مرة أخرى: حرياتنا المدنية وغياب مؤسساتنا الحقوقية والحاجة إلى مؤسسة قوية وفاعلة

بقلم: أسامة أبو ارشيد

كنّا ناقشنا في المرة الماضية موضوعة الزحف الحكومي المستمر على حرياتنا المدنية والدستورية كجالية عربية ومسلمة أميركية، جاعلين من مشروع وزارة العدل الأخير المسمى "تيبس" مدخلا للموضوع. وللتذكير فإن كلمة "تيبس" هي اختصار لعبارة "نظام تقديم المعلومات ومنع الإرهاب" والهادفة إلى تحويل تدريجي لنحو 11 مليون أميركي إلى مخبرين وجواسيس داخليين، يبلغون فورا عن أي شئ يريبهم بواسطة رقم هاتفي مجاني. وافترضنا حينها أن الجالية العربية والمسلمة الأميركية ستكون أولى ضحايا هذا المشروع لو قدر له أن يطبق عمليا، ويبدو أنه سيأخذ بعده العملي قريبا. وتقضي هذه الخطة بتجنيد سائقي الشاحنات، وعمال الكهرباء والغاز والبريد وغيرهم كمخبرين للحكومة حيث أنهم الأكثر تماسا مع الناس. وحيث أن أغلبهم لديهم ميزة الدخول إلى المنازل تلقائيا لإصلاح أي عطل طبيعي وروتيني من الممكن أن يحدث لأي شخص فينا، فإنهم حسب وزارة العدل سيكونون الأكثر قدرة على التبليغ عن أي شيء يعتبرونه مريبا.
وكنا أشرنا أيضا، إلى التحول التدريجي في الولايات المتحدة نحو مفهوم "الدولة البوليسية"، إن لم نقل الآن "عسكرة الدولة"، خصوصا مع بدء النقاش حاليا في الإدارة والكونغرس والإعلام الأميركي، حول قضية منح صلاحيات جديدة للجيش تخوله اعتقال المدنيين والتدخل في الشؤون العامة في حال توافر "شبهة إرهابية" في قضية من القضايا، وكنا قلنا: "أنه إذا كان عامل الغاز أو الكهرباء أو التدفئة أو البريد الذين هم أصلا غير مدربين على العمل التجسسي، فضلا عن أنهم قد يكونون من ضحايا الصورة النمطية السلبية التي يبثها الإعلام الأميركي عن الإسلام والمسلمين في هذه المرحلة، سيدخل منزل أي إنسان فينا، فإنه من غير المستبعد في ظل جهل معظمهم بالإسلام أن يعتبر صورة للكعبة أو القدس معلقة على الحائط أو نسخة من القرآن الكريم أو امرأة محجبة أو رجلا يرتدي الثوب العربي أو الهندي أو أنه يصلي أمرا مريبا ومثيرا للشكوك". وإن كنا أوضحنا أيضا بالقول: "صحيح أن هذا العامل لن يكون هو الحكم في تحديد ما هو مثير للشك أم لا، ولكن مجرد أن يعيش الإنسان الخوف من كل زائر لا مجال للاستغناء عنه أمر مثير للتحسس، فضلا عن أن أي زيارة من قبل الأجهزة الأمنية بناء على أي شكوك غير ذات قيمة سيكون أمرا مزعجا، خصوصا وأن أغلبنا جاء لهذه البلد طلبا للأمن والأمان والحرية والكرامة الإنسانية التي افتقدها كثير منا في بلاده". وإضافة إلى ذلك، فإن المقال الماضي حول هذا الموضوع، انتقد بصورة غير مباشرة غياب المؤسسات العربية والإسلامية الأميركية المعنية بالحقوق المدنية، حيث أنّ أيّا منها إلى الآن لم تطرح الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، ولم نسمع لها صوتا ناقدا أو محذرا أو حتى منبها للجالية، ولو من باب العلم على الأقل، رغم أنه مضى على الموضوع أكثر من ثلاثة أسابيع، وكأن الأمر لا يعنينا نحن بالذات، إن لم نقل يستهدفنا أصلا.
