المقاومة في الأدب المصري القديم

مقاومة قدماء المصريين للغزوات الاجنبية انعكست بوضوح على تراثهم الادبي

بقلم: السيد نجم تعد معطيات الحضارة المصرية القديمة، من شواهد معمارية وثقافية وعلمية، منجزا بشريا لمعطيات إنسانية أسبق منها، وتمهيدا لأخرى تالية عليها.
وكانت أولى المحاولات التى تعرفنا بملامح الإبداع المصري ما تضمنه كتاب "القصص الشعبية فى مصر القديمة" لمكتشف حجر رشيد ج. ماسبيرو عام 1882. وقد علق الكاتب الفرنسي جوستاف لوفيفر عليها مؤكدا أن القصص في الأدب الإغريقي لم تكن إلا نوعا من سمر الأطفال، بينما كانت فى مصر القديمة أعمالا أدبية.
وقام بعض الدارسين بمهمة تصنيف القصص منها. وانتهى الى وجود النمط الفلسفي "قصة الصدق والكذب" حيث تتقابل شخصيتان رمزيتان أحدهما "الصدق" و"الآخر "الكذب" ويتصارعان لينتصر "الصدق". كذلك النمط القصصي الأسطوري مثل "اله البحر استارتيه". كما يوجد النمط الحكائى السردي الذي يغلب عليه الخيال والسرد. بالإضافة الى تلك الأنماط التى تهتم بالمعجزات والعجائب والسحر.
والجدير بالإشارة هنا أن الأدب المصري القديم تضمن أيضا الشعر وخصوصا الشعر الديني مثل كتاب "متون الأهرام"، بالإضافة الى الدراما والأناشيد والأغاني وغير ذلك.
غير ان كل ما يشغلنا منها هو البحث عن "المقاومة" في معطياتها الفنية والفكرية. ونقول بما قال به الكاتب الفرنسي الذي درس الآداب القديمة وخصوصا المصرية منها حيث قال: "إن الأدب لا يقاس بالنمو والتقدم لأن الأدب ينساب فى نغمة إيقاعية ولا يسير فى خط متصل، فلكل من الأدباء وقته وظروفه".
وقد نتخير بعض الملامح المقاومية من الأدب الفرعوني، تلك الملامح التى يولدها فهمنا لتعريف محدد عن أدب المقاومة، وهو الأدب الذي يستهدف تعضيد الذات بإبراز عناصر القوة في الجماعة في مواجهة الآخر العدواني من أجل الخلاص الجماعي لا الخلاص الفردي".
إن التغني بالبطل المنتصر وبالانتصارات الكبرى من السمات الباقية فى أدب المقاومة من أجل تعريف الناس والأجيال الجديدة بنجاحات وانتصارات أبطالها فى مواجهة الخطر الداهم.
وتعد قصة "فتح جوبى" أو "الاستيلاء على يافا" من أشهر تلك النماذج القصصية. وهي تتميز بالحيوية السردية والجاذبية.
تتغنى بالقائد "دجهونى" أو قائد جيش تحتمس الثالث. عرف عنه الدهاء العسكري، وهو ما جعله يتمكن من فتح المدينة، فمنحه الحاكم :كأسا من الذهب (يوجد الآن بمتحف اللوفر بفرنسا).
كانت حيلة القائد فى إخراج أمير المدينة "جوبى" الى خارج أسوارها، ثم إرسال الكثير من الجنود الى داخل المعسكر فى سلال كبيرة. وقد تكررت هذه الحيلة فى التاريخ كما فعلها الزبير لدخول حصن بابليون وأيضا خدعة حصان طروادة الشهير.. وربما بدت رائجة فى حواديت الف ليلة وليلة وخصوصا حكاية علي بابا والأربعين حرامي.
جزء من النص يصف الخدعة:"وأسرع دجهوتى بإحضار المائتى سلة التى سبق له أن صنعها، ووضع بداخلها مائتي جندي زودهم بالحبال والأوتاد. وزود دجهوتى جنوده بتعليماته قائلا لهم: "عليكم بتخليص زملائكم من السلال المختومة حال دخولكم المدينة والقبض على جميع الرجال بها وتقييدهم في الحال".
كما شارك الشعر فى هذا المجال, وهو ما وضح فى "أناشيد الملك سنوسرت الثالث" وفى قصيدة "انتصار تحتمس الثالث" وأخرى "لرعمسيس الثاني" وغيرها. منها هذا الجزء الشعرى من أناشيد "سنوسرت الثالث. وترجع أهمية هذا النشيد (الأناشيد) أنه الوحيد الذي وصلنا فى مديح القائد الفاتح فيبدو أن القائد الملك فتح إحدى مدن الصعيد واستقبله أهلها بهذا النشيد:

