مائة عام على اجهزة التكييف

لوس أنجلوس- من آندي جولدبرج
معجزة كاريير، اثلجت صدر العالم

احتفل جهاز التكييف بمرور قرن كامل على ميلاده. فبدون هذا الاختراع المتواضع والجبار في نفس الوقت كيف كانت الحياة لتمضي في صحاري أفريقيا شديدة القيظ، ومستنقعات فلوريدا بجوها الخانق، وأدغال آسيا برطوبتها الرهيبة، والمنازل، والمكاتب، والمصانع، والمحال والمراكز التجارية في كافة مدن العالم من أقصاه إلى أدناه؟ ماذا كان حال الخليج من دون تكييف؟
غير أن هذا القرن من الراحة لم يأت دون ثمن، فقد كان على رأس سلبيات أجهزة التكييف دورها في تآكل طبقة الاوزون لما ينبعث منها من غازات التبريد الضارة بالبيئة. فمادة الكلورفلوروكربون كان لها تداعياتها، وهو الخطأ الذي تحاول صناعة التكييف حاليا وبعد تأخر تصحيحه.
فمنذ عام 1994 تم حظر الكلورفلوروكربون في أوروبا والولايات المتحدة، حيث حل محله الهيدروكلوروفلوروكربون والهيدرونفلوروكربون الاقل ضررا. ومازالت الدول النامية قادرة على إنتاج أجهزة تستخدم الكلورفلوروكربون الضار، ولكنها ملزمة بالتخلص من هذه التطبيقات تدريجيا بحلول عام 2010.
وبحلول ذلك الوقت، فمن المرجح أن تكون أجهزة التكييف في كل مكان أكثر مما عليه الوضع حاليا. ورغم عدم وجود أرقام عن عدد وحدات التكييف المستخدمة حول العالم أو الاعداد التي يتم بيعها سنويا، فتقديرات انتشارها مذهلة.
ويقدر معهد التكييف والتبريد، القريب من واشنطن، أن هناك 100 مليون وحدة في المنازل والمباني في أنحاء أميركا. وتقول المجموعة التجارية الصناعية أن 85 بالمائة من العائلات الاميركية لديها أجهزة تكييف وأن 98 بالمائة من 17.4 مليون سيارة وشاحنة بيعت العام الماضي مزودة أيضا بالتكييف. وتقول بعض التقارير أن استهلاك الولايات المتحدة من الكهرباء في التكييف يفوق استهلاك الصين، أكبر بلد في العالم سكانا، بأكملها من الكهرباء.
والفضل في الراحة التي يتمتع بها الكثيرون منا اليوم يرجع لويليس كاريير، وهو مهندس ميكانيكي قام في 17 تموز/يوليو 1902 بتصميم أول نظام للتكييف ليوفر تحكما بشريا في درجة الحرارة، والرطوبة، والتهوية، ونوعية الهواء داخل الاماكن المغلقة. وكانت الحاجة في مطبعة تجارية في بروكلين بنيويورك هي أم الاختراع، حيث وجدت المطبعة أن الرطوبة العالية والحرارة تؤدي إلى عيوب طباعية.
وسرعان ما بدأ كاريير تطبيق هذه التكنولوجيا في مواقع أخرى، بادئا شركة مازالت واحدة من أكبر مؤسسات التكييف في العالم.
وفي عام 1906 تم استخدام نظام كاريير "لتكييف" الهواء في محلج للقطن في نورث كارولينا.
واستغرق الامر حتى عام 1914 قبل أن يفكر أي شخص في إدخال مثل هذا الترف في منزل، وأخيرا كلف تشالز جيتس، وهو مليونير من منيابوليس، كاريير بإدخال أول نظام تكييف في منزل شيده ليحوي ثروة من كنوز الفن الاوروبي. ولكن من سوء الحظ، توفي جيتس قبل الانتهاء من قصره.
وفي عام 1924 قام مركز تجاري بديترويت بوضع تكييف مركزي وقد أدى ذلك إلى إقبال المزيد من المشترين الذين استمتعوا ببرودة الجو. وفي العام التالي، تم تركيب نظام تكييف في مسرح جرومان الصيني بلوس أنجلوس ومسرح ريفولي بنيويورك. وبزغ فجر عصر التكييف.
ووفقا لمارشا آكرمان، أستاذة التاريخ ومؤلفة كتاب "الراحة الباردة: غرام أميركا مع التكييف"، فإن جاذبية درجة الحرارة المريحة لم تكن وحدها وراء تنامي أنظمة التكييف.
وتشير آكرمان إلى أن سوق ما بعد الحرب العالمية الثانية استغل اعتقادا شائعا وخاطئا بأن الاجناس التي نشأت في أجواء باردة أرقى على نحو ما من أولئك الناس الابطأ والاقل ذكاء الذين يعيشون في المناطق الاكثر حرارة. وبالتالي كانت البرودة ليس مجرد درجة حرارة ولكن توجه أقنع أصحاب الشركات والمؤسسات بأن تركيب أنظمة تكييف في أماكن العمل سيؤدي إلى قوة عمل أذكى وأكثر إنتاجية.
ولقد لعبت أجهزة التكييف أيضا دورا رئيسيا في تطوير النماذج المعمارية الحديثة مثل ناطحات السحاب والابراج الزجاجية، والمكاتب التي لا يوجد بها نوافذ مفتوحة. وبدون التكييف ما كانت ستوجد أجهزة الكمبيوتر، التي تحتاج إلى مستويات مستقرة من الرطوبة والحرارة. كما لزم أيضا توافر ظروف مماثلة للكثير من البحوث العلمية، وخاصة في مجال الصناعات الدوائية.
كما أن العديد من الاعمال الفنية القديمة واللوحات ربما تلفت دون تكييف الهواء. وعلى سبيل المثال تم وضع نظام تكييف خاص لكنيسة سيستين المعروفة بأعمال مايكل أنجيلو بالفاتيكان قبل سنوات قليلة.
ولكن حتى قبل 50 عاما، خرجت أصوات المنتقدين للنمطية التي تخلقها الحياة المكيفة.
وكتب هنري ميللر كتاب "كابوس التكييف". بينما ربط منتقدون آخرون التكييف باختراع عظيم آخر هو التليفزيون وشكوا من أن الناس أصبحوا يجلسون في حجرات معيشتهم المكيفة أسرى ذلك الصندوق الالكتروني، بدلا من التجمع في الشرفات ومخالطة الجيران.
ولكن خذ على سبيل المثال المركز التجاري الاميركي العملاق حيث المتاجر ودور السينما والارضيات الرخامية الباردة وسط وادي السيليكون القائظ - من الصعب أن تجد شخصا يعتقد أن أجهزة التكييف لا داع لها.
فجولي تشانج، وهي مراهقة أميركية، تقول "إن التكييف أحد أعظم الاختراعات على الاطلاق. إنه أساسي جدا ولا أتخيل الحياة بدونه".