تحليل: لماذا لا تتعلم الولايات المتحدة من دروس الماضي؟

القاهرة - من إيهاب سلطان
الحملة العسكرية الاميركية في افغانستان لم تنجح في تحقيق اهدافها

نشرت مجلة السياسة الخارجية "فورين بوليسي" الاميركية مقالا لايمانويل ويلرشتاين الباحث بجامعة ييل الاميركية ينتقد بشدة اتجاه ادارة بوش الى ضرب العراق.
وجاء نشر المقال في المجلة الاميركية التي تحظى باحترام واسع في وقت تزايدت فيه دعوات العديد من الكتاب والباحثين الاميركيين لاعادة النظر في اتجاه الادارة الاميركية للقيام بعمل عسكري ضد بغداد، والتحذير من الانزلاق لحرب طويلة لا جدوى من ورائها.
ويؤكد الباحث ايمانويل ويلرشتاين ان العقود الثلاثة الأخيرة شهدت دلائل كثيرة على تراجع هيمنة الولايات المتحدة على العالم كقوة عظمى منذ السبعينات، وحتى أطاحت هجمات 11 ايلول/سبتمبر2001 بما تبقى من قوتها.
وبقراءة تاريخ الولايات المتحدة نجد أن العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية التي ساهمت في هيمنتها على العالم كقوة عظمى هي نفس العوامل التي ستؤدي إلى فناء أميركا وتلاشي هيمنتها عالميا.
فعلى المستوى الاقتصادي يسجل التاريخ الخطوات الجادة نحو التقدم الاقتصادي والصناعي التي بدأتها الولايات المتحدة بعد الدمار الشامل الذي لحق بالعديد من بلدان العالم عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وشقت الولايات المتحدة طريقها إلى الهيمنة على العالم اقتصاديا منذ الكساد الكبير الذي لحق بالعالم سنة 1927، ولم يرافقها في نموها الاقتصادي سوى ألمانيا التي فازت مع الولايات المتحدة بالعديد من الأسواق العالمية على حساب الاقتصاد البريطاني الذي قل نموه بشكل ملحوظ منذ ذلك الوقت.
وقد ساعدت القاعدة السياسية المستقرة في كل من الولايات المتحدة وألمانيا على النمو الاقتصادي في كل من البلدين حيث نجحت الولايات المتحدة في إخماد الحرب الأهلية بينما خرجت ألمانيا منتصرة من حربها مع فرنسا "حرب فرانكو البروسية منذ عام 1873 إلى 1914" لينهضا بقوتهما الاقتصادية.
كما واجهت الولايات المتحدة تحديات سياسية وعسكرية عنيفة مع الاتحاد السوفيتي السابق الذي كان يهيمن على ثلث العالم ويمتلك أكبر عدد من القوات البرية عالميا بينما الولايات المتحدة تهيمن على باقي دول العالم لكنها تواجه ضغوط داخلية عنيفة لتقليص قوتها البرية.
وقد أدى سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى اعتماد واشنطن على تطوير الآلة العسكرية بهدف التفوق العسكري بدلا من الاعتماد على زيادة قوتها البرية، مما أدى إلى بناء ترسانتها النووية بالإضافة إلى قوتها الجوية القادرة على الانتشار في أي وقت.
وظلت أميركا محتكرة السلاح النووي لفترة طويلة حتى تمكنت موسكو من كسر هذا الاحتكار في عام 1949 وأقامت ترسانتها النووية، الامر الذي دعا الولايات المتحدة لفرض الحظر على تسرب الأسلحة البيولوجية والكيماوية لتنفرد بتصنيعهما وتحتفظ بقوتها العسكرية على المستوى العالمي.
واستمرت الحرب بين واشنطن وموسكو لسنوات طويلة، والتي عرفت بالحرب الباردة، وظهرت اشكال متعددة لحرب الإرهاب بين الدولتين وتم اختبار قوتهما ثلاث مرات، أولهما في حصار برلين عام 1948 والذي أستمر لمدة عام والثانية في حرب كوريا التي استمرت ثلاث سنوات، والثالثة في أزمة صواريخ كوبا عام 1962. وقد انتهى اختبار القوتين إلى إبقاء الصراع الاميركي-السوفيتي كما هو عليه.
