شارون يستدرج الفلسطينيين لقطع الطريق على الاستحقاقات المطلوبة منه

بقلم: ماجد كيالي

جاءت العملية الوحشية التي نفّذها الجيش الإسرائيلي، ليلة 23/7، في إطار مخططات شارون الرامية لفرض الحل الأمني على الفلسطينيين وأيضا لقطع الطريق على أي تدخّل دولي في الوضع في الأراضي المحتلة.
وقد أدّت هذه العملية التي استهدفت حيا سكنيا في قطاع غزة إلى استشهاد 15 فلسطينيا وجرح 150 منهم (من ضمنهم الشهيد صلاح شحادة قائد كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس).
ويبدو أن شارون أعطى الأوامر بتنفيذ عملية بهذا الحجم وبهذه الطريقة الفظّة، والتي تعتبر جريمة حرب بكل المقاييس، لقطع الطريق على جملة من التطورات التي تتعارض مع سياسته، والتي من ضمنها: أولا، قرب توصّل الفصائل الفلسطينية، وخصوصا فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية، لاتفاق يقضي بالتوقف عن تنفيذ عمليات استشهادية وإفساح المجال أمام المفاوضات مجددا. واللافت، أيضا، أن هذا الاعتداء الهمجي جاء بعد ساعات على إعلان الشيخ أحمد ياسين زعيم "حماس" عن اعتزام حركته وقف العمليات الاستشهادية (وفق شروط معينة)؛ ثانيا، النجاح النسبي الذي حققته السلطة الفلسطينية في التعامل مع مطلب الإصلاح بعد أن قدمت "خطة المئة يوم"، وبعد أن قامت ببعض التغييرات والإصلاحات في السلطة وفي الأجهزة ما عزّز مكانتها، مجدّدا، على الصعيد الدولي، وإلى حد ما، لدى الإدارة الأميركية؛ ثالثا، خشية شارون من تزايد الجهود الدولية الرامية لتهدئة الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإعادة الطرفين المتصارعين إلى سكة المفاوضات، لا سيما وأن هذه الجهود باتت تركز أكثر على الاستحقاقات المطلوبة من إسرائيل إزاء الفلسطينيين، من النواحي الأمنية والاقتصادية والسياسية، كما على التوازي في تنفيذ الاستحقاقات المتبادلة بدلا من التتابع، كما يرغب شارون، الأمر الذي يستدعي منه القيام بخطوة مثيرة لقطع الطريق أمام هذه الجهود؛ رابعا، تخوّف شارون من انفراط عقد حكومة الوحدة الوطنية بنتيجة التصدعات في حزب العمل والخلافات في داخله بشأن الاستمرار في حكومة تفتقد لأي رؤية سياسية، خصوصا وأنه ثمة عدد كبير من قياديي هذا الحزب باتوا يدفعون للخروج وفك الشراكة مع الليكود بأقرب وقت.
المهم أنه ثمة عوامل عديدة، قديمة وجديدة، دفعت شارون للقيام بهذا العمل الأحمق، الذي يضاف لسجله الإجرامي، ولكن ما يجب التركيز عليه هنا هو أن خطوة شارون هذه ليست فريدة من نوعها، فمنذ مجيئه إلى سدة السلطة، في آذار/مارس2001، تعمّد القيام بخطوات كبيرة ومفاجئة من نوع اقتحام المناطق الفلسطينية وتشديد محاصرتها وقصف مؤسسات السلطة واغتيال القيادات، ومحاصرة الرئيس عرفات.
وكان شارون في خطواته هذه يستهدف: أولا، استدراج الفلسطينيين إلى ردّة فعل عنيفة تسّهل عليه القيام بردّ أكثر شمولية وعنفا، في ضوء موازين القوى المختلّة لصالحه، سعيا منه لإخضاع الشعب الفلسطيني وتقويض كيانه نهائيا؛ ثانيا، محاولة التشويش على الرأي العام العالمي من خلال الإيحاء بأن ردّه، على ردّة الفعل الفلسطينية، هو بمثابة دفاع عن النفس أو أنه جزء من الحرب ضد الإرهاب، في محاولة منه لتصوير الصراع وكأنه بين طرفين مسلحين ومتكافئين؛ وثالثا، إن اعتماد الحل العسكري يوفر لشارون إمكانية البقاء في سدّة السلطة من خلال ابتزاز حزب العمل وغيره من الأحزاب ومن خلال تكتيل المجتمع الإسرائيلي من حوله في المعركة التي يصورها وكأنها معركة على وجود إسرائيل.
