دعوات أميركية لسياسة أميركية أكثر انصافا للحق العربي

بقلم: علاء بيومي

نظم خلال الأسابيع القليلة الماضية اثنان من أهم المؤتمرات السياسية والجماهيرية التي تنظمها المنظمات المسلمة الأميركية على مدار العام، ففي الفترة من 27-30 يونيو الماضي نظم المجلس الإسلامي الأميركي (AMC) مؤتمره السنوي في العاصمة الأميركية واشنطن، وفي الفترة من 5-7 يوليو/تموز الحالي نظمت اثنتان من أكبر المنظمات المسلمة الأميركية وهما منظمة الحلقة الإسلامية لشمال أميركا (ICNA) ومنظمة الجمعية الإسلامية الأميركية (MAS) مؤتمرا مشتركا في مدينة بالتيمور عاصمة ولاية ميرلاند الأميركية.
وقد أتيحت لي فرصة حضور بعض فعاليات المؤتمرين السابقين، ولفت نظري بعض المحاضرات واللقاءات السياسية التي عقدت خلالهما، وخاصة لقاء نظمه المجلس الإسلامي الأميركي يوم الخميس 27 من يونيو/حزيران في أحد مباني الكونجرس الأميركي جمع عددا من أعضاء الكونجرس بالمسلمين المشاركين في مؤتمر المجلس، ومحاضرة أخرى نظمتها مؤسستي الحلقة الإسلامية لشمال أميركا والجمعية الإسلامية الأميركية مساء يوم السبت السادس من يوليو جمعت بعض السياسيين الأميركيين بالمشاركين في مؤتمر المؤسستين المشترك.
وقد تضمن اللقاءان الملفتان للنظر بعض الرسائل السياسية الهامة المتعلقة بالعلاقات الإسلامية الأميركية في الفترة الراهنة، وقد أحببت أن أنقل هذه الرسائل للقارئ لأهميتها وندرة تناولها – إلى حد ما – في الصحافة العربية مع إنها تكاد تكون رسائل سياسية معتادة ومعروفة في الأوساط المسلمة الأميركية.
وسوف نبدأ في تحليلنا باللقاء الذي نظمه المجلس الإسلامي الأميركي يوم الخميس 27 من يونيو/حزيران في أحد مباني الكونجرس الأميركي، وقد جمع اللقاء سبعة أعضاء كونجرس على الأقل مع جمهور من المسلمين الأميركيين بلغ حوالي خمسين شخصا أو أكثر.
وقد تحدث كل عضو من أعضاء الكونجرس إلى الحضور المسلمين لعدة دقائق، وفيما يلي تلخيص لأهم الرسائل السياسية التي تضمنتها كلمات أعضاء الكونجرس للمسلمين الأميركيين.
(1) الرسالة الأولى والتي سلم بها جميع المتحدثين هو تقديرهم للمسلمين والدين الإسلامي، وانتقادهم لمحاولات تشويه صورة الإسلام والمسلمين، أو محاولات التضييق على حقوق المسلمين وحرياتهم.
(2) النائب الأميركي العربي الأصل نك راحال ممثل ولاية غرب فيرجينيا ركز في حديثه على أهمية مشاركة المسلمين في السياسة الأميركية، وقد سادت كلمات المتحدثين جميعا دعوة عامة وقوية للمسلمين الأميركيين بالمشاركة في التأثير على السياسية الأميركية بمختلف الطرق الناجحة وعلى رأسها التردد على الكونجرس وممثليهم فيه بصفة دائمة ومستمرة.
(3) النائبة الأميركية سنثيا ماكيني ممثلة ولاية جورجيا عبرت عن سعادتها البالغة لوجود مسلمين من دائرتها وسط الحضور المسلم، لأن وجودهم يعني لها ولأي عضو كونجرس أن حضور المؤتمرات التي تنظمها المؤسسات المسلمة الأميركية هو من أصل وصميم عملهم، فأحد مهام السياسي الأميركي هو اللقاء مع أبناء دائرته وخدمتهم ومساندتهم.
(4) سنثيا ماكيني والتي ينصت العديد من المسلمين الأميركيين لها بشغف عندما تتحدث تحدثت عن مفهوم هام تسعى إلى تحقيقه وهو مفهوم "سياسة أميركية ذات قلب"، وأوضحت سنثيا ماكيني أن أميركا في حاجة إلى سياسة ذات قلب على المستويين الداخلي والخارجي، سياسية تقوم على معايير العدالة ومعالجة مشكلات الفقر والتمييز والوقوف بجوار المستضعفين في كل مكان في العالم.
(5) النائب الديمقراطي الكبير جون كونيورز ممثل ولاية مشيجان وجه خلال كلمته انتقادات لاذعة للإدارة الأميركية الجمهورية الحالية، وخاصة لوزير العدل الأميركي جون أشكروفت وانتقد بشدة سياساته وأثرها في الحد من حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا، مؤكدا على أن سلطات تنفيذ القانون الأميركية لم تكن في حاجة إلى مزيد من الصلاحيات والسلطات بعد 11 سبتمبر/ايلول 2001 لتقوم بعملها.
(6) النائب الجمهوري دانا روباكر ممثل ولاية كاليفورنيا تحدث بعد كونيورز للحضور المسلم وقال لهم – موجها حديثه إلى جون كونيورز – أن للمسلمين أصدقاء في الحزب الجمهوري أيضا وليس فقط في الحزب الديمقراطي كما يحاول جون كونيوز تصوير الموقف للمسلمين. وكان ذلك في حضور جون كونيوز وتبادل النائبان كونيوز وروباكر الحديث عن علاقة الأحزاب الكبرى بالمسلمين بفكاهة ومرح وابتسامات تبادلوها مع الحضور المسلم.