واستفادت الولايات المتحدة من الحرب الباردة في إعادة بناء اقتصادها واسترداد مكانتها الاقتصادية في الأسواق العالمية خاصة أوربا الغربية واليابان وأيضا كوريا الجنوبية وتايوان حتى وصلت إلى تفوق اقتصادي لم يسبق له مثيل. كما قدمت مساعدات اقتصادية للبلاد التي تسعى لبناء اقتصادياتها في مقابل الدخول مع الولايات المتحدة في تحالف عسكري وتقديم المزيد من التذلل السياسي.
ورفعت الولايات المتحدة لواء العالم الحر في كثير من البلدان الشيوعية التي عانت كثيرا من غياب الديموقراطية والذي ظهر جليا في تراجع الفكر الشيوعي في كثير من البلدان. ففي أوربا تراجعت الأحزاب الشيوعية في الانتخابات الحرة مثل بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وتشكيوسلوفاكيا وفنلندا. وفي آسيا تراجعت الشيوعية في فيتنام والهند واليابان بالإضافة إلى كافة أنحاء أميركا اللاتينية في حين ما تزال تعاني كثير من البلدان مثل الصين من القهر والديكتاتورية رغم تفكك الاتحاد السوفيتي الذي ظل لفترة طويلة محافظا على موقعه كزعيم تقدمي ضد الإمبريالية الأميركية.
ورغم هيمنة الولايات المتحدة الأميركية بقوتها على العالم لفترة طويلة إلا أن المؤشرات الحالية التي تندرج في أربع أحداث متتالية في تاريخ أميركا تدل على رحيلها وانجرافها الى اسفل بصورة خطيرة ووسط فوضى عالمية فقدت فيها واشنطن السيطرة عليها بداية من حرب فيتنام ثم ثورات 1968 وسقوط برلين وهجمات 11 سبتمبر 2001.
وتشير حرب فيتنام إلى أن الولايات المتحدة الأميركية كانت حمقاء لاستثمار قوتها العسكرية في فيتنام.
ويحسب للإدارة الأميركية أنه رغم الهجوم العنيف التي تعرضت له لاستخدام السلاح النووي في فيتنام إلا أنها رفضت خوفا من هدم إتفاقية "يالتا" ولربما "بالإضافة إلى ذلك إشعال محرقة نووية في فيتنام وهو ما لا يمكن للولايات المتحدة أن تخاطر به.
ولم تكن حرب فيتنام مجرد هزيمة عسكرية أو نكبة على السمعة الأميركية فقط، بل كانت بمثابة ضربة رئيسية لقدرة الولايات المتحدة على المحافظة على هيمنتها على العالم كقوة اقتصادية خاصة وأنها استنزفت قوتها المالية حتى الاحتياطي الأميركي من الذهب. في حين تماثلت أوربا الغربية واليابان للشفاء وبدأت في النهوض الاقتصادي بما لا يسمح لأميركا بالانفراد بالهيمنة الاقتصادية على العالم.
بينما دعمت ثورات 1968 حول العالم الفيتناميين وادانت التواطؤ السوفيتي مع الولايات المتحدة خاصة في إتفاقية "يالتا". كما قسمت ثورة 1968 التي خرجت من المثقفين الصينيين العالم إلى معسكرين أولهما ضم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والثاني ضم باقي دول العالم.
كما اثر على الهيمنة الأميركية على العالم نشاط الأحزاب الشيوعية وظهور حركات التحرير في العالم الثالث وأيضا ظهور الحركات الديموقراطية الاجتماعية في أوربا الغربية وجميعها قاومت الهيمنة الأميركية.
وحاولت الولايات المتحدة في أوائل السبعينات استعادة قوتها وهيمنتها على العالم في ظل الركود الاقتصادي الذي أحدث فوضى داخلية ومستويات متدنية من المعيشة وديون متراكمة على المؤسسات المالية العالمية.
