تحليل: النظام الرأسمالي الاميركي يواجه ازمة عميقة

لندن
البورصة الاميركية لاتصدق بوش: تحدث عن الاصلاح فانخفضت اسعار الاسهم

يواجه الاقتصاد الأميركي، الموصوف بأنه النموذج المثالي لاقتصاد السوق، أخطر تحد له في التاريخ، فقد وجهت سلسلة الفضائح المالية التي ضربت العديد من الشركات الأميركية والعالمية وما زالت حلقاتها تتوالى تباعاً ضربة قاصمة لأسس ومرتكزات هذا النظام. فالصفقات المشبوهة، والخسائر الباهظة التي تكبدها حملة الأسهم، وعمليات التزييف الواسعة في الطبقات العليا من كبريات الشركات، كبدت المستثمرين وحملة الأسهم في البورصات المالية العالمية خسائر باهظة، وهوت بثقتهم إلى الحضيض.
ووجه تدخل الرئيس الأميركي في خطابه في مقر بورصة Wall Street بنيويورك مؤخراً، حين "أعلن الحرب" على عمليات التزييف في حسابات الشركات ضربة قوية إلى فكرة الاقتصاد الحر القادر، وقد علقت صحيفة 24 Heures السويسرية المعروفة التي تصدر في لوزان على الخطاب بقولها: "إن الرئيس "بوش" ينوي القيام بدور الشرطي للأسواق المالية، لكن مقترحاته تُنذر بنهاية الرأسمالية القائمة على المبادرة الذاتية".
وأضافت الصحيفة أن تدخُّل بوش يقرع الناقوس للفكرة الساذجة في حد ذاتها، وهي فكرة النظام الاقتصادي الحر القادر على تنظيم نفسه بنفسه دون رقابة خارجية. فيما حذر الملياردير والمضارب العالمي "جورج سوروس" من أن يؤدي أسلوب الرئيس الأميركي جورج بوش في إدارة الاقتصاد إلى أزمة اقتصادية عالمية، وتوقع سوروس" أن بفقد الدولار ثلث قيمته خلال سنوات القليلة المقبلة، وتوقع اتجاه أسواق الأسهم العالمية لمزيد من الانخفاض في حالة وقوع الاقتصاد الأميركي مرة أخرى في هوة الركود. انهيار النموذج الرأسمالي عمقت عمليات الاختلاس والفساد والتلاعب في الحسابات المالية للشركات من حالة الاضطراب التي تشهدها أسواق المال العالمية الأمر الذي تسبب في انهيار القيمة السوقية للكثير من الشركات. فعلى سبيل المثال انخفضت القيمة السوقية لشركة "تايم وارنر" من 300 مليار دولار عند إعلان صفقة الاندماج مطلع عام 2000 إلى أقل من 90 مليار دولار في أيار/مايو الماضي بعد أن ظهر أن خسائرها في الفصل الأول من العام الجاري 2002 بلغت 54.2 مليار دولار.
وجاء الإعلان عن تراجع أرباح معظم الشركات العالمية خلال العام الماضي 2001 ليصب الزيت على نار الأزمة الاقتصادية العالمية المتواصلة، فقد أظهر التقرير التصنيفي لمؤسسة "فورتشن" أن العام 2001 يعد أكبر عام للتراجع في الأرباح منذ أن بدأت "فورتشن" لأول مرة في تصنيف أفضل 500 شركة عالمية خدمية وصناعية في عام 1995 من حيث حجم الخسائر والأرباح التي تحققها هذه الشركات، وقال تقرير فورتشن إن 297 شركة شهدت تراجعاً في معدلات أرباحها، كما انخفض إجمالي العائدات لعام 2001 إلى أقل من النصف مقارنة مع عام 2000. وحصدت شركات الاتصالات النصيب الأكبر من الخسائر، فقد بلغ إجمالي خسائر كافة شركات القطاع المصنفة وعددها 24 شركة 78 مليار دولار. خسائر مدمرة في قطاع الأسهم يعتقد الخبراء أن القطاع الذي شهد أكبر قدر من التدمير هو قطاع الأسهم وأنها حملتها أكثر ضحايا الأزمة، حيث تؤكد مصادر أميركية مطلعة أن خسائر الأسهم الأميركية ارتفعت إلى 2.4 تريليون دولار منذ بداية السنة الجارية، لتصل إلى سبعة تريليونات منذ آذار/مارس عام 2000. ووفق معطيات وزارة الخزانة الأميركية يقدر نصيب المستثمرين العرب والدوليين بأقل من 10 في المائة، مما يشكل جزءاً ضئيلاً من القيمة الإجمالية لما يملكه المستثمرون الدوليون من الأصول الأميركية التي قفزت من 6.2 تريليون دولار عام 1997 إلى 9.2 تريليون دولار بنهاية عام 2001.
لكن الجانب الأخطر فيما حدث يتمثل في قضية الاستثمارات في البورصات المالية وأسهم الشركات التي تحدثت عنها مؤسسة "مورغن ستانلي" حينما أطلقت وصف عصابة (الشركات) الخمسة على الشركات التالية وهي شركة "انرون" للطاقة، و"تايكو" للإنتاج الصناعي و"كيه ويست" للاتصالات و"كمومبيوتر أسوسيتس" وشركة و"ورلدكوم" للاتصالات، وقالت لقد ألحقت هذه العصابة بحملة أسهمها خسائر تزيد عن 460 مليار دولار.
وبشكل عام يمكن تلخيص الانعكاسات السلبية للازمة الحالية في النقاط التالية:
أولاً: تراجع تدفق الاستثمارات الدولية المباشرة إلى الولايات المتحدة، الامر الذي أدى إلى تراجع قيمة الدولار، وهو ما بدأت بوادره منذ العام الماضي 2001 حيث أكدت وزارة التجارة الأميركية أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة على الولايات المتحدة انخفضت بنسبة 60 في المائة بالمقارنة مع عام 2000، وتابعت خلال العام الجاري انخفاضها أيضاً ووصلت نسبة الانخفاض إلى نحو 30 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة الجارية.

