تحليل: ما هي اهداف التواجد العسكري الاميركي في آسيا؟

موسكو
الهدف حماية المصالح الاميركية باية ذريعة

هناك كل الاسس التي تدعو للتأكيد بان التواجد العسكري الاميركي في آسيا خلال السنوات القريبة المقبلة لن يتضاءل. كما يشهد على ذلك بصورة خاصة التصريح الذي ادلى به منذ ايام قليلة وزير الخارجية الاميركي كولن باول. ففي خلال جولته في آسيا قال باول في التلفزيون الوطني التايلندي بان واشنطن ترى من الضرورة المحافظة على جيشها في القارة الآسيوية من اجل "الحيلولة دون النوايا العدوانية". وكمثال على ذلك فقد ذكر باول كوريا الشمالية كدولة تملك نوايا عدوانية، وحسب كلامه، تسير منذ زمن طويل على "الطريق غير الصحيح".
واعلان باول هذا يشير اولا الى ان واشنطن تواصل تحديد قواعد التصرفات "الصحيحة" للدول الاخرى بشكل أحادي لهذه الدولة او لتلك التي لا تروق لخط البيت الابيض. وثانيا من الواضح ان الولايات المتحدة الاميركية تستخدم الاسلوب القديم نفسه بالتهويل على العالم حول مزاعم بوجود تهديدات تنطلق مما يسمى "الدول المارقة" التي تدرج من بينها كوريا الشمالية من اجل تبرير التواجد الاميركي العسكري في آسيا.
وحاليا يوجد ما يصل الى حوالي 100 الف عسكري اميركي في "نقاط" متعددة من القارة الآسيوية. ووضعت امامهم مهمة "ضمان الاستقرار في المنطقة". ويقدر بان نصف هذا العدد يتمركز في شبه الجزيرة الكورية. والامر ليس فقط في التهديدات من جانب كوريا الشمالية بقدر ما هو في الاهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الاقصى بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية، وفي الرغبة بالتأثير على الاوضاع في اليابان وكوريا الجنوبية، وعدم ابقاء ما يجري من مسيرات في الصين خارج الاهتمام.
لقد اعطت الاحداث في 11 ايلول/سبتمبر وما تبعها من عملية محاربة الارهاب في افغانستان الامكانية لواشنطن لتعزيز تواجدها في وسط آسيا. وفي الحقيقة فان الوضع في افغانستان وبالرغم من قلب نظام طالبان يبقى معقدا بدرجة كبيرة. وبتعبير مجازي فان وجود الاميركيين هناك يشبه حال الشخص الجالس على نمر، فالبقاء عليه امر خطر والمغادرة ربما تكون اكثر خطورة.
ولدى الاميركيين رغبة بمغادرة افغانستان لان استمرار بقاؤهم في هذه الدولة يلحق بهم الخسائر البشرية المتزايدة. ولكن من جهة اخرى فان انسحابهم سيشكل صفعة لسمعة الولايات المتحدة الاميركية ويعني عودة الحرب الاهلية الى البلاد. ولذلك فان الاميركيين لا يفكرون بمغادرة البلاد على اقل تقدير في القريب المنظور.
واشنطن بحاجة للبقاء في افغانستان لسبب اخر ايضا وهو التوصل الى التأثير على الاوضاع في باكستان المجاورة. ويحتاج الاميركيون الى دعم نظام الجنرال مشرّف لانه اذا وصلت المعارضة الاسلامية الى السلطة فان ذلك سينعكس للتو على الاوضاع في افغانستان، ويقوض مواقع الولايات المتحدة التي كانت قد حققتها في خلال عملية محاربة الارهاب، بل يمكن ان تحيل الى العدم كل ما تحقق.
ولذلك فانه بالنسبة لواشنطن من الهام جدا عدم السماح بالسقوط السياسي لمشرّف في داخل البلاد الذي يمكن ان يضحي امرا واقعا في حال فشله العسكري في النزاع مع الهند. ولذلك بالذات فان الولايات المتحدة تتدخل بنشاط في النزاع الهندي-الباكستاني ساعية الى اطفائه، وبذلك تستطيع انقاذ وضع مشرّف والحفاظ على التوازن في المنطقة.
ولهذا السبب فقد اولى وزير الخارجية الاميركي كولن باول خلال جولته الآسيوية الحالية المحادثات مع الزعيمان الهندي والباكستاني اهتمامه الكبير. الا ان هذا الجزء من جولته من المشكوك اعتباره ناجحا. فباول لم يلق تفهما لدى الجانب الهندي الذي لا يعتقد بان مشكلة كشمير دولية ولا يعتزم طرحها للمناقشة خارج اطار العلاقات الثنائية. وهذا يعني ان واشنطن لم تتمكن من القيام بمصالحة اسلام اباد ونيودلهي. وبالتالي فمن المتعين البقاء في افغانستان مع تقديم الدعم لمشرّف. وفي الوقت نفسه الاعتماد على دعمه في محاربة الارهابيين والاصوليين.
ومن المرجح ان الولايات المتحدة ستبقى لفترة طويلة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة في وسط آسيا التي اضحت مستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بعد ان تمركزت هناك على اساس الحاجة لمحاربة الارهاب في افغانستان.
والاميركيون، وبغض النظر عن الاعلان عن عدم الرغبة باقامة قواعد عسكرية في تلك الدول، فانهم لا يتعجلون الخروج منها، وخاصة من اوزبكستان التي كما يبدو ستضحي ولوقت طويل نقطة الاستناد الرئيسية. كما انهم لا يعارضون البقاء ايضا في قرغيزيا. والى جانب المهام المرتبطة بمحاربة التطرف الاسلامي يجري حلّ مسائل اخرى ايضا لا تقل اهمية بالنسبة للولايات المتحدة وهي ابعاد روسيا عن المنطقة حيث تأثيرها كان دائما قويا بشكل كاف.
فهل التواجد العسكري الاميركي سيخدم مصلحة الاستقرار في المنطقة كما هم يعلنون؟ نعم سيخدم ذلك ولكن وبالقدر الذي يتلاءم مع المصالح الاقليمية والدولية للولايات المتحدة الاميركية فقط.
*نائب مدير معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في اكاديمية العلوم الروسية