والآن، وبعد مضي أسبوعين تقريبا على المقال السابق، يبدوا أن بعض تحذيراته وجدت طريقها إلى المصداقية، وأثبتت أن المحذور أصبح واقعا، وأن المستهدف منه بالضرورة ستكون جاليتنا العربية والمسلمة الأميركية، لا لجريمة أو جريرة اقترفتها، بقدر ما أن الأمر عائد إلى التعبئة الإعلامية السلبية والظالمة لهذه الجالية، ومحاولة ربطها بموتورين يقفون خلف أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، كان المسلمون الأميركيون، جنبا إلى جنب مع مواطنيهم الأميركيين من كل الأصول والعروق ضحايا لذلك الجنون الإجرامي.
ففي الأسبوع الماضي بدأ الكونغرس الأميركي، في مناقشة مشروع "تيبس" الذي طرحته وزارة العدل. ورغم حجم الاعتراضات التي أبداها أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لهذا المشروع، في توافق تام مع قطاع واسع من الإعلام الأميركي المقروء والمسموع والمرئي، فضلا عن اعتراضات جماعات الحريات المدنية والحقوق الدستورية، وعلى رأسها منظمة الحقوق المدنية الأميركية، وما تناقله الإعلام عن رفض هيئة خدمات البريد الأميركي للاشتراك في هذا المشروع على الأقل حاليا، إلا أن ذلك كله لم يمنع وزير العدل جون أشكروفت من مباشرة محادثات مع مجموعات مهنية لإقناعها بإبلاغ السلطات بـ"الأنشطة المشبوهة أو غير المألوفة" في عرف وزارة العدل، وذلك في إطار مشروع "تيبس". وحسب الإدارة الأميركية فإنها تأمل في أن يبدأ تطبيق العملية مع حلول الخريف المقبل. وقد أعطت نقابات سائقي الشاحنات وعمال أحواض السفن إلى الآن وزير العدل موافقتها على التعاون..كل هذا يجري والإدارة غير عابئة بالأصوات المعارضة والمحذرة من حولها، وللأسف فإن صوتنا إلى الآن ليس جزءا من عملية الاعتراض أو التحذير وكأن الأمر لا يعنينا!.
الأمر الأخطر الذي حذر منه المقال السابق، تمثل في موضوعة تعريف "الأنشطة المشبوهة أو غير المألوفة"، في عرف وزارة العدل. وحتى نوضح لمؤسساتنا العربية والإسلامية الأميركية العتيدة المعنية بالحريات المدنية، والغائبة كليا عن الساحة عندما تأتي الأمور إلى قضايا الحريات الحقيقية، فإننا نطرح هنا مثالين واقعيين حدثا ولم نسمع مؤسسة عتيدة واحدة تكلمت فيهما.
الأول: تمثل في قصة مواطن أميركي من أصول عربية مسلمة، وهو بالمناسبة من الجيل الثالث، توقف في رحلة من مدينة بلتيمور في ولاية ميرلاند إلى كندا، في إحدى الاستراحات في ولاية بنسلفانيا كي يتزود بالوقود، فما كان من أحد المتواجدين هناك إلا أن اتصل بالشرطة على أساس وجود "نشاط مشبوه أو غير مألوف"، حيث أن الرجل ملتح وزوجته مرتدية للحجاب!، وتطور الأمر إلى عدد من سيارات الشرطة و"أف بي آي"، وتحقيقات موسعة وكلاب مدربة، وتهديدات بالسجن ودخول محامين على الخط لمدة ساعات، فقط لأن "النشاط المشبوه أو غير المألوف" تمثل في وجود عائلة مسلمة في استراحة، كلنا لا نستغني عنها في أسفارنا. ولم يشفع للرجل وزوجه أنهما من الجيل الثالث، وأن أولادهما من الجيل الرابع المولودين في هذه البلد، ولم يشفع لهم أنهم لم يعرفوا بلدا أو جنسية غير أميركا والجنسية الأميركية!. ومع ذلك مؤسساتنا العتيدة لا زالت تناقش في قضايا عفا عليها الزمن، وكأنها قضايانا الحقيقية في هذه البلد.