ثانياً: فقدان حماس المستثمرين لتملك الأصول المالية الأميركية الموضوعة في الصناديق الاستثمارية حيث كانت قيمة إجمالي هذه الصناديق تزيد عن 7 تريليون دولار مع نهاية العام الماضي 2001 ثم انخفضت قيمتها مع نهاية شباط/فبراير إلى 6.920 تريلون دولار.

ثالثاً: تزايد عمليات سحب الأموال المستثمرة في صناديق الاستثمار في الأسهم التي فقدت زهاء 65 مليار دولار من استثماراتها ليرتفع إجمالي السحوبات في شهرين متتاليين إلى 110 مليارات دولار وتنخفض أصولها بالتالي من 3.418 تريليون دولار في كانون الأول/ديسمبر الماضي إلى 3.308 تريليون دولار.

رابعاً: استمرار موجة الإفلاس بين الشركات، فقد سجلت حالات الإفلاس خلال النصف الأول من العام الحالي رقماً قياسياً جديداً فبلغ عدد الشركات المسجلة في بورصة نيويورك التي أشهرت إفلاسها خلال الشهور الستة الماضية 255 شركة، وقد أدت حالات الإفلاس التي شهدها النصف الأول من العام الحالي والذي تضمن شركات كبرى مثل إنرون إلى وضع أصول قيمتها 260 مليار دولار تحت الحراسة القضائية لسلطات التفليسة والتصفية.

خامساً: تراجع العائدات الحكومية من الضرائب فقد أدى الهبوط الحاد في أسعار أسهم كبرى الشركات الأميركية إلى تراجع حصيلة الضرائب على أرباح رأس المال بشكل كبير وهو ما أكده تقرير نشره البيت الأبيض في 12 تموز/يوليو الجاري جاء فيه أن استقطاعات الضرائب التي انتقصت من خزائن الحكومة بلغت 1.35 تريليون دولار نتيجة للكساد الذي أصاب الاقتصاد اعتباراً من آذار/مارس 2001 مع حملات أمن الوطن والحملات العسكرية بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر الماضي.

سادساً: ارتفاع عجز الموازنة نتيجة تراجع تدفق الاستثمارات الخارجية والذي من المتوقع أن يصل إلى 165 مليار دولار مع نهاية العام الحالي، ويأتي هذا التراجع بعد أن سجلت الحكومة الفيدرالية فائضاً في الموازنة خلال السنوات الأربع الماضية، وقال المدير المسؤول عن الميزانية بالبيت الأبيض ميتش دانييلز إن الحكومة لن تعود إلى تحقيق فائض في ميزانيتها قبل عام 2005، وتوقع البيت الأبيض أن يتقلص هذا العجز إلى 109 مليارات دولار سنة 2003، ثم إلى 48 مليار دولار عام 2004، ثم تعود الموازنة إلى تحقيق فائض قدره 53 مليار دولار يرتفع إلى 60 مليار دولار في سنة 2006 و84 مليار دولار في سنة 2007.

