السينما العربية تنقسم الى تيار محافظ وآخر متحرر

القاهرة
افلام ايناس الدغيدي ومحمد ابو سيف تنتمي عن جدارة للتيار المتحرر

على عكس فن المسرح الذي نشأ وترعرع كفن ارستقراطي اعتبرت السينما منذ بدايتها فنا شعبيا في المقام الاول حيث قدمت العروض السينمائية الاولى في المقاهي والجراجات والساحات قبل ان تقام دور العرض في الاحياء المكتظة وقبل ان تنتشر في كل مكان.
ورغم ان هذا الفن الساحر قد جذب كل قطاعات المجتمع إلا انه ظل كصناعة يحاول ان يتوجه باعماله الى الكتل الجماهيرية الضخمة من الطلاب والحرفيين القادرة على ملء صالات العرض العملاقة التي اقيمت في عصر السينما الذهبي في معظم العواصم لتتسع لآلاف المشاهدين.
غير انه مع التغيرات الاجتماعية والطبقية التي حدثت في العالم في اعقاب الحرب العالمية الثانية واتساع رقعة الطبقات المتوسطة بشرائحها المختلفة مع انتشار التعليم اصبح فن السينما هو فن الطبقة المتوسطة بامتياز. وتمركزت دور العرض في معظم المدن في وسط المدينة التجاري وان ظلت الاحياء والاطراف الاكثر فقرا تحظى بعدد من دور العرض القديمة التي تقدم عروضا متأخرة للافلام نفسها التي تعرض في دور العرض الفخمة.
وفي المدن العربية وفي نهاية السبعينيات ترافق ظهور اجهزة الفيديو كاست مع القيم المحافظة التي بدأت تنتشر بين ابناء الطبقات المتوسطة الامر الذي جعل الغالبية الغالبة من هذه الاسر تفضل المشاهدة المنزلية على ارتياد دور العرض والاحتكاك بغيرها من الطبقات الادنى التي بدأت تحقق بعض الثراء مع التغيرات الاقتصادية.
وكان الاعتماد على المشاهدة المنزلية وهجر دور العرض ابرز ما يكون في مدن الخليج العربية في الثمانينات والتسعينيات بسبب عدم ترسخ عادة الذهاب لدور العرض لفترة طويلة من الزمن حيث لم تعرف معظم هذه المدن دور العرض السينمائي الحديثة الا في نهاية الخمسينات ومابعدها. ورغم ذلك فقد كان اهل هذه البلاد في سفراتهم الصيفية الى مدن اوروبا والعواصم العربية يحرصون على مشاهدة احدث الافلام وعلى ارتياد دور العرض بانتظام. عودة الاسرة العربية لدور العرض ثم جاء الانقلاب الاساسي لانماط المشاهدة في المنطقة مع نهاية التسعينيات مترافقا مع عدد من المتغيرات كان من اهمها ظهور وانتشار المجمعات التجارية العملاقة المكيفة والتي غالبا ما يحمل تصميمها مجمعا لدور العرض الصغيرة الانيقة التي تحقق نوعا من الخصوصية النسبية على عكس دور العرض الضخمة.
وفي نفس الوقت كان انتشار القنوات الفضائية السريع في تلك الفترة قد قضى تقريبا على صناعة الفيديو كاست ونمط المشاهد المنزلية للافلام التي اصبحت تبث عشرات منها عبر القنوات الفضائية في نفس الوقت الذي تبث فيه دعاية مكثفة عن العروض السينمائية للافلام الحديثة، الامر الذي حقق للمتفرج التلفزيوني العادي حالة من التشبع من المشاهدة المنزلية للافلام على الشاشة الصغيرة ومعرفة ومعلومات موسعة عن الافلام الحديثة وتشوق لمتابعتها بعد ان كانت الصحف هي وسيلته الوحيدة للحصول على معلومات عن مثل هذه الافلام.
وهكذا ومع تضافر كل هذه العوامل دخلت السينما وعادة ارتياد دور العرض في المنطقة كما في العالم الى مرحلة ثالثة من مراحل انماط المشاهدة وتصميم دور العرض. وقد انعكس ذلك بشكل واضح على نوعية الافلام التي تنتجها السينما العربية فبعد ان كانت لفترة طويلة قد اصبحت سينما موجهة للحرفيين والطبقات الشعبية عادت من جديد لتستهدف الطبقات المتوسطة بكل شرائحها بالاضافة بالطبع للشباب والطلاب.
وانقسم الانتاج السينمائي في السنوات الاخيرة الى ما يشبه التيارين المتصارعين: تيار يمكن ان نطلق عليه السينما الاسرية وتيار السينما الشبابية، او بمعنى ادق تيار السينما المحافظة وتيار السينما المتحررة. واصبح من المعتاد ان نشاهد على اعلانات بعض الافلام عبارة فيلم لا تخجل ان تشاهده مع اسرتك، فيما تتباهى افلام اخرى بان الرقابة رفضتها لاكثر من ثلاثين عاما.
ولاينفصل هذا التناقض في طبيعته عن التناقضات الاجتماعية والاخلاقية التي تشهدها المجتمعات العربية في هذه السنوات حيث تتصارع قيم المحافظة على الهوية وموجات الحداثة والعولمة. ولعل نظرة على خريطة هذا الموسم تعكس بوضوح مدى الانقسام الذي اصبح الصفة الاساسية مابين التيارات المتناقضة في صناعة السينما العربية. فمن ناحية عرضت افلام اثارت ضجة ووصلت ببعض صناعها الى المحاكم واقسام الشرطة مثل "مواطن ومخبر وحرامي" و"مذكرات مراهقة" و"اسرار البنات" و"النعامة والطاووس". ومن ناحية اخرى عرضت افلام كوميدية ومغامرات وحتى افلام رومانسية تبتعد كل البعد عن اثاره اي موضوعات او تقديم معالجات صادمة لقيم الطبقة المتوسطة المحافظة بطبيعتها، خصوصا في المسائل الجنسية مثل افلام "جاءنا البيان التالي" و"ابن عز" و"افريكانو" وغيرها. واصبح الحديث عن نجمات يرفضن المشاهد الساخنة ونجمات يقبلن هذه المشاهد هو حديث الساعة في العديد من المقابلات الصحفية واللقاءات التلفزيونية.
ومن الغريب ان نفس هذا القطاع من الطبقات المتوسطة الذي اصبح ارتياد دور العرض الحديثة في المجمعات التجارية جزءا من انماط سلوكه الترفيهي، والذي يبدو ان السينما المتحفظة او افلام الاسرة تتوجه اليه، يقبل بكثافة على مشاهدة احدث الافلام الاميركية بكل ما فيها من قيم مغايرة وجرأة في اقتحام اكثر الموضوعات حساسية دون ان يظهر هذا الجمهور نفسه اي تذمر يذكر على عكس ما يحدث تجاه الافلام العربية التي وصل الامر بالبعض الى تقديم بلاغات لاقسام الشرطة ورفع قضايا ضدها امام المحاكم. ولعل السبب ان المشاهدين ينظرون الى هذه الافلام على انها افلام اجنبية غريبة عن مجتمعنا نشاهدها لمجرد الاستمتاع بها دون ان تقليدها. اما الافلام العربية التي يؤديها فنانون عرب فهي جزء من مجتمعنا العربي ومنظومته الثقافية، ولهذا يجب ان تلتزم بقيم هذا المجتمع.
وايا كانت التفسيرات فان الانقسام واضح بين التيارين، وربما يزداد عمقا في الفترة القادمة.