عبد الرحمن بدوي: سيرة ذاتية، صورة مشوهة لانعزال الفكر في برج عاجي

بقلم: د. عصام فتوح

في تطور الفكر الإنساني والفلسفي عادة ما تسبق الأساطير والميثولوجيا نشوء الفلسفة وظهورها، ولعل أفضل مثال على ذلك تطور الفكر الفلسفي الإغريقي، ذلك الفكر الذي أثرى الإنسانية، التي بدأت بمحاورات سقراط لتبلور على يد تلميذه أفلاطون ووصلت إلى أعلى مرتبة لها في فكر أرسطو الذي لقبه العرب بالمعلم الأول، ذلك المفكر الذي انكب على دراسته عبد الرحمن بدوي لسنوات عديدة، وكتب عنه مراجع تعتبر من أهم ما كتب عن أرسطو بالعربية، وتحكي إحدى الأساطير الإغريقية مأساة نارسيس ذلك الغلام الوسيم الذي افتتن بما حباه الله به من تألق وجمال، وكان من نتيجة هذا الاختيال بالنفس أن نارسيس وقع أسيرًا لحب الذات، فطفق يتعبدها في انعكاساتها المخادعة على سطح الماء، فلما همّ بتقبيلها سقط غريقاً ليصبح مثالاً للبشر، يتذكرونه ويتفكرون فيه كلما شاهدوا زهرة النرجس، فحين ينصب الإنسان نفسه السلطة الأولى والأخيرة في شئون الفكر دون أية محاولة جادة للتعاطف مع الآخرين وفهم الأسباب التي أدت وتؤدي لاختيارهم مذاهب ومدارس متباينة في الفلسفة، فإنه يقع أسيرا لسجن من صنع يديه، يمنعه من التواصل، وقد ينفر منه أنداده وطلابه ومعاصريه، كما يؤدي تملق الذات المبدعة في مرآة المياه الآسنة إلى الغرق المجازي للقدرة الإبداعية ذاتها كما تنبؤنا الأساطير التي تمثل أم الحكمة.
وكان لظهور "سيرة حياتي" لعبد الرحمن بدوي دوي في العالم الثقافي العربي بصفة عامة، والعالم الثقافي المصري بصفة خاصة، ليس فحسب لأن وزن المؤلف هو إنتاجه الفكري، فقد حصل على أرفع تقدير من أهم الجامعات ومراكز البحوث في العالم العربي، ولكن لأن سيرة كتلك من مفكر كبير وناقد متمرس أمضى عمراً في دراسة الفكر الإسلامي والفكر الغربي، توقعنا منه أن يكون شاهداً على عصره، بل شاهد عدل، ومحلل يمكن الاستفادة من قراءاته للتاريخ والحاضر، واستشفاف المستقبل، والاستعانة به في بناء مشروع حضاري وطني نحن أحوج ما نكون إليه وسط التحديات الراهنة اقتصادياً وسياسياً وحضارياً.
جاءت سيرة عبد الرحمن بدوي مخيبة ومحبطة لكل التوقعات، وأثارت موجة من السخط والاستهجان لدى الكثرة الغالبية ممن تصدوا لهذا العمل بالعرض والرصد اثر صدوره عام 2000 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت.
ونود هنا أن نطرح أن الكتاب للأسف جدير بالاستهجان ليس فحسب لأنه يتصدى لكل رموز النهضة الفكرية العربية الحديثة بالتقريع والنقد اللاذع، بل وتجاوز الموضوعية إلى حد القذف والمغالطة، ولكن للنرجسية المفرطة التي نصب بها الكاتب نفسه محققاً وقاضياً لكل القضايا الفكرية والسياسية التي يعرض لها من منظور شخصي بحت، غارقاً في عبادة الذات وتمجيدها على حساب فكر الآخر ومؤسساته، قومية كانت أم غربية، وطنية في توجهاتها أم معادية لمقدرات الأمة العربية ومستقبلها.
