مشكلة الديون أضخم تحد للاقتصاد المصري

لندن
التجار المصريون ينتظرون الفرج

تؤكد التقارير والبيانات الاقتصادية الرسمية أن مشكلة الديون، سواء الخارجية او الداخلية، التي يعاني منها الاقتصاد المصري قد تفاقمت خلال هذا العام وشهدت قيمتها ارتفاعاً كبيراً، وسيكون لها تأثيرات مباشرة على حالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد المصري.
فالتقارير الأخيرة تشير إلى أن إجمالي الدين العام زاد عن 72 مليار دولار، حيث ارتفع الدين الخارجي للبلاد خلال الشهور الستة الأولى من العام الجاري بمقدار 1.6 مليار دولار، فيما زاد الدين العام المحلي خلال نفس الفترة بمقدار 7.9 مليار جنيه. (الدولار = 4.63 جنيه مصري في الوقت الحالي) وهو ما يعكس عدم قدرة الحكومة على تخفيض الدين أو حتى الإيفاء بخدمته. قيمة الدين العام تتباين التقديرات الرسمية حول قيمة الدين العام الذي تواجهه البلاد. ففي الوقت الذي أكد فيه رئيس الوزراء عاطف عبيد أمام البرلمان مؤخراً أن إجمالي ديون مصر الداخلية والخارجية بلغت 240 مليار جنيه أي ما يعادل (51.7 مليار دولار) فإن مسؤولاً في المصرف المركزي المصري اعترف أن إجمالي الديون أكبر من ذلك بكثير ويتجاوز 72 مليار دولار.
وأضاف المسؤول أن الدين العام الخارجي ارتفع خلال الشهور الستة الماضية من السنة الجارية بنحو 1.6 مليار دولار فوصل إلى 28.2 مليار دولار، بما يعادل 130 مليار جنيه.
ويتوزع الدين الخارجي على النحو التالي: 14.6 مليار دولار قروضاً ثنائية معاد جدولتها مع دول نادي باريس، وتنقسم إلى 7.2 مليار دولار قروضاً ميسرة من مؤسسات دولية، وأخرى غير ميسرة بقيمة 7.4 مليار دولار، وقروضاً ثنائية مع دول نادي باريس بقيمة 3.8 مليار دولار، وقروضاً من مؤسسات دولية وإقليمية بقيمة 4.4 مليار دولار، ونحو مليار دولار في صورة تسهيلات موردين ومشترين، وسندات سيادية بقيمة 1.5 مليار دولار، إضافة إلى 2.2 مليار دولار قروض قصيرة الأجل، وتدفع مصر على هذه الديون فوائد سنوية تبلغ قيمتها نحو 1.2 مليار دولار.
وتقول مصادر اقتصادية مصرية مطلعة إنه في ضوء القروض الجديدة التي قررتها قمة شرم الشيخ للدول المانحة التي عقدت في شباط/فبراير الماضي، والتي تبلغ قيمتها 10.3 مليار دولار منها 2.1 مليار قدمت على وجه السرعة لتغطية العجز في ميزان المدفوعات، فإن الديون الخارجية مرشحة للزيادة بمقدار 2.3 مليار دولار إضافية.
وأضافت هذه المصادر إن الديون سترتفع إلى 39 مليار دولار، وهذا يعني، حسب رأي عضو مجلس إدارة اتحاد البنوك أحمد عبد الحميد قورة، الاقتراب من الحد العالمي الخطر غير المسموح به، علماً أن قيمة الديون الخارجية عبارة عن قروض على 25 سنة أما القروض الجديدة فما بين 7 إلى 10 سنوات.
أما على صعيد الدين العام المحلي فقد ارتفعت قيمته بمقدار 7.9 مليار جنيه إلى 202 مليار جنيه، أي ما يعادل 44 مليار دولار أي بزيادة 8 مليارات جنيه خلال النصف الأول من السنة الحالية. كما ارتفعت ديون الهيئات الاقتصادية إلى 45 مليار جنيه بزيادة 2.8 مليار جنيه.