الثاني: تمثل في قصة معروفة، أدلت كل مؤسساتنا العتيدة فيها بلدوها، وتسابقت على بحّ الأصوات فيها. ومن باب الأمانة نقول أن بحّ الأصوات في هذه القضية كان مشروعا ومطلوبا، إلا أنها أخذت الجانب السهل فيها، وتركت المضمون الحقيقي والأخطر منها.
ففي قصة اعتقال المواطن الأميركي من أصل أردني السيد عمر الشيشاني في مطار ميتروبوليتان في مدينة ديترويت في ميتشيغان بتهمة حيازة شيكات مزورة برصيد 12 مليون دولار أميركي، نجد أبعادا خطيرة رافقت هذه القضية. ولكن بداية لابد من التأكيد على قضية هامة، ألا وهي أنه من حق الأجهزة الأمنية، بل ومن واجبها أيضا اعتقال الرجل والتأكد من مصدر هذه الشيكات، سواء أكانت مزورة أم أنها مرتبطة بالإرهاب كما تشتبه الأجهزة الأمنية المختصة، ولكنه ليس من حق أي ضابط أمن أن يسيء للإسلام وأن يكتب عبارات مسيئة ومهينة لدين الرجل بغض النظر عن هويته على جدول للصلاة. وإذا كانت وزارة العدل محقة، قد اتخذت الإجراءات القانونية بحق الضابط المسيء وأوقفته عن العمل، بانتظار النظر في قضيته واحتمال تقديمه إلى المحاكمة وتقديم دعوى جنائية ضده، فإن هذا أمر مقدر لها، رغم أنه جزء من عملها. وإذا كانت مؤسساتنا العربية والإسلامية الأميركية المعنية بالحقوق المدنية قد سارعت أيضا إلى التنديد بهذا الاعتداء وهذه الإساءات فهذا أمر أيضا مقدر منها، ولكن الغريب في الأمر أن وزارة العدل وبصمت مريب من قبل مؤسساتنا العتيدة سكتت عن المحور الأهم في الموضوع، والمتمثل في بعض الأدلة المساقة ضد الرجل.
لقد قلت سابقا أنه من حق بل ومن واجب الأجهزة الأمنية المختصة أن تستجوب الرجل لمعرفة مصدر هذه الشيكات ووجهتها، ولكن في المقابل ليس من حق هذه الأجهزة أن تعتبر آية من القرآن الكريم مكتوبة باللغة الإنجليزية وجدت في جيب الرجل أو في منزله عند تفتيشه جزءا من الأدلة ضده. هذا الخبر ليس من اختراعي الشخصي، بقدر ما أنه حقيقة مرّة أشارت إليها صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في الخامس والعشرين من شهر تموز/يوليو الماضي في صفحتها الرابعة عشرة. فحسب ما تنقله الصحيفة عن مساعد المدعي العام الأميركي في ولاية ميتشيغان السيد إريك ستارس، فإن من ضمن الأدلة المصادرة في قضية الشيشاني آية من القرآن الكريم وجدت معه مكتوبة باللغة الإنجليزية، هي ترجمة لقوله تعالى "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا". وبشكل مثير للسخرية اعتبرت هذه الآية تحريض على الاستشهاد أو "الانتحار" أو القتل!.
الأغرب في الأمر كله أنّ أيّا من مؤسساتنا العتيدة لم تشر إلى الموضوع، وكأن الأمر لا يعنينا أو أنه لا يستحق التوقف عنده، وانشغلوا بعبارات الإساءة التي كتبها ضابط الأمن لدى تفتيش منزل الشيشاني على جدول للصلاة، وهو الأمر الذي تكفلت قوانين وزارة العدل وأنظمتها الإجرائية في إصلاحه تلقائيا، في حين أن توسيع دائرة تعريف "النشاط المشبوه أو غير المألوف" لم يسترع انتباه مؤسساتنا. والشاهد في هذه القضية، أنه إذا كان رجال الأمن المدربين يعتبرون آية محمولة في الجيب أو معلقة على الحائط دليل إدانة، فما بالنا إذن بغير المدربين، في ظل هذه الهستيريا الأمنية والإعلامية ضد الجالية الأميركية العربية والمسلمة!، التي يبدوا أن مؤسساتنا لم تفطن لها بعد أو أنها تتعمد أن لا تلتفت إليها، والاكتفاء بالتصدي للقضايا البسيطة التي يحل أغلبها دون تدخل كاسح من هذه المؤسسات.