لذلك فسوف نركز في هذه المقالة على تلك النرجسية الحزينة التي حدَّت وتحدّ من قدرات مفكر كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق العالمية، والإسهام بشكل فعّال في بناء نظرية فلسفية أصيلة، والتي أدت في نهاية المطاف إلى خلق صورة مشوهة لانعزال الفكر في برج عاجي بعد أن أحاط نفسه بمجموعة من المرايا، لا يرى بأي منها إلا صورة مكبرة ومفتعلة لذات تناست الآخر فكرياً وأخلاقياً، وأضحت فريسة لهواجس الحقد والمرارة، يملؤها الإحباط والنظرة التشاؤمية التي تحول دون تواصل أي مفكر ومريديه، أو أي كاتب وقرائه.
تقع "سيرة حياتي" في جزأين من القطع المتوسط في حوالي 400 صفحة لكل جزء، وتتناول تطور بدوي الفكري، وتجاربه في مصر والخارج، وفي هذا فهي لا تختلف كثيراً عما كتب في هذا اللون الأدبي، ونعني به السيرة الذاتية، التي تتتبع نمو وتطور عقلية المفكر بدراسة البيئة أو البيئات المختلفة التي أسهمت في تكوين هذه العقلية، وبالتالي فالسيرة الذاتية تعني في المقام الأول بعلاقة الذات بالآخر، وتكوّن الأجزاء الأولى من أية سيرة ذاتية تلك العقول والمدارس الفكرية التي تأثر بها الكاتب، وما لاقاه من تشجيع وتلك الرموز الفكرية والوطنية التي رأى فيها الكاتب مثالاً يحتذى أو قدوة يقتديها في مسيرته عبر السنين، فالكاتب الأصيل والمفكر الحق هو ذلك الذي يعتز بأثر الآخرين في فكره وعادة ما يعبر عن امتنانه لكل من مدّ له يد العون وسانده في تبين الطريق الذي يسلكه كمفكر وإنسان.
إلا أن المدهش والملفت للنظر هو هذا التطاول على عمالقة الفكر والسياسة في مصر ـ من أمثال طه حسين وأحمد أمين ـ الذين تتلمذ على أيديهم الكاتب، والذين ساندوه، باعترافه، في مرحلة دراسته الجامعية، وكان جزاؤهم النقد غير الموضوعي، حيث آثر بدوي أن يتباهى بإنجازاته بمقارنتها بإنجازات أولئك الرواد، أما بالنسبة لزملاء الكفاح المنتمين إلى جيله، فجلهم مدّعين، لا يمكن مقارنة إنتاجهم بجهوده الفذة في عالم الفكر والفلسفة حسب شهادته، أما رموز الحركة الوطنية في مصر من سعد زغلول إلى جمال عبد الناصر، فانتهازيون مغرضون بحسب تقييم الفيلسوف، أما عن قناعاته السياسية فهي بالرغم من التحفظات، تنحاز إلى حزب "مصر الفتاة" بميوله الفاشية التي تتبدى أكثر وضوحاً حين يتناول الفكر الألماني، ويرى في الفاشية والنازية رموزا تحتذى، وحليفاً لكفاح الشعوب المستعمرة، ولعل هذا التحليل هو ما يفسر بغض الكاتب الشديد لكافة الاتجاهات التقدمية، ذات التوجه الاشتراكي والمطالبة بنظام أكثر عدالة في توزيع الثروة أو أكثر ديمقراطية في سعيه لإنصاف الطبقات الكادحة.
وقد أدت تلك النظرة الضيقة المنكبة على ذاتها بالكاتب إلى اتخاذ مواقف أبعد ما تكون عن العقلانية بالنسبة لمجالات مثل التربية وعلم النفس ومدارس واتجاهات فكرية كاملة دون تناول متأن لما لها وما عليها، وتقييم موضوعي يستند إلى تلك المبادئ الأولية في الكتابة الفلسفية أو الكتابة العلمية التي كثيراً ما تناولها هو ذاته بالبحث خلال عمله بالفكر والفلسفة.