وهكذا فإنه بخلاف الانطباع الرائج والذي مفاده أن الفصائل الفلسطينية المعارضة، وبخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، تتعمّدان القيام بعمليات فدائية لقطع الطريق على جهود التسوية، فإن تفحّص الوقائع يبيّن بأن هذه الفصائل استدرجت عمليا إلى ملعب شارون، وأنه كان هو المبادر في كل مرة لجرّ الأوضاع إلى دوامة دموية عنيفة.
فمثلا، وبعد كل فترة من الهدوء النسبي كان شارون يتعمّد إعطاء الأوامر باغتيال قياديين فلسطينيين وهو ما حصل في اغتيال جمال منصور وجمال سليم القياديين في حماس (31/7/2001) ثم باغتيال أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يوم 23/8/2001(وهو ما استدعى ردا من الجبهة تمثل بقتل الوزير رحبعام زئيفي يوم 17/10)، وصولا إلى عاطف عبيات من كوادر فتح (18/10/2001)، ومحمود أبو هنود من الجناح العسكري لحماس (23/11/2001)، وهي الأوضاع التي ساهمت في تصعيد العمليات الاستشهادية التي حصلت يوم 1/12/2001.
وقد حصل هذا الأمر، أيضا، على وجه التحديد بعد اغتيال رائد الكرمي القائد في كتائب الأقصى يوم 14/1/2002، وهو ما أدى إلى انهيار الهدنة التي كانت قد أعلنتها كتائب الأقصى (التابعة لفتح)، يوم 14/12/2001، بالاشتراك مع كتائب عز الدين القسام وسرايا القدس ( التابعتين لحركتي حماس والجهاد)، والتي أكدها الرئيس ياسر عرفات ذاته في خطاب ألقاه يوم 16/12/2001، ومعلوم أن هذه الهدنة استمرت قرابة شهر كامل، من دون أن تلقى أي تجاوب من إسرائيل، ومعلوم أيضا أن حادثة الاغتيال هذه استدعت ردة فعل فلسطينية عنيفة جدا أدت إلى مصرع أكبر عدد من الإسرائيليين، خلال فترة الانتفاضة، منهم 130 إسرائيليا في شهر آذار/مارس لوحده، ولكن هذه الأوضاع هي التي سهلت على شارون، أيضا، تنفيذ مخططاته الرامية إلى تدمير المجتمع الفلسطيني وشطب كيانه السياسي، من خلال القيام بهجمة "السور الواقي" يوم 29/3/2002، التي تستمر مفاعيلها حتى الآن.
المهم الآن ليس ما فعله شارون فقط، فأهداف شارون ومخططاته باتت معروفة، وهي تستهدف استمرار استدراج الفلسطينيين إلى لعبته هو، أي إلى اللعبة العسكرية التي يتفوق بها، والتي تتيح استمراره في الحياة السياسية والتي تمكنه من تحقيق أهدافه بالإمعان في الاستفراد بالفلسطينيين وتوتيرهم واستنزاف قواهم وطاقاتهم وصولا لكسر إرادتهم.
والمعنى أن الطرف الفلسطيني الذي بدأ في الآونة الأخيرة يتعافى من هجمتي "السور الواقي" و"الطريق الحازم" معني بتفويت استهدافات شارون من خلال فضح سياساته وعزله على المستوى الدولي ومن خلال الاستمرار بتعزيز التفاهمات الوطنية التي يجري التوافق عليها لصوغ استراتيجية سياسية ونضالية مشتركة، يبدو الشعب الفلسطيني أحوج إليها في هذه المرحلة.
وعلى وجه الخصوص فإن الشعب الفلسطيني ومقاوميه الذين أثبتوا جدارة كبيرة بتضحياتهم وبطولاتهم هم بحاجة اليوم إلى إبداء أقصى قدر من الحيطة والحذر والاقتصاد بالقوى ومغادرة مشاعر الانفعال، لمواجهة سياسات شارون، أكثر بكثير من حاجتهم إلى الانجرار وراء ردّات الفعل التي خطط لها شارون جيدا من خلال عمليته الإجرامية في غزة.