"الثناء لك يا"خا كاو رع"! يا"حور", يا صقرنا المقدس الموجود.
الذي يحمى الأرض ويمد حدودها.
الذي يقهر البلاد الأجنبية بتاجه
الذي يضم الأرضين (مصر) بين ذراعيه.
والذي يذبح رماة السهم (الآسيون) من غير ضربة عصا(أي من الخوف)"

ويؤكد "سليم حسن" على وجود "الملاحم" وهى القصائد الكبرى التى تنظم فى قص الوقائع الحربية الكبيرة والمنجزات القومية فى شكل قصة طويلة. ومنها ملحمة"قادش" والمسماه بالخطأ قصيدة "بنتاور" للتعبير عن أهم الانتصارات فى التاريخ العسكري المصري القديم لـ"رمسيس الثاني" على "الخيتا" وهم الحيثيين من سكان آسيا. الدعوة لرفض الظلم أما الدعوة من أجل استرداد الحق المغتصب أو رد الظلم فهو من الملامح التى عبر عنها الأدب المقاومى وقتئذ. وقد ميز الكاتب المصري بين ظلمين: ظلم العامة من الخاصة مثل ظلم الموظف الكبير أو صاحب الأرض للفلاحين كما فى قصة "فلاح فصيح".أو ظلم الخاصة فيما بينهم كما فى قصة "المخاصمة بين حور وست".
إن هاتين القصتين هما من أشهر القصص المصرى القديم، حتى أن الأديب المعاصر استلهم منهما الكثير والكثير من الأعمال الأدبية.
تقع قصة "فلاح فصيح" فى حوالى أربعمائة سطر. ولها عدة أسماء "شكوى الفلاح"، "مرافعة الفلاح"، "الفلاح الفصيح". كما اختلف فى هوية بطل القصة ما بين فلاح أو تاجر ملح. ومنهم من قال أنه من وادى النيل وقائل بأنه من واحة "سيث".
تتعرض القصة لرجل جاء من واحة الملح (وادى النطرون) اسمه "خو نانوب" الى الوادي لبيع الملح والشراء من ثمار الوادي. فلما قرب من مدينة "نينسو" اعترضه شقى واستولى على حميره. فتوسل بأكبر موظفي الدولة وقدم شكواه فى رسائل بلغت تسع رسائل تتسم بالبلاغة والحجة والمرح.
أما قصة "حور"و"ست" فقد وصلت كاملة بعد ان كتبت في عهد رمسيس الخامس. وتعتمد فكرتها على منافسة بين حور وعمه، إلا أن "أوزوريس" قبل أن يكون الحاكم الأول فى مصر ترك على أرض مصر وظيفة اله الموتى. فكان لابد أن يشغلها حور أو عمه. يعرض الأمر على محكمة الآلهة وتستمر ثمانين سنة حتى يفوز حور بها، وهو ما يعبر عن انتصار الحق.
الحنين الى الوطن سمة شفيفة فى أدب المقاومة حيث العواطف ولوعة الفراق مع الجزع من الغربة والابتعاد عن أرض الوطن حيث تزكية الانتماء الذي هو عتبة كل دعامات أدب المقاومة.
وقد اجمع علماء المصريات على ان قصة "سنوحى" هي أفضل ما يمثل الأدب المصري القديم، وقد أدخلها "كيبلينج" ضمن آثار الأدب العالمي. وشخصية "سنوحى" ليست خيالية. وللقصة قسط من الحقيقة فى الشخصيات والأحداث وهو ما دفع البعض لتسجيلها فنيا.