سابعاً: بيع الأصول الخارجية للشركات الأميركية. لقد خفضت الأزمة من تدفق الاستثمارات الأميركية إلى الخارج كما دفعت العديد من الشركات إلى بيع أصولها الخارجية وتقليل إنفاقها العام". فمثلاً شركات الاتصالات التي أنفقت مئات المليارات من الدولارات على شبكات الألياف الضوئية حول العالم، أحبطتها العوائد الضعيفة التي لم تغط إنفاقها الكبير في أغلب الأحيان. وما زالت شركة "وورلد كوم" تتخبط في فضيحتها في الحسابات محاولة تفادي إعلان دخولها في وضع الحماية من الإفلاس، ومن الإجراءات التي تفكر فيها احتمال بيع أصولها في المكسيك والبرازيل. وفي نفس السياق ربما تلجأ "جلوبال كروسنج" إلى بيع بعض أصولها في بريطانيا

ثامناً: إضعاف قدرة المواطن الأميركي الشرائية وزيادة الأعباء التي يتحملها فيما ارتفعت قيمة الفوائد على الديون المترتبة عليه وهو ما سيكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد بشكل رئيسي حيث يشكل الإنفاق الداخلي نحو ثلثي حجم الاقتصاد الاميركي.
وفي هذا السياق أكد مجلس الاحتياط الفيدرالي (المصرف المركزي الأميركي) أن مديونية المستهلك الأميركي التي قدرها بنحو 1.686 تريليون دولار سجلت رقماً قياسياً بعدما أصبحت خدمة الدين تستهلك 14.3 في المائة من متوسط دخل المستهلك وهو أعلى مستوى لها منذ منتصف الثمانينيات. احتمال إعادة ترتيب الاحتياط الدولي يرى العدد من الخبراء أن الانعكاس الأخطر لما يحدث من انهيارات وفضائح وبالتالي تراجع في قيمة العملة الأميركية هو إعادة ترتيب الاحتياطي الدولي وبما يتناسب مع الناتج الحقيقي لكل دولة. ويقول الخبراء إن فقدان الدولار لنحو 20 في المائة من قيمته سيدفع بمديري المصارف المركزية في العالم لإعادة ترتيب احتياطاتهم من جديد، وهو ما قد يشكل أكبر خطر على الاقتصاد الأميركي والرأسمالي بشكل عام، وهذا الخطر أكده "ستيفن روتش" كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة "مورغان ستانلي بقوله: "إن الأثر النهائي قد يكون أشد خطورة في حال قرر العالم أن حصة الدولار في احتياطاته البالغة 79 في المائة يجب أن تنسجم مع حصة أميركا في التجارة الدولية وهي 21 في المائة".
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن حجم الاحتياطي الدولي المقوم بالدولار يبلغ في الوقت الحاضر نحو 1.450 تريليون دولار ويشكل نحو 76 في المائة من الاحتياط الدولي الإجمالي بالعملات الصعبة، وهذه النسبة أكبر من حصة أميركا من الاقتصاد الدولي التي تبلغ 21 في المائة بأكثر من ثلاثة أضعاف ونصف، وكانت حصة الدولار من الاحتياط الدولي ارتفعت بحدة إبان فقاعة الأسهم في النصف الثاني من التسعينيات وبلغت ذروتها في نهاية عام 1999 مشكلة نسبة 77.8 في المائة من الاحتياط الدولي.
حتى الآن لا تلوح في الأفق أي بوادر لتهدئة مخاوف الأسواق والمستثمرين المحليين والأجانب على الصعيد الدولي، فالتقارير الاقتصادية المتتابعة تكشف كل يوم حالات جديدة من الإفلاس والفساد المالي والإداري والتلاعب في الحسابات، كما تكشف عن تواطؤ مسؤولين كبار في تمرير الصفقات المشبوهة، فاستمرار أزمة الثقة سيكون له تأثيرات حادة على النظام الرأسمالي برمته، وبدل أن يسارع المسؤولون إلى تهدئة مخاوف الناس والعمل على تعويض المستثمرين الذين فقدوا أموالهم تتواصل الدعوات للحرب على الإرهاب والدول المارقة عبر العالم تحت ذرائع واهية لتغطي على هذه الفضائح استعداداً للانتخابات. بينما يجلس الخاسرون الذين وضعوا ثقتهم في النظام الاقتصادي الرأسمالي وأموالهم في أيدي سماسرة البورصات والأسهم يندبون حظهم العاثر.(قدس.برس)