تحليل: ماهي تكلفة عمل عسكري اميركي ضد العراق؟

واشنطن

يتساءل المحللون الاميركيون بشان التكلفة المرتفعة التي ستتكبدها الولايات المتحدة في حال قيام حرب لتغيير الحكومة العراقية، لا سيما تكاليف بقاء القوات الاميركية في حرب طويلة على الاراضي العراقية من جهة، واعادة اعمار العراق من جهة ثانية، وانعكاسات هذه الحرب على اسواق النفط العالمية من جهة ثالثة.
وتحدث الباحث سكوت فيل، الضابط السابق المقرب من البنتاغون، في جلسات استماع للكونغرس عن مبلغ "16 مليار دولار للسنة الاولى"، وهي تكلفة قوة دولية من 75 الف رجل ضرورية للحفاظ على الاستقرار في العراق اذا تمكنت واشنطن من تحقيق هدفها في تغيير الحكومة. مع ملاحظة ان رقم 75 ألف جندي لا يمثل الرقم الحقيقي الذي يطالب به جنرالات اميركا لشن حرب على العراق، اذ يرتفع الرقم الذي يطالبون به الى حوالي ربع مليون جندي اميركي.
ويرى سكوت فيل مدير مركز "رول اوف ذي اميركان ميليتري باور" (دور القوة العسكرية الاميركية) ان مثل هذه القوة، وهي اكبر مرتين من القوة التي نشرت في البوسنة في 1995 لاحلال السلام فيها، ستكون لها جملة من المهام: منع الفوضى في الشمال في حال حصول نزاعات كردية-كردية جديدة، وتأمين حماية المساعدات الانسانية والقيام بدوريات على طول الحدود مع ايران وشط العرب في الجنوب، وحماية حقول النفط والمواقع العسكرية، وقيادة عملية التسريح وانهاء التعبئة العسكرية.
ويشير فيل الى ضرورة الابقاء على 5000 عسكري اميركي لمدة خمس او ست سنوات وان كان سيتم خفض عدد القوة تدريجيا.
ومن جهة ثانية صدم اعضاء الكونغرس لدى الاستماع الى تقديرات سنان الشبيبي، المسؤول الاقتصادي العراقي السابق، الذي تحدث عن ديون عراقية بقيمة عشرات مليارات الدولارات لا بد من الايفاء بها، الى جانب تكلفة اعادة بناء العراق، البلد الذي كان من اكثر بلاد المنطقة تقدما قبل ان تنهكه الحرب مع ايران ثم حرب الخليج وعشرة اعوام من العقوبات الاقتصادية.
وكان المسؤول العراقي اعلن امام مؤتمر الامم المتحدة حول التجارة والتنمية، ان المساعدة المالية السنوية للعراق يجب ان تصل الى حدود سبعة مليارات دولار سنويا على مدى خمس سنوات.
وطالب الشبيبي باسقاط الديون مشيرا الى ان العراق خسر منذ 1980، 150 مليار دولار على الاقل كان من المفترض ان يحصل عليها من انتاجه النفطي، اذ ان العقوبات التي تفرضها الامم المتحدة على العراق تحدد انتاجه النفطي بكمية معينة في اطار برنامج النفط مقابل الغذاء. وقدر "الفاتورة النهائية لاعادة البناء" بحوالي 300 مليار دولار.
ودفعت هذه المداخلة السناتور الديمقراطي جوزف بيدن الى التعليق بسخرية متمنيا "حظا سعيدا" للقوات الاميركية. ومن المعروف ان بيدن من الرافضين لعمل عسكري ضد العراق، ومن المؤيدين لالتزام اميركي طويل الامد في العراق لتجنب الفوضى.
ولا يزال من الصعب تحديد تكلفة حملة عسكرية ما دامت الادارة الاميركية تؤكد انها لم تقرر شيئا بعد. ويدرس البنتاغون سيناريوهات عدة تتراوح، بحسب تسريبات مختلفة، بين صيغة الهجوم بقوة كبيرة مؤلفة من 250 الف رجل الى تنفيذ ضربات جوية مكثفة قبل الاقدام على تدخل بري اقل ضخامة.
وتزداد المشكلة مع رفض الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، فكرة الحرب، وبالتالي رفضها المساهمة في تحمل نفقاتها. وقد كلفت حرب الخليج التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة 61 مليار دولار بحسب مركز الابحاث التابع للكونغرس، سدد معظمها (48.4 مليار) حلفاء واشنطن.
الا ان حلفاء واشنطن الاوروبيين والعرب متحفظون بشدة هذه المرة. وقيام الولايات المتحدة بهجوم على العراق وحدها سيكلفها غاليا.
ويزعم الرئيس الاميركي جورج بوش وجوب القيام بضربة عسكرية لان بغداد تطور اسلحة دمار شامل.
الا ان الباحث الاميركي الاستراتيجي انطوني كوردسمان يقول "سواء قلنا ذلك علنا ام لم نقله، اننا ذاهبون الى الحرب لان العراق يقع وسط منطقة تحوي 60% من احتياطي النفط العالمي".
ويتساءل توماس فريمان في افتتاحية في "نيويورك تايمز" هذا الاسبوع تحت عنوان "6 او 60 دولار"، بشان "تأثير هجوم محتمل على العراق على السوق العالمي للنفط.
ويرى انه في حال تحقيق نصر سريع واذا ابقى العراق والدول المنتجة للنفط (من اوبك او من خارجها) على كمية انتاج عالية سينخفض سعر برميل النفط الخام (حاليا حوالي 25 دولار). انما "اذا اطلق العراق رؤوسا نووية او بيولوجية على الحقول النفطية في السعودية والكويت"، فستصل الامور الى "سيناريو الـ60 دولارا" للبرميل الواحد، وهو سيناريو كارثي بالنسبة للاقتصاد العالمي.
بقي عنصر آخر داخلي هام وهو وضع الاقتصاد الاميركي في الوقت الراهن. اذ يشهد هذا الاقتصاد حالة عامة من ضعف النمو وتحيط به فضائح الشركات الاميركية وفقدان الثقة في ادائها. كما ان عائدات الخزانة الاميركية انخفضت بشدة مع انخفاض حصيلة الضرائب نتيجة تراجع ارباح الشركات العملاقة من جهة، وتكاليف الحرب على الارهاب من جهة اخرى. ويضاف هذا الى جملة العوامل الاقتصادية التي تجعل قرار الحرب بالغ التكلفة من الناحية الاقتصادية.