ترصد القصة الحرب مع اللوبيين حيث كان "سنوحى" تحت قيادة ولى عهد مصر. أما وقد توفى الملك ورحل ولى العهد لتولى شئون البلاد ارتحل سنوحي الى سوريا حيث أقام وتزوج وجعلته إحدى القبائل شيخها. وبعد سنوات طويلة تصله أوامر ملك مصر بالعودة الى مصر ومتابعة قيادة الجيش. ويبدو أن هذا ما تمناه سنوحى فترك سوريا عائدا الى مصر كي يدفن فيها. الدعوة للعدل والاصلاح أما الدعوة الى العدل والإصلاح, وهى جلية فى آداب الفراعنة، فهي أيضا من ملامح أدب المقاومة الذي يدعو الى إرساء المبادئ العليا. كما كتب المصري القديم تلك المعاني تحت عنوان"شكوى". وأيا ما تكون المسميات، فالغرض اجتماعي (مقاومي) وسلاحا من أسلحة الإصلاح العام.
قصة "الصدق والكذب": تبدأ القصة بنزاع بين "صدق" و "كذب" بخصوص مدية أعارها "كذب" لأخيه "صدق" الذي يبدو أنه أتلفها أو أضاعها. نتيجة ذلك تمكن كذب من أن يحصل من آلهة ظالمة على موافقة بأن تفقأ عين صدق، وبأن يكون حارسا على منزله. لم يستطع كذب تحمل رؤية غريمه فأمر بإرساله الى الصحراء حتى تلتهمه الحيوانات المفترسة. تمكن صدق بفضل أصدقائه من التخلص من العذاب فتأويه امرأة أعجبت به وتزوجته وحملت منه لتلد طفلا.
يقوم الطفل فيما بعد بالانتقام من أعداء أبيه. ويدعى الابن سرقة العجل بواسطة العم لكن المحكمة تنكر وجود العجل فيقول الابن: كذلك المدية عادية وليست لها قوى سحرية كما قال العم! تنتهي القصة بمعاقبة "كذب"ويضرب مائة جلدة ويحكم عليه بالعمى فى عينيه ويصبح بوابا لمنزل صدق ليتحقق العدل فى النهاية.
كما تبدت "المقاومة فى الآداب المصرية القديمة من خلال الفكر ومعطيات مقننه وواضحة من أجل الجماعة. فلم تكن "ديانة آتون" على يد "اخناتون إلا صورة من صور أعمال الفكر من أجل الجماعة. وعلى الرغم مما ناله إخناتون من عنت وتجاهل بل واتهامه بالإلحاد فان مبادئ تلك الديانة تعد توجها فكريا جديدا وأكثر تقدما عما كان يعتنقه المصريين فى تلك الفترة.
ربما أهم تلك المبادئ الفكرية "الحقيقة أو العدل أو الأصول. وهى ترجمة كلمة "ماعت" ومعناها أن يسمى الناس الأشياء بأسمائها، فلا يلتجئون الى النفاق أو المداهنة. كره إخناتون تصوير الله على صورة إنسان أو حيوان كما كان شائعا، وجعله كقرص الشمس. "آتون " هو الإله الواحد الذي لا شريك له وتحريم تعدد الآلهة. "إخناتون" هو رسول الإله "آتون"، والناس تتعبد عن طريقه. لذلك ماتت الديانة الجديدة بموت إخناتون". إن ديانة آتون للناس أجمعين وليست للمصريين فقط. ضرورة بناء المعابد للتعبد داخلها. تعد "أناشيد إخناتون" أهم منجز باق من تلك الديانة.
متن نشيد هام المضمون: "انك صانع مصور لأعضائك بنفسك.
و مصور دون أن تصور
منقطع القرين فى صفاته مخترق الأبدية
مرشد آلاف الآلاف الى السبل
وعندما تقلع فى عرض السماء يشاهدك كل البشر..

يقول "سليم حسن" أنه بتأمل الأمثال والقصص والشعر المصري القديم نرى أن الهدف عند الكتاب لم يكن من أجل جمع المال والحصول على وظيفة وغير ذلك. كان الهدف الأسمى والشائع فى هذا الأدب أنه يرمى الى معان نبيلة ومقاصد أنبل ترفع من شأنه وشأن قومه. وهذا هو مقصد الدراسة حيث أدب المقاومة هو أدب مواجهة الذات لتصفيتها من المثالب، ومواجهة الآخر العدواني بكل السبل.