أما ديون الاستثمار القومي فقد بلغت 50.4 مليار جنيه بتراجع 4 مليارات جنيه، وبالتالي فإن إجمالي الدين العام يبلغ 72.2 مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك ارتفع حجم ديون القطاع الخاص المتعثرة إلى نحو 100 مليار جنيه في نهاية حزيران/يونيو الماضي.
وقدرت مصادر مطلعة حجم الزيادة في الديون المحلية بنحو 10 مليارات جنيه في العام المالي الماضي تمثل قيمة الفوائد وغرامات التأخير التي تمت إضافتها على الديون غير المسددة للقطاع الخاص. إعادة هيكلة الدين العام في إطار المواصفات التي وضعتها الدول المانحة للقروض والمساعدات التي أقرت في المؤتمر الذي عقد في شباط/فبراير الماضي، وبعد أن أطبقت الديون على الحكومة دون أن تترك لها بدائل أخرى، وافقت الأخيرة على إعادة هيكلة الدين العام وفق شروط الجهات المانحة ومن هذه الشروط:
1 - إزالة جميع القيود عن التحويلات الرأسمالية التي يقوم بها المستثمرون الأجانب في البورصة المصرية إلى الخارج دون النظر إلى تأثيراتها السلبية على سعر صرف الجنيه المصري.
2 - خفض الدين العام الداخلي بمقدار 38 مليار جنيه وذلك من خلال نقل تبعية ملكية مؤسسات اقتصادية إلى بنك الاستثمار القومي حتى تتمكن الحكومة من خدمة الدين العام الخارجي. وقد شملت إعادة الهيكلة نقل تبعية 30 هيئة اقتصادية عامة إلى "بنك الاستثمار القومي" وهو مصرف عام تابع لوزارة المالية، بعد أن كانت في السابق تابعة للحكومة، وأبقيت ست هيئات اقتصادية اعتبرت الحكومة بقاءها من بين الضرورات الاقتصادية. وقالت مصادر مطلعة إن الهدف من نقل ملكية هذه المؤسسات هو خفض الدين العام المحلي قبل بداية السنة المالية التي بدأت في الأول من تموز/يوليو الجاري كشرط من الدول المانحة التي تطالب بخفض بنود الإنفاق في الموازنة ومن بينها أعباء خدمة الدين العام المحلي.
وعلى الرغم من أن الحكومة بهذا الإجراء تكون قد تخلصت من نحو 20 في المائة من إجمالي ذلك الدين، أي نحو 7.6 مليار جنيه، إلا أنها عملياً نقلتها إلى مصاف الأصول الخطرة في موازنة بنك الاستثمار القومي إذا جاز هذا التوصيف الذي يطلق في حال صعوبة استرداد المصرف لأمواله التي سبق أن قدمها في صورة تسهيلات ائتمانية وقروض كما هو الحال بالنسبة للمصارف التجارية، وهو ما لم تأبه به الحكومة لأنه لا يمثل ضرورة عاجلة فضلاً عن كون أصل الدين في صورته الأولى لم يكن بالأفضل حالاً.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن موارد بنك الاستثمار القومي تتألف من صندوق التأمين الاجتماعي للعاملين في الحكومة، وصندوق التأمين الاجتماعي للعاملين في قطاع الأعمال العام والخاص الذي يمثل الشريحة الأكبر من موارد بنك الاستثمار القومي والتي تبلغ 120.5 مليار جنيه، مقابل 56.6 مليار جنيه تمثل حصيلة شهادات الاستثمار والعوائد المتراكمة لبعض أنواعها، وودائع صندوق توفير البريد وحصيلة بيع سندات التنمية الدولارية.
وتقول مصادر في المصرف المركزي المصري إن خدمة الدين العام زادت بنحو 55.4 مليون دولا خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري لتصل إلى 906.2 مليون دولار. وبالنسبة للسنة المالية 2002-2003 التي بدأت مطلع تموز/يوليو الجاري فقد تم تخصيص مبلغ 38.2 مليار جنيه لخدمة الديون منها 33 ملياراً لخدمة الديون المحلية.
أما بالنسبة للديون الخارجية التي خصصت لها الحكومة نحو 5.2 مليار جنيه لخدمتها فإن مصادر مطلعة تؤكد أن خدماتها تزيد عن 2.4 مليار دولار، أي أكثر من ضعف المبلغ المخصص وهو ما يعني زيادة في حجم الديون الخارجية.
