت بالقوانين الأميركية المتعلقة بهذا الموضوع.

ثانياً: حماية إسرائيل من أي خطر عسكري يهددها، سواء من خلال أسلحة الدمار الشامل أو حتى الأسلحة التقليدية، لذلك كانت العقوبات على العراق و إيران وسوريا وليبيا، بل لقد أقدمت على خطوات أشبه ما تكون بعمليات القرصنة من مثل متابعة شحنات الأسلحة عبر البحار ومصادرتها، والضغط على الدول المصدرة للأسلحة لمنعها من إبرام صفقات مع الدول المعاقبة.

ثالثاً: استنزاف ونهب الخيرات الاقتصادية للدول المعاقبة، وقد نفذ هذا الهدف بوسائل مختلفة منها مصادرة أموال الدول والشركات والمؤسسات المعاقبة، ابتزاز الدول المعاقبة للحصول على ثرواتها بأرخص الأثمان، ومن خلال قرارات مررتها في مجلس الأمن. فعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة التي تعاقب العراق منذ عام 1990 وتستعد لشن حرب عالمية ثانية عليه هي أكبر مستورد للنفط العراقي الذي يصدر بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء.

رابعاً: إبقاء الدول الحليفة لواشنطن تحت قبضتها وجرها باستمرار إلى تأييد مواقفها سواء فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية أو حتى الحروب العسكرية، رغم الضرر الكبير الذي يصيب هذه الدول جراء تأييدها لواشنطن، فعلى سبيل المثال ونتيجة لمحاصرة واشنطن للدول النفطية الثلاث العراق وإيران وليبيا فقد تكبد الاقتصاد العالمي وزادت أعباء الدولة المستهلكة للنفط بنحو 260 مليار دولار سنوياً، وتركيا مثال صارخ فقد خسرت نتيجة التزامها بالحصار الأممي المفروض على العراق أكثر من ثلاثين مليار دولار حسب بعض التقديرات، فيما هي الآن تتسول المساعدات المشروطة من صندوق النقد الدولي لإنقاذ اقتصادها من الانهيار الكامل.

خامساً: السيطرة على منابع النفط في العالم واستخدامه كوسيلة ابتزاز ضد الدول المنافسة لها على صعيد الاقتصاد العالمي، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الثروات النفطية الثابتة التي تتمتع بها الدول الثلاث المعاقبة وهي العراق وإيران وليبيا تقدر بحوالي ربع الاحتياطي الإجمالي العالمي. فيما يتجاوز احتياطيها الثابت من الغاز الطبيعي خمس إجمالي الاحتياطي العالمي. والأهم من ذلك إن هذا المخزون الاحتياطي من بين أقل المخزونات كلفة في الإنتاج والتطوير. تأثير العقوبات الاقتصادية للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة تأثيرات خطيرة وانعكاسات سلبية مدمرة مباشرة وغير مباشرة على جميع نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فقد أفقرت العقوبات غالبية السكان، وسببت تضخماً جامحاً، وتراجعت إلى الوراء الأنظمة الزراعية والصناعية والتربوية والصحية، وفي الوقت نفسه ساهمت في تفشي الفساد ونشر الجرائم، وهو ما أكدته دراسة لمجموعة من الباحثين الأميركيين جاء فيها: "أن الدمار الذي تسببه أسلحة الدمار الشامل يتضاءل بالمقارنة مع الدمار والخراب الذي تسببه العقوبات الاقتصادية، فالموت الذي سببه القصف الذري لهيروشيما وناكازاكي قتل أكثر من 100 ألف إنسان، وقتل 80 ألف بالأسلحة الكيماوية في الحرب العالمية الأولى، و400 ألف ماتوا نتيجة لاستعمال الأسلحة البيولوجية والصواريخ ذاتية الدفع، وقالت الدراسة إنه حتى لو كانت تقديرات الأمم المتحدة للأضرار الإنسانية في العراق صحيحة ولو بصورة تقريبية، فيبدو أن العقوبات الاقتصادية قد كانت السبب الأساسي في موت أعداد من العراقيين يفوق عدد الذين قتلوا عبر التاريخ نتيجة لجميع ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل.
واعترف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بتأثيرات العقوبات وانحرافها عن أهدافها بقوله: "إن ثمة استخداماً منحرفاً للعقوبات جرى تطبيقه خلال المراحل السابقة كان يعكس دائما صورة الولايات المتحدة ويضعها في إطار الغطرسة والعجرفة التي لا تخدم مصالح البلاد".
وخسرت الشركات الأميركية فرص كثيرة في الاستثمار والإنتاج في قطاعات النفط وغيرها بسبب سياسة العقوبات، وهو ما دفع بـ 480 شركة أميركية، بما فيها كبريات شركات النفط مثل موبيل وكونوكو واكسون واركو وشركات الخدمات النفطية مثل درسنر وبيكر هيوز، إلى التنديد بسياسة العقوبات الاقتصادية.
وتقول هذه الشركات إن العقوبات من جانب واحد كبدت قطاع التصدير فيها خسائر سنوية تزيد عن 21 مليار دولار سنوياً، فضلاً عن حرمان الاقتصاد الأميركي من أكثر من 200 ألف فرصة عمل تعود بالأجور العالية، أي أن الخسائر الأمريكية تجاوزت 252 مليار دولار خلال الاثني عشر عاماً الماضية.
ولعل أخطر تأثير للعقوبات الدولية هو تدمير القيم الإنسانية والحضارة التي تم التعارف عليها عبر التاريخ الإنساني الطويل من خلال التغاضي عن عمليات القتل الجماعي للشعوب. فقد قامت لجنة الصليب الأحمر الدولي بإصدار تقرير عن الحالة في العراق قالت فيه: إن نسبة الأطفال ناقصي الوزن قد ارتفعت من 4 في المائة في عام 1990 إلى 25 في المائة في سنة 1998، وفي عام 1997 قدرت منظمة الغذاء و الزراعة الدولية نسبة المصابين بمرض سوء التغذية المزمن بين المواطنين العراقيين بأنه أعلى بـ 27 في المائة عما كان عليه، ونسبة 16 في المائة من النساء (في سن 26 سنة) تحت مستوى التغذية و نسبة 70 في المائة من النساء اللاتي أصبن بمرض فقر الدم الحاد.
بكلمة أخيرة لقد أثبتت التجارب أن العقوبات الاقتصادية الانفرادية أو الأممية مجحفة وقهرية وغير قانونية، وتتسبب في آثار سلبية وعواقب خطيرة لا حصر لها، وتزيد من معاناة الدول والشعوب والأفراد، ولم تحقق أهدافها المعلنة، وأن استعمالها كانت لغايات استعمارية وقهرية لفرض النفوذ وسلب الخيرات، كما أن محاولات فرض القوانين المحلية على دول أخرى تتناقض مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وينص على تسوية النزاعات بالحوار والطرق السلمية، وأن استمرار خضوع الأمم المتحدة لإرادة الولايات المتحدة وتبريرها لسياساتها سيزيد من تفاقم الأوضاع الدولية وإشعال المزيد من الحروب في العالم. (قدس.برس)