وتمثلت محاولات واشنطن في مساعدة حركات التحرير في دول العالم الثالث على التخلص من الاستعمار وإعادة النظام والاستقرار في كثير من البلدان حيث أرسلت قواتها إلى لبنان وبنما والصومال. إلا أن القوات الأميركية خسرت أكثر مما كسبت من تدخلها العسكري في هذه البلدان.
ثم توالت الأحداث في تاريخ أميركا ووصل المحافظون إلى الحكم في الثمانينات ورفعوا لواء التحرر الاقتصادي من خلال برنامجهم الذي حاول تشريع السياسات التي تخفض تكاليف العمل وتقلل القيود على المنتجين وأيضا تقلل منافع الرفاهية. ورغم ذلك كانت النجاحات الفعلية بسيطة لذلك بدأ المحافظين يتحركوا نحو المحافل الدولية والتي ظهرت بشائرها في منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.
كما حاولت الولايات المتحدة الاستفادة من انهيار الاتحاد السوفيتي وتدمير حائط برلين في زيادة هيمنتها على العالم إلا أنها فشلت في ظل الخسائر الكبيرة التي لحقت بالشرعية الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبعدها الشيوعية في أوربا الشرقية. وحاولت الولايات المتحدة استغلال حرب الخليج في إعادة هيمنتها على العالم تحت لواء تطبيق الشرعية الدولية والمحافظة على النظام العالمي.
وتعد حرب الخليج وهجمات 11 سبتمبر الحدثين الرئيسيين في النزاع العالمي المعاصر، خاصة وأن الولايات المتحدة لعبت دورا دبلوماسيا فقط في دول البلقان حيث انشغلت بحقوق الإنسان في حرب يوغوسلافيا التي استمرت لمدة عشرة أعوام رغم المجازر البشرية والعنف الوحشي والتطهير العرقي على عكس الوضع في الشرق الأوسط حيث اختارت مبدأ القوة والهيمنة العسكرية عن الخيار الدبلوماسي للمحافظة على سمعة الصقور الأميركية. ويرى هؤلاء الصقور ان تغيير الحكومة العراقية بالقوة واحتلال العراق هو الوسيلة الوحيدة لفرض القوة العسكرية الاميركية على العالم.
ثم جاءت هجمات 11 ايلول/سبتمبر التي زلزلت العالم وكانت بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير خاصة وأن منفذي الهجمات، حسب ما أجمع عليه الخبراء، لا يمثلون قوة عسكرية بل مجرد تنظيم وأعضاء غير حكوميين استطاعوا بدرجة عالية من التخطيط والتصميم والتحدي وبقليل من المال أن ينفذوا هجوم جريء على الأراضي الأميركية.
وكان رد الفعل جورج بوش، الذي وصل إلى الحكم بسبب نقده اللاذع للسياسة الخارجية التي أنتهجها الرئيس السابق كيلينتون، هو إعلان الحرب على الإرهاب. وبدأت الإدارة الأميركية في تهيئة الشعب الأميركي للحرب وتأكيد النصر. كما قسمت الولايات المتحدة العالم عقب إعلانها الحرب إلى مؤيد ومعارض بهدف عودة الصقور للهيمنة على العالم وفرض القوة الاميركية من جديد واستعراض عضلات واشنطن العسكرية وهو ما لا يلقى إعجاب واستحسان العديد من قادة العالم إلا أنهم غير قادرين على إعلان رأيهم أو وقف أي هجوم أميركي على أي دولة.
وبدأت الإدارة الأميركية في حربها على الإرهاب، والتي تهدف لفرض هيمنتها على العالم، من خلال ثلاث محاور: الأول الهجوم العسكري على أفغانستان. والثاني الدعم الحقيقي والكامل لإسرائيل بهدف تصفية السلطة الفلسطينية. والثالث احتلال العراق وتغيير حكومته بالقوة في غضون عام منذ هجمات11ايلول/سبتمبر 2001.
واما نتائج هذه الخطوات حتى الآن فهي إسقاط حكم طالبان في أفغانستان دون تفكيك كامل لتنظيم القاعدة أو أسر قيادته العليا. وتحقيق الدمار الشامل في فلسطين بدون إبعاد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. في حين تواجه أميركا معارضة شديدة من حلفائها في أوربا والشرق الأوسط لمشروع ضرب العراق.