وكان مجلس الشورى المصري قد حذر الحكومة مطلع السنة الجارية من مخاطر المديونية حيث أشار المجلس إلى ارتفاع قيمة الفوائد المحلية في الموازنة الحالية إلى 22.9 مليار جنيه، والفوائد الخارجية إلى 2.3 مليار جنيه، كما بلغت الأقساط المحلية 6.3 مليار جنيه، والأقساط الخارجية 2.5 مليار جنيه، وبلغ عبء الدين العام بنوعيه 34 مليار جنيه، بنسبة 26.7 في المائة من إجمالي الموازنة العامة للدولة.
ومن المقرر أن تطلق الحكومة في أيلول/سبتمبر القادم سوقاً خاصة للسندات وأذون الخزانة المالية الحكومية لإعطاء الفرصة لعدد من التسويات المالية وتدبير حاجات الدولة من السيولة المحلية حيث تعاني السوق من نقص كبير في السيولة.
وتعتبر حصة السندات واذون الخزانة هي الأكبر بين مكونات الدين العام المحلي (نحو 140 مليار جنيه) مقابل 107 مليارات جنيه لاقتراض الحكومة من بنك الاستثمار القومي) كما أنها تلعب دوراً أساسياً في زيادة حجم الدين الداخلي. تأثير الديون على الاقتصاد تعتبر مشكلة الديون أضخم تحد للاقتصاد المصري لما تمثله من استنزاف للموارد المالية دون أي فائدة تنموية. وتعود بدايات المشكلة إلى عصر الانفتاح الاقتصادي عقب حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، لتمويل الاستهلاك ومن ثم إقامة مشاريع اقتصادية. وبلغت أزمة المديونية ذروتها في نهاية الثمانينيات، وفي عام 1991 تم تخفيض الديون الخارجية بنسبة 50 في المائة مقابل الموافقة على شروط صندوق النقد والبنك الدوليين التي سميت برنامج الإصلاح الاقتصادي في ذلك الوقت.
ويرى الخبراء أن الخروج من هذه الأزمة ليس بالأمر اليسير. فكلما زادت الاستدانة من الخارج زادت أعباء الديون على خزينة الدولة، وزادت أقساط الفوائد واستنزفت الموارد المالية وبالتالي حرم الاقتصاد من موارد مالية يمكن أن تزيد الإنفاق على المشاريع التنموية.
كما أن الديون تقيد الدولة بشروط الجهات المانحة التي أثبتت التجارب أنها تتعارض من مصالح الدولة والشعب على حد سواء، إذ أن الأولوية بالنسبة للدول المانحة للقروض هي تأمين خدمات وأقساط القروض التي قدمتها دون الأخذ بعين الاعتبار ما تخلفه هذه الشروط التي تضعها من أزمات اقتصادية واجتماعية خطيرة.
بكلمة أخيرة إن التنمية بالقروض والاستدانة من المؤسسات المالية الدولية اثبتت فشلها وتحولت اقتصاديات الدول التي اعتمدت على هذا الأسلوب، ومنها الاقتصاد المصري، إلى اقتصاديات تعاني من الأزمات، بحيث انها تخرج من أزمة لتدخل في أخرى.
ومن ثم فليس أمام الدول المدينة سوى وقف الاقتراض الخارجي، والاعتماد على الموارد الذاتية، وتنشيط المشروعات الإنتاجية التي تدعم النمو الاقتصادي ولا تكون عبئاً عليه، وإعادة الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية التي تضررت بالسياسات السابقة مثل قطاعي الزراعة والصناعة ودعمها بدل بيعها تحت دعاوى الخصخصة، وتصفية المشاريع الخاسرة والفاشلة، وقبل كل ذلك وبعده لابد من محاربة الفساد المالي والإداري الذي ساهم وما يزال في الكثير من الأزمات الاقتصادية ابتداء من أزمة السيولة ومروراً بهروب رجال الأعمال وتهريب الأموال إلى الخارج وانتهاء بأزمة الدولار، وأخيراً العجز الهائل في ميزان المدفوعات. (قدس برس)