نحن كجالية عربية ومسلمة أميركية أحوج ما نكون الآن إلى مؤسسة أو مؤسسات تعنى بالحقوق المدنية الحقيقية. نحن بحاجة إلى مؤسسة أو مؤسسات قادرة على مجاراة التحديات المطروحة على الجالية في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة من تواجدنا..نحن بحاجة إلى مؤسسة تتصدى للأعباء الجسام التي لم تتصدى لها مؤسساتنا العتيدة القائمة المعنية منها بالحريات والحقوق المدنية..نحن بحاجة إلى مؤسسة تحمل على عاتقها القضايا التي تتسابق مؤسساتنا القائمة في الابتعاد عنها.
لدينا الآن مئات المعتقلين الذين لا نعرف عنهم شيئا، لا من حيث أسمائهم ولا أوضاعهم في السجون ولا حتى سبب اعتقالهم. الأمر الوحيد الذي نعرفه أن أيا من هؤلاء المعتقلين لم توجه له أي تهمة في السجن على خلفية هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية. أيضا نحن نعاني يوما بعد يوم من زحف حكومي وإعلامي منظم على حقنا في التعبير وتبني الآراء التي تخصنا وفق قناعاتنا، وكلنا يعرف أن عددا من أبناء جاليتنا مستهدفين في الإعلام وبعضهم يكافح أمام المحاكم، لا لشيء، إلا لأنهم عبروا عن قناعاتهم وفق التعديل الدستوري الأول الذي يضمن حرية التعبير لأي شخص، حتى ولو كان رأيه شاذا.
التسابق على القضايا السهلة ليس هو المطلوب الآن-وإن كان هاما في نطاق ضيق بحيث لا تشتت فيه الجهود وتضيع-، وحصد النتائج التي تدخل تحت باب "تحصيل حاصل" ليس نصرا مؤزرا كما يسعى البعض أن يوهمنا، في حين أننا نتلقى ضربات قاضية هنا وهناك. المطلوب ببساطة ووضوح مؤسسة تحمل الأعباء الثقال التي لا يكون فيها الظهور أمام الكاميرات مغنما…المطلوب مؤسسة تنسق مع مؤسسات المجتمع المدني الأميركية الأخرى لحفظ أميركا من خطر الانزلاق في منطق "عسكرة المجتمع"، وهي النقيصة التي تصمّ بها أميركا أسماع العالم الثالث صباح مساء.
والمطلوب فوق هذا وذاك، مؤسسة تعمل لحرية الجميع ولحق الجميع في التعبير عن رأيه..لا أن تتسابق مؤسساتنا إلى التماهي الساذج مع قناعات الصقور في الإدارة الأميركية ظنا منهم أن هذا يكسبهم الاحترام والتقدير، وإسباغ صفة المعتدل عليهم. في الأمس تسابق عدد من مؤسساتنا على مباركة العدوان على أفغانستان، وإدانة مقاومة الشعب الفلسطيني، ومنهم من سيتسابق على تأييد شن عدوان عسكري على العراق…ولكن كلنا يعلم أن تسابقهم في الأمس لم يمنع من تشويههم إعلاميا وسياسيا اليوم…كما أنه لم يمنع من استهدافهم أمنيا، ولا حاجة لذكر الأسماء والتفاصيل فهي معروفة للجميع.
كلمة أخيرة مؤسساتنا وجاليتنا تحفظ بالدفاع عن حريتها في التعبير وتبني ما تراه متوافقا مع دينها ومصلحة أميركا الأعدل…لا بتطويع مواقفها وآراءها مع صقور ومتطرفي الإدارة الحالية. أسامة أبو ارشيد-رئيس تحرير صحيفة الزيتونة-واشنطن alzaitonah@aol.com