قرية بايروت وفاجنر، قصة صعود إلى الخلود

كان سابقا لعصره

بايرويت (ألمانيا) - كانت هذه البلدة الحالمة مجرد قرية بافارية صغيرة أخرى حتى رفعها الموسيقار العالمي ريتشادر فاجنر قبل 126 عاما مضت إلى عالم الخلود الاوبرالي
وقد كان ذلك في الثالث عشر من آب/أغسطس من عام 1876 عندما رفع الستار لاول مرة في "جرين هيل" خارج بلدة بايرويت الجنوبية عن "راين جولد"، أول جزء من حلقة فاجنر الاوبرالية العظيمة "دير رينج ديس نيبيلونجن" (حلقة نيبيلونجن).
وقد فكر ريتشادر فاجنر في إقامة مهرجان موسيقي في عام 1850 أثناء إقامته في المنفى في سويسرا احتجاجا على حالة المسرح في ذاك الوقت.
وقد كتب حفيده فولفجانج في مذكراته "لقد رفض المباني المسرحية النمطية في زمنه بإسرافها الداخلي ومقصوراتها وصالاتها التي تقسم الحضور إلى طبقات اجتماعية".
وكانت خطة فاجنر الاصلية لاوبرا "سيجفريدز تود" (موت سيجفريد) والتي سبقت أوبرا "جوترديمرونج" (فجر الالهة)، هي أن تعرض هذه الاوبرا "ثلاث مرات مجانا في كوخ خشبي" ثم إزالة المبنى بعد ذلك.
لقد كان فاجنر مقتنعا بأن التحول في الفن لا يمكن حدوثه إلا على أساس التغير الاجتماعي. إلا أن هذه النظرية الثورية لم تتحقق مطلقا بالرغم من أن حلمه إقامة مسرح بديل مؤقت يقتصر على حدود الضرورات الفنية ويقع في بلدة ريفية، لم يقدر له الزوال.
وكان يتعين مرور ما يزيد على عشرين عاما قبل أن يستطيع فاجنر إفساح الطريق أمام مشروعه. ففي عام 1871 قام بزيارة بايرويت لاول مرة. وبرغم أن دار الاوبرا المحلية بها كانت صغيرة للغاية لدرجة لا تفي باحتياجاته، إلا أن البلدة تركت انطباعا دائما على فاجنر وزوجته كوسيما.
وقابل المؤلف الموسيقي عمدة البلدة تيودور مونكر والمصرفي فريدريك فويستل وكلاهما أصبح من أهم الراعين لخططه الجريئة.
"لقد تم التبرع لي بقطعة أرض جميلة بشكل لا يقارن وغالية وليست بعيدة عن البلدة نفسها لتفي بسرعة بغرض إقامة المسرح الذي أتخيله في ذهني"، لقد كان هذا هو الوصف الذي أطلقه فاجنر لاحقا على ما أسماه "العطية السخية من جانب البلدة والتي فاقت كل توقعاتي".
وفي الثاني والعشرين من أيار/مايو من عام 1872 وفي عيد ميلاد فاجنر التاسع والخمسين، تم وضع حجر الاساس. وتصادف مع هذه المناسبة تحول مسرح "جرين هيل" إلى مستنقع بواسطة الامطار الجارفة والغزيرة.
وأعطي العرض التالي لسمفونية بيتهوفن التاسعة في دار الاوبرا القائم، مذاقا للمشاهد الثقافية لما ستقدمه الاحتفالات لاحقا.
وقال فاجنر "إن المطالب البسيطة التي بعثت بها إلى غالبية الاوركسترات والجوقات والمطربين والفنانين الممتازين كافية لتزويدي بطاقم ممتاز من النادر اجتماعه سويا من قبل في مثل هذه المناسبات". و كان شعار فاجنر هو "هؤلاء الذين لا ينضمون إلى بإخلاص وحماس، سأتركهم حيث هم".
وكان الاعلان عن أول احتفال في عام 1873 مبتسرا إلى حد ما. فقد أعاقت المشاكل المالية أعمال البناء. وكان فاجنر يرغب في تمويل عمليات البناء من خلال إصدار 1000 إيصال ضمان لرعاية المشروع بقيمة 300 "تالر" ألماني أي ما يوازي 450 دولارا بأسعار اليوم.
وبحلول عام 1876 لم يكن قد تم شراء نصف هذه الايصالات، وأضطر فاجنر إلى الاستمرار في إقامة حفلات موسيقية لجمع أموال للمشروع. وفي النهاية أعطي ملك بافاريا لودفيج الثاني صديقة (فاجنر) قرضا يقدر وفقا لاسعار اليوم بحوالي 150 الف دولار.
وفي عام 1875 تم إجراء أول بروفات على أوبرا "رينج". وشهد يوم الثالث من حزيران/يونيو من عام 1876 البروفة الرسمية لاوبرا "راين جولد". وبعد ذلك بعشرة أسابيع جاءت اللحظة الحاسمة، ففي الثالث عشر من آب/أغسطس بدأ أول مهرجان لموسيقى فاجنر على الاطلاق بحضور الامبراطور فيلهلم الاول ضمن العديد من الضيوف اللامعين. وكتب فيليكس موتل قائد الفرقة الموسيقية للاجيال قائلا "لقد كانت الاثارة التي أمسكت بتلابيبنا جميعا من المستحيل وصفها".
وتذكر موتل في وقت لاحق قائلا "بعد العرض الاخير لاوبرا جوترديمرونج عندما قام فاجنر بتوديع الفنانين وداعا قلبيا خالصا، وجاء وقت الفراق، تحققنا جميعا بأننا قد عايشنا خلال الايام الماضية في بايرويت شيئا لا يحدث في حياة المرء سوى مرة واحدة".
أما فاجنر نفسه فقد كان غير راض تماما عن المستوى الفني لاول مهرجان. وفي العام اللاحق كانت الامور مختلفة تماما - فقد حال نقص الاموال دون تكرار المهرجان وظلت قاعة الاحتفال خالية على مدى ست سنوات.
وفي عام 1882 كان العرض الاول لاوبرا "بارسيفال" وأعقبتها أوبرات "تريستان أوند إزولدا" و"دي مايسترسينجر فون نورمبرج" و"تان هويزر" و"لوهينجرين" و"فليجيندا هولندر (الهولندي الطائر)". وإضافة إلى أوبرا "رينج" و"بارسيفال"، مازالت هذه الاعمال هي الاعمال العشرة الرئيسية للمهرجان حتى يومنا هذا.