تونس، ارض محببة للرسامين

تونس - من باتريك فان روكيغهام
التراث التونسي يشكل مادة خصبة للفنانين

اصبحت تونس الغنية بالالوان والاضواء، بفضل مدرسة تونس للرسم، ارضا محببة للرسامين وتتعدد فيها معارض الرسم من ضاحية سيدي بو سعيد الى المنستير مرورا بالعاصمة.
ويستقطب احد هذه المعارض المخصص "لرواد الرسم في تونس" حاليا جموعا غفيرة الى اكروبوليوم قرطاج (الضاحية الشمالية من العاصمة) حيث يستمر المعرض حتى 25 تموز/يوليو.
وبدأت قصة مدرسة تونس للرسم ابان عهد الحماية الفرنسية بعيد الحرب العالمية الثانية. وكانت جادة الحبيب بورقيبة تسمى في تلك الحقبة شارع جول فري وترتادها صنوف شتى من السكان تلتقي دون حواجز طبقية او وطنية او دينية فترى فيها التونسيين والايطاليين والفرنسيين مسلمين ويهود ومسيحيين مختلطين دون تنافر.
واعتاد الرسامون على الالتقاء على رصيف "مقهى باريس" الذي لا يزال موجودا في هذه الجادة التي تقع في قلب العاصمة التونسية.
وكان يلتقي فيها في الخمسينات التونسيين عبد العزيز القرجي ويحيى التركي والفرنسيين اليهوديين موشي ليفي او جيل للوش ورسامون آخرون مثل بيار بوشارل او انطوان كوربورا.
وذكرت الصحافية التونسية درة بوزيد التي الفت كتابا عن مدرسة تونس للرسم "لم يكن الحديث يدور فيها (مقهى باريس) الا عن الرسم وقضايا الرسم وتطور الرسم ولاشيء غير الرسم".
وكان رسامو تلك الفترة يجدون صعوبة في بيع لوحاتهم ويعيشون حياة صعبة وحالما يتمكن احدهم من بيع احدى لوحاته فانه يقرض باقي زملائه او يدعوهم الى تناول فنجان قهوة.
وكانت تسود روح من الالفة بين التونسيين والاوروبيين الذين يحبون التلاقي في حلق الوادي، مكان اليهود المفضل، على بعد 10 كلم شمال العاصمة لتناول السمك المشوي في حانات المدينة.
وفي خريف سنة 1943 اسس لوي ليمونييه نقابة الرسامين غير انه يمكن اعتبار بيار بوشارل المؤسس الفعلي لمدرسة تونس للرسم.
وبعد فترة تعلم للرسم في باريس حيث اختلط مع كبار الرسامين وسكن في غرفة واحدة مع الرسام الايطالي اليهودي الشهير اميديو موديلياني (1884-1920) عاد بوشارل الى تونس واسس "مجموعة الاربعة" مع انطوان كوربورا وموشي ليفي وجيل للوش التي مثلت برعم مدرسة تونس.
وزاد عدد هذه المجموعة ليصبح عشرة سنة 1948 واحدثت في السنة التالية على رصيف "مقهى باريس" مدرسة تونس للرسم.
واصبحت هذه المدرسة التي اقيمت على الصداقة المتينة وانفتاح الفكر مؤسسة تونسية فعلية وتنحى بوشارل (1895-1988) عن ادارتها مع استقلال تونس في 20
آذار/مارس 1956 ليترك مكانه ليحيى التركي.
واضحت هذه المدرسة التي بدأت مرآة لمجتمع يعيش تحولات متسارعة، اليوم في ظل رئاسة عبد العزيز القرجي تركز على عمق الروح التونسية والتقاليد المحلية من خلال صور من الحياة اليومية وفن الزخرف واحاسيس الشخصيات والجمالية وشعرية الديكور.
وتركت هذه المدرسة اثرا لا يمحى على مختلف تيارات الرسم المعاصرة في تونس بالرغم من التطور الذي حصل لرساميها مثل الهادي التركي المولود سنة 1922 الذي حول وجهته منذ عشرات السنين الى الرسم التجريدي مقيما بذلك الدليل على تنوع رسامي مدرسة تونس للرسم.