اللقاء الثاني والذي نظمته مؤسستي الحلقة الإسلامية لشمال أميركا والجمعية الإسلامية الأميركية مساء يوم السبت السادس من يوليو/تموز في مؤتمرهما المشترك كان أكثر شجنا وعاطفية في مساندة المسلمين.
وقد تحدثت في هذه اللقاء الأستاذ الجامعية الأميركية لورا درايج المتخصصة في شؤون الصراع العربي الإسرائيلي، وقد كانت كلمتها الطويلة رسالة مساندة قوية لحقوق الشعب الفلسطيني من منطلق أميركي مسيحي إنساني، إذ أكدت لورا درايج على أن ما يحدث للفلسطيني أمر ترفضه أية منظومة قيم إنسانية وهو مخالف للقيم الأميركية والمسيحية، وانتقدت لورا دريج في كلمتها الحماسية القوية جدا السياسة الأميركية الراهنة وانحيازها الصارخ ضد حقوق الشعب الفلسطيني.
وتحدث قبل لورا دريج سفير أميركي سابق هو إدوارد بك وقد عبر خلال كلمته عن احترامه وتقديره للإسلام والمسلمين وأنهى كلمته بعرض نحب أن نركز عليه هنا، إذ عرض مساعدته على المسلمين الحاضرين في كل ما يخص مساعدتهم في توضيح صورتهم والدفاع عن قضاياهم العادلة في الولايات المتحدة.
وقبل لورا دريج وإدوارد بك تحدث صديق كبير ودائم للمسلمين في الولايات المتحدة وهو عضو الكونجرس السابق بول فيندلي، والذي اسقطه اللوبي الموالي لإسرائيل منذ حوالي 20 عاما لمطالبته بسياسة أميركية أكثر عدالة تجاه الشرق الأوسط، وقد تميزت كلمة فيندلي كلها بالصدق والعاطفة الجياشة، وفي نهاية حديثه طالب فيندلي من الحضور المسلمين طلب أعجب من عرض إدوارد بك، كما أن أسلوب الطلب ذاته كان أكثر غرابه، فقد قال فيندلي للمسلمين أنه أنفق السنوات الثلاثة الماضية في كتابة كتاب منصف عن المسلمين في أميركا وهو كتاب "لا صمت بعد اليوم" حاول من خلاله تقديم المسلمين كقوة اجتماعية وسياسية فعالة وخيرة داخل المجتمع الأميركي للقارئ الأميركي.
وفي تلك اللحظة أزداد صوت فيندلي حدة واضطرابا مطالبا المسلمين بإيصال كتابه إلى كل مواطن أميركي، وقال أنني لن أعيش حتى أستطيع توصيل هذا الكتاب إلى أكبر عدد من الأميركيين فلم يعد يتبقى في عمري بقية تساعدني على إيصال كلماتي، وأشار فيندلي إلى سنه الكبير وهرمه وإلى أنه أنفق ثلاثة سنوات من عمره - في هذه المرحلة المتأخرة من حياته - في كتابة كتابه الأخير عن المسلمين وصورتهم الصحيحة، ولذا طالب فيندلي المسلمين الحاضرين يتحمل أمانة إيصال كلماته لتحسين صورتهم.
وقد نقلنا للقارئ هذه الصور والكلمات الهامة لهدفين أساسيين، أولهما أن هناك مساحة كبيرة للحوار والتعاون والتصادق بين المسلمين والأميركيين يدلل على ذلك كلمات المساندة التي نقلناها في الجزء الأول من المقالة والتي تفوه بها أفراد مشهود لهم بمساندة المسلمين والعرب قولا وفعلا بشكل كبير ومستمر.
ثانيهما أن المسلمين والعرب المقيمين في أميركا استطاعوا تكوين هذه الصداقات من خلال احتكاكهم المباشر مع أبناء الشعب الأميركي بشكل مستمر ودؤوب على مختلف المستويات، وأن ما يشغلهم الآن هو كيفية تحقيق هذا الاحتكاك المثمر والإيجابي إلى مستويات عديدة وجديدة وغير تقليدية وخاصة على الأصعدة السياسية والإعلامية، فالواضح أن المسلمين نجحوا على مستوى الاحتكاك الديني والاجتماعي أكثر من نجاحهم على المستوى السياسي والدينية والدليل على ذلك هو سرعة انتشار الإسلام في الولايات المتحدة والتي تشهد لها العديد من الدراسات.
ولكن للأسف لم يقابل ذلك سرعة انتشار للمسلمين والأفكار المعبرة عن قضاياهم على الأصعدة السياسية والإعلامية، ولذا تركز غالبية المنظمات والمؤتمرات المسلمة الأميركية خلال السنوات الأخيرة على إيصال رسالة واحدة اساسية للمسلمين الأميركيين وهي ضرورة مشاركتهم في العملية السياسية الأميركية والسعي للتأثير عليها من خلال أدوات العمل العديدة المتاحة داخل النظام السياسي الأميركي، ولما كانت هذه الرسالة هي أخر ما توصل إليه المسلمون والعرب في أميركا كسبيل لحماية حقوقهم وتحقيق مصالحهم فقد أحببت أن أنقلها للقراء العرب داخل وخارج أميركا وذلك حتى يدركوا ما انتهى إليه مسلمو وعرب أميركا فيبنوا على ما انتهوا إليه ولا يعيدوا تكرار العجلة من أولها. * علاء بيومي ، كاتب ومحلل سياسي - واشنطن