وما تزال الولايات المتحدة تتعامل بغطرسة القوة وتؤكد للعالم على أنها ستنجح في احتلال العراق وتغيير حكومته. كما ستمارس قوتها العسكرية على إيران وكوريا الشمالية وكولومبيا وربما أندونيسيا. في حين تعارض كل من روسيا والصين والسعودية والاتحاد الاوروبي الخطة العسكرية الأميركية مؤكدين أن الصقور ستفشل في مهمتها لأسباب أيدلوجية واقتصادية وعسكرية، مما يترتب عليه السقوط السريع للولايات المتحدة بدلا من السقوط التدريجي. بالإضافة إلى فوضى عالمية نتيجة استخدام القوة في الهيمنة الاميركية.
ويؤكد الخبراء العسكريون أن الولايات المتحدة تفتقر إلى عنصر الخبرة الحربية رغم امتلاكها أضخم ترسانة عسكرية متطورة في العالم حيث لم تخض في تاريخها سوى ثلاث حروب فقط وهي حرب كوريا وفيتنام وحرب الخليج. ولم تحقق سوى انتصار واحد في مقابل تعادل في الحربين الآخرين إن لم تكن هزيمة وهو ما يعني أن سجل واشنطن العسكري ليس حافل بما يجعلها تفرض قوتها العسكرية على العالم.
كما أن جيش العراق ليس جيش طالبان، اذ ان تماسكه العسكري على المستوى الداخلي أكبر بكثير من طالبان، بالإضافة إلى قوته البرية. ولهذا فمن الصعب أن تشق الولايات المتحدة طريقها إلى بغداد دون خسائر فادحة في ظل تراجع التأييد العالمي لاحتلال بغداد. علاوة على رفض السعودية استغلال أراضيها كنقطة انطلاق للهجوم على العراق. وبذلك لم يبق أمام الولايات المتحدة إلا الكويت وتركيا لشن هجومها على العراق، متحملة بذلك كافة الخسائر المالية والبشرية والعسكرية.
ومما لا شك فيه أن واشنطن ستواجه صعوبات كبيرة في هجومها على العراق خاصة في ظل مقاومة الرئيس العراقي صدام حسين المنتظرة للاحتلال الأميركي واستغلال كافة قوته في وقف الزحف على بغداد، علاوة على الشعور القوي السائد في العراق وكافة الاقطار العربية ان واشنطن تعادي العرب والمسلمين.
كما تواجه واشنطن ضغوطا داخلية كبيرة أهمها خوف الرأي العام الأميركي من تكرار نكبة فيتنام خاصة وأن آثارها ما تزال موجودة في المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وأيضا الخسائر البشرية في الأرواح بالإضافة إلى ضعف الاقتصاد الأميركي وتعرضه لسلسلة من الفضائح والنكبات بعد انكشاف عمليات التزوير الواسعة في الشركات الاميركية الكبرى، والنفقات العسكرية الباهظة التي تعيق نمو الاقتصاد الاميركي.
وخلال العشر سنوات القادمة ستجني الولايات المتحدة الأميركية ما صنعت يديها إذا استمرت في غطرستها العسكرية. فمن خلال قراءة الأحداث الحالية فإن الولايات المتحدة عاجزة عن مواجهة العراق لوحدها وتحقيق النصر دون تحمل الأضرار الهائلة، سواء في شكل خسائر بشرية او اقتصادية.
ولهذا يبحث بوش عن وسيلة للتراجع عن الغزو الحالي للعراق بما يحفظ ماء الوجه الأميركي في ظل خيارات ضئيلة جداً ومحدودة على أن تتراجع الولايات المتحدة خلال العقد القادم عن التدخل في الشئون العالمية كقوة حاسمة لتحافظ على مقدرتها وتمنع انزلاقها إلى الفناء.
وبعيدا عن تراجع الهيمنة الأميركية عالميا يبقى السؤال: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تبتكر طريق التراجع بما يحفظ ماء وجهها لوقف الإضرار بالعالم وبنفسها؟