فنجده مثلا يفضل تلك الأساليب التي عفا عليها الزمان من عقاب بدني للطلاب كوسيلة تربوية ناجحة، كما نراه بجرة قلم ودون دراية يدين الوسائل الحديثة المستخدمة في تدريس اللغات الأجنبية والتي جاءت وليدة مئات الأبحاث في شتى بقاع العالم، فهو يفاجئنا بالدعاية للأساليب البائدة المتمثلة في تحفيظ مبادئ النحو وفرضها قسراً على طلاب اليوم.
ولعل مفكراً في مصر لم يسيء إلى جهود بدوي البحثية وتحقيقه لذلك التراث الفلسفي الذي نقله العرب إلى الغرب عن طريق الترجمة والبحث في عهود ازدهار الفكر العربي، بقدر ما أساء إليها بدوي ذاته بتحقيره جهود الآخرين عرباً كانوا أم أجانب، وإصراره على أن أحداً في العالم لم ينجز ذرة مما أنجزه هذا الجهبذ الأوحد في عالم من الأدعياء وأقزام الفكر.
وقد يظن القارئ مخطئاً أن بدوي ينساق وراء أنماط غربية للفكر الفلسفي، إلا أن نفس الروح العدائية ضد طه حسين وتوفيق الحكيم قد طالت أيضاً فيمن طال أعلام الفكر الغربي من سارتر إلى فوكوه.
تجربة قراءة السيرة الذاتية، تجربة مؤلمة لمريدي عبد الرحمن بدوي أكثر من أعدائه، وللفكر الوطني العربي المعاصر أكثر منها للفلسفة على وجه العموم، فلعل أهم ما يميز حضارتنا الفكرية العربية الإسلامية، بل والمصرية على وجه الخصوص، هي تلك النبرة الهادئة المتواضعة التي تأخذ بقدر ما تعطي والتي تظهر تسامحاً فكرياً قادراً على امتثال فكر الآخر دون حساسيات أو عقد، بل وبتلك القدرة على الإضافة بدون تكبر والاستفادة من خبرات الآخر، ذلك هو تراثنا الفكري الحديث المستنير بأعمدته الممتدة من رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، مروراً بقاسم أمين وطه حسين وتوفيق الحكيم، إلى جانب زكي نجيب محمود وجمال حمدان وفؤاد زكريا، الذين أثروا الفكر العربي المعاصر أيما إثراء حتى ولو كره عبد الرحمن بدوي.
ولو أن مفكراً مثل بدوي قد عانى ما عاناه آلاف المثقفين في مراحل مختلفة من تاريخ هذه الأمة من قهر وعسف واضطهاد، لأمكننا ولو بقدر أن نتعاطف مع تلك المرارة الناتجة عن ظلم وإجحاف قد وقع على الكاتب، أما أن نرى كاتباً بهذا الوزن قد لاقى ما لاقاه من تكريم واعتراف بالفضل على كل المستويات الرسمية والأكاديمية والشعبية جاحداً، فمدعاة للعطف والرثاء، تلك الصفات التي يتحلى بها الفكر العربي والشعور القومي في ازدهار، فنحن لن نطالب بمحاكمة هذا الذي تهجم على كل رموزنا الفكرية، ولن نعامله كما تعامل هو، ولا نطالب بمصادرة تلك السيرة بالرغم من كل ما يعيبها، فما هو إلا قطرة من فيض، وليس إلا فرداً خرج عن ذلك الإجماع الذي يمثله أفضل مفكرينا والذين يضعهم شعبنا مكانة القلب دون تقعر، ودون حتى أن يقرأ أعماله الغالبية العظمى من أبناء هذه الأمة، التي تحتسب عند الله كل من ضل السبيل من مفكريها، فهم جميعا أبناؤها مهما شطحت بهم النرجسية المدمرة. د. عصام فتوح ـ جامعة الإسكندرية