الاوروغواي: سويسرا اللاتينية، لا تجد ما تأكله

مونتيفيديو - من فلورانس بانوسيان
البحث في القمامة بات الملجأ الأخير لاطفال مونتيفيدو

بعد ان كانت تعرف بسويسرا اميركا اللاتينية باتت الاوروغواي الان على شفير الهاوية خصوصا وانه لم يعد امام عدد متزايد من الاطفال الفقراء في مونتيفيديو من مناص سوى تفتيش قمامات النفايات او الاقتتات بالاعشاب وقشارات الخضار للبقاء على قيد الحياة.
فالازمة الاقتصادية التي تفاقمت منذ اربع سنوات في هذا البلد الصغير الذي يعد 3.3 مليون نسمة والمجاور للارجنتين، تجعل الوضع بالغ الخطورة لا سيما في ضواح مثل كونسيلياسيون على بعد اثني عشر كيلومترا من وسط المدينة.
في هذه المنطقة تكثر الشعارات على الجدران المبقعة الجرداء مثل "خفض قيمة العملة يساوي الجوع" او "الحكومة تجوع الشعب وتنقذ البنوك" فيما فقد البيزو 40 في المئة من قيمته منذ بداية هذا العام.
وقد امتد الافلاس الحقيقي في الارجنتين منذ كانون الاول/ديسمبر 2001 تدريجيا الى الاوروغواي التي اغلقت حكومتها الاسواق المالية الثلاثاء وفق سيناريو بات مألوفا لدى الارجنتينيين.
وباتت البطالة تشمل قرابة 16 في المئة من اليد العاملة الاجمالية لكنها تصل الى70 في المئة في كونسيلياسون البالغ عدد سكانها 20 الفا وحيث عانى عدد متزايد من اولاد المدارس المقدر عددهم بـ850 في هذا الحي من توعك صحي لعدم توفر الطعام لهم في الايام الاخيرة.
وقد كشفت عن هذا الوضع المأساوي مارتا بيغونيه ايبارا رئيسة لجنة اهالي التلاميذ التي وجهت نداء علنيا للمساعدة ثم استقالت من منصبها لكي لا تكون مقيدة بواجب الالتزام بالتحفظ.
واوضحت هذه السيدة البالغة من العمر 46 عاما والعاطلة هي نفسها عن العمل وام لثلاثة اولاد، "لم اعد استطيع السكوت ازاء اهل يائسين يضطر بعضهم خلال عطلة نهاية الاسبوع عندما يكون المطعم المدرسي مقفلا لغلي اعشاب وقشارات خضار ويهرسونها لاطعام صغارهم".
وعمدت مارتا بمساعدة سكرتير اللجنة داردو بيريرا (49 عاما) وهو عامل بناء عاطل عن العمل ايضا، وعدد من الاهالي الآخرين الى اقامة "ميرينديرو" اي قاعة لتقديم وجبات خفيفة للاطفال او لطهي وجبات يحملونها معهم الى منازلهم يومي السبت والاحد.
وروى داردو وهو منهمك بين اكياس المعجنات والارز والدقيق والحليب وغيرها من المنتجات التي تتكدس الى جانب الملابس وقارورات الغاز وحتى جهاز جديد للطهو، ان "الهبات بدأت تتدفق حتى من الخارج. وقد ارسلت لنا معلمة سابقة في المدرسة تعيش في سويسرا اغذية بقيمة الف بيزو (حوالي 40 دولارا)".
والجهاز الجديد للطهو سينال اعجاب خوسي لويس الفيز "طاهي" الحساء الشعبي الذي ينظمه نحو خمسين من اهالي كونسيلياسيون منذ اسبوعين على ارض عراء مجاورة حيث يفتش تلاميذ المدارس بين النفايات.
ويأتي مئتا طفل و70 راشدا الى هذا المكان كل يوم رغم امطار وصقيع الشتاء الجنوبي ليأكلوا في ظل حاوية نصبت قرب وعاء ضخم يغلي على موقد نار اشعل على الارض.
وقال الطاهي (42 عاما) الخلاسي الضخم الجثة والعاطل عن العمل ايضا وهو لا يخفي "حبه للطهو" ويساعده اثنان من ابناء المهنة كانا حتى زمن قصير يعملان في احد المطاعم، "احضر لهم انواعا من الحساء واليخنات. اللحم غير متوافر ولا يعطوننا غالبا سوى العظام".
وتأتي باتريسيا دنيس الام الشابة التي لا يتجاوز عمرها الثلاثون عاما لكن الشيب خط قبل الاوان شعرها الاسود الجميل كل يوم مع اطفالها الستة. وروت وهي تحمل ابنتها صوفيا البالغة سبعة اشهر التي تغفو على كتفها، "ذلك يسمح لي على الاقل باطعامهم خصوصا واني بدون عمل. حتى الان امي تساعدنا اذ انها تقوم بتنظيف البيوت لكنها مع الازمة تفقد الكثير من فرص العمل".
ويتناوب متطوعو الحساء الشعبي على المساعدة في تأمين الطهو وتقديم الوجبات ولكن ايضا لجمع الهبات من المنازل ولدى التجار وفي اسواق المدينة.
وقال احدهم ويدعى خوليو مارتينيز (45 عاما) وهو يبدي اعتزازه بالتنظيم القائم منذ وقت قصير جدا ولكنه لا يخفي ايضا قلقه الشديد "هناك اناس اكثر فاكثر مثل هؤلاء الاشقاء الثلاثة الصغار الذين يتناوبون على المجيء لانهم لا يملكون سوى زوج واحد من الاحذية. ولا ارى اي فأل حسن في الافق بالنسبة لهذه البلاد".