تحليل: البترول سبب رئيسي لاتفاق الخرطوم مع المتمردين

نيروبي - من مايك كرولي
الرئيس الكيني بين ممثلي الخرطوم والمتمردين عقب توقيع الاتفاق

لقد كانت الضغوط الدبلوماسية المكثفة من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج هي الدافع الاساسي وراء الاتفاق البارز الذي تم توقيعه في عطلة نهاية الاسبوع بين الحكومة السودانية وحركة التمرد الرئيسية بالبلاد، وذلك وفقا لما ذكرته مصادر قريبة من المحادثات.
وكان مسئولون من حكومة الخرطوم ومن جيش الشعبي لتحرير السودان المتمرد قد وقعوا اتفاقا ثنائيا يضمن الحرية الدينية لمواطني الجنوب السوداني ويسمح لهم بالتصويت على الانفصال من عدمه.
والمعروف أن الحرب الاهلية في الجنوب السوداني قد امتدت عبر سنين طويلة دون ظهور أي نهاية واضحة لها حتى الان. ويأتي هذا الاتفاق في ظل وجود دفعة دبلوماسية جديدة يرجعها بعض المراقبين إلى تزايد الثروة البترولية للبلاد.
وقال دبلوماسي غربي قريب من المحادثات "لقد كان الضغط الدولي هائلا للغاية".
وقد صاغت الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج ببراعة مشروع اتفاق شامل تسربت تفاصيله في وقت سابق هذا الشهر وشكل الاساس للاتفاق الذي تم توقيعه في حفل مراسمي أقيم السبت بالمقر الرسمي للرئيس الكيني دانييل آراب موي.
وبموجب بنود هذا الاتفاق فسوف يتم إجراء استفتاء بإشراف دولي بعد ست سنوات من إبرام اتفاق شامل للسلام. ويطرح الاستفتاء على مواطني جنوب السودان خيارين واضحين: إما الاستمرار كجزء من السودان الموحد أو تشكيل دولة منفصلة.
ويقول بروتوكول الاتفاق الخاص بالديانة أنه ليس بإمكان الحكومة فرض القوانين الاسلامية على الجنوب، وذلك بالرغم من احتفاظها بحق عمل ذلك في الشمال.
ويذكر أن الحرية الدينية وحق تقرير المصير للجنوب كانا يشكلان اثنتين من ثلاث عقبات كبيرة تعترض سبيل تحقيق السلام في السودان. أما العقبة الثالثة فهي تقاسم الثروة. والقضية الرئيسية على هذه الجبهة هي البترول الذي أصبح بين ليلة وضحاها أكبر وأهم صادرات السودان والخاضع حاليا لسيطرة الحكومة بالرغم من وجوده في الجنوب.
وكان البترول قد بدأ بالتدفق في السودان في عام 1999 إلا أن صادراته تزايدت بالفعل لتصل حاليا إلى ما يزيد على 200.000 برميل يوميا. وقد جنت الحكومة ما يقدر بـ800 مليون دولار من الصادرات البترولية خلال العام الماضي وذلك مع وجود كميات ضخمة من الاحتياطي المؤكد من الخام.
ويعتقد على نطاق واسع بأن إدارة الرئيس الاميركي جورج دبليو. بوش حريصة على إقرار شكل ما من السلام في السودان، وأنها بصدد وقف العقوبات التي تمنع الشركات الاميركية من ممارسة أنشطة تجارية في هذا البلد ومن بينها أنشطة التنقيب عن البترول.
وبطريقة مماثلة فإن حكومة الخرطوم باستطاعتها أيضا الاستفادة من الظمأ الاميركي للبترول. وقالت مجموعة بحثية للازمات الدولية في تقرير لها مؤخرا "إن استثمار المؤسسات الاميركية في تطوير قطاع البترول سيكون بمثابة دفعة كبيرة لخطط الحكومة الخاصة بالتنقيب والاستغلال للنفط".
ومن المقرر أن تناقش قضية اقتسام الثروة في جولة أخرى من المحادثات ستبدأ الشهر القادم وسيتم خلالها أيضا بحث شروط التوصل إلى وقف شامل لاطلاق النار.
وقد استقبلت طوائف المجتمع المدني في الجنوب السوداني هذا الاتفاق بحماس ممزوج بالحذر بشأن ما إذا كان سينفذ.
وقال جابربيل ألاك جارانج الذي يدير منظمة غير حكومية بالجنوب السوداني "إننا سعداء لحدوث ذلك".
وقال جارانج "لدينا تحفظاتنا المتمثلة في الاسلوب الذي انتهكت به الحكومة الاتفاقات في الماضي". واستطرد يقول "غير أنه في ظل وجود المجتمع الدولي في المحادثات - الاميركيين والبريطانيين والنرويجيين والايطاليين - فإننا نشعر بأنه بالامكان ممارسة الكثير من الضغط لضمان تنفيذ الاتفاق".
وكان قد تم التوصل إلى الاتفاق السبت بعد خمسة أسابيع من المفاوضات المغلقة في ماشاكوس، وهي بلدة صغيرة تقع جنوب شرق العاصمة الكينية، نيروبي.
واتسمت هذه المحادثات بأنها شهدت وللمرة الاولى إجراء مفاوضات سلام مباشرة وجها لوجه بين الحكومة والجيش الشعبي لتحرير السودان وذلك منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، عندما كثفت الولايات المتحدة من مشاركتها بتعيين السناتور جون دانفورث مبعوثا خاصا لها إلى المحادثات.
وقد رعت هيئة التنمية الحكومية الاقليمية هذه المحادثات، كما توسط في إجرائها الجنرال الكيني لازارو سومبيو.
ويذكر أن المتمردين بجنوب السودان يخوضون حربا ضد حكومة الخرطوم منذ سبعة وأربعين عاما، لم تتوقف سوى تسعة أعوام. ويعارض سكان الجنوب وغالبيتهم من الوثنيين والمسيحيين ما يعتبرونه بالاساس، محاولة من جانب الحكومة التي يسيطر عليها ذوي الاصول العربية في فرض الاسلام عليهم وكذلك استغلال موارد الجنوب.