عملية عمانوئيل تثقب جدار إسرائيل الامني

بقلم: نضال حمد

لم تأت عملية عمانوئيل من فراغ، والذين نفذوها جاءوا من الأراضي الفلسطينية المحتلة ولم يخرجوا من أراضيهم المحتلة إلى أراضى الغير - هذا أن صح التعبير - لقد نفذوا عمليتهم الموجعة والقاسية في الضفة الغربية التي أعيد احتلالها كاملة، وعلى مدخل المستوطنة المذكورة، تلك التي تعج بالإرهابيين من المستوطنين القتلة، والذين تميزوا خلال سنوات الاحتلال الطويلة ببطشهم وقسوتهم وإجرامهم وإرهابهم الدائم والمستمر بحق البشر والشجر والحجر في المناطق الفلسطينية التي يتحكمون بها وبحياة سكانها البالغ عددهم مليون ونصف المليون نسمة.
الملاحظ أن منفذي العملية قد درسوا المكان ومحيطه بطريقة محكمة وخططوا لعمليتهم الجريئة والمميزة بعقلية عملياتية تعبر عن حس أمني عالي وتخطيط دقيق أخذ بعين الاعتبار كافة الظروف التي تتحكم بالمكان.
والمميز في العملية أنها جاءت على الطريق الرئيسي الذي يسلكه المستوطنون وكذلك تسلكه وحدات الجيش الإرهابي الصهيوني. فنسفت بذلك الطريق الحازم وجعلته طريقا للمآتم والجنازات ومقبرة للإرهابيين القتلة من سكان المستوطنات. كما أنها فتحت وأحدثت فجوة كبيرة في جدار الفصل العنصري الذي تتغنى به حكومة شارون ومن خلاله تقوم بمصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية لتضمها لسيادتها أو لتبعيتها الأمنية. لكن هذا الجدار لن يحمي الجنود الصهاينة ولن يقيهم الموت القادم إليهم من كل صوب وحدب.
والطريق الحازم سوف يلحق بالعمليات السابقة والتسميات والمسميات التي سبقته، لينضم إلى متحف العمليات الإسرائيلية الفاشلة والأخرى النصف منتصرة والنصف منهزمة.
ليس مهما من هم منفذو العملية ومن يقف ورائهم. إنما المهم في العملية أنها اثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن المقاومة الفلسطينية التي تقود الانتفاضة، والتي تلقت ضربات عديدة منذ بداية الانتفاضة الفلسطينية وحتى الأمس القريب، ضربات قوية ومؤثرة وقاسية، أضافة لحملة اغتيالات مختارة وأعتقالات منظمة ومدروسة. كل تلك الهجمات والضربات واللعنات لم تقتل روح المبادرة والإصرار والعزيمة في قلوب أبناء الانتفاضة، لا بل زادتهم عنفوانا وكبرياء وحقدا على الأعداء وأسيادهم الأميركان. فأتحفونا بما لديهم من عقلية نوعية تعرف متى وأين ومن تضرب وكيف تضرب.
فهنيئا لأمهات الشهداء في فلسطين وهن يشاهدن الأوباش من زمرة شارون وبيريز وهم يتساقطون بنيران الغضب الفلسطيني وبقنابل الانتقام الشعبي، تلك القنابل التي اختارت المستوطنين هدفا لها، ولكي تسد أفواه البعض الذي شكك بقدرة المقاومة وبفاعلية عملياتها وهجماتها. لأن هذا البعض الذي لم يعد يدري بحاله بعدما أنهكته ومؤسساته الهشة ضربات الاحتلال، فتارة يقول كذا وتارة كذا أخرى. وآخر"كذواته" كانت أدانته للعملية التي استهدفت المستوطنين وحراسهم من الأمن الصهيوني، بذريعة أنهم مدنيين.
يا للأسف والسخرية!
هل أصبح المستوطنون مدنيين ورعايا لدولة إسرائيل المسالمة في فلسطيننا "المستقلة" وعلى أراضينا التي سلمناهم إياها برضانا وأرادتنا وطاعتنا ودونما أي خلاف؟
أن الاستيطان غير شرعي ويعتبر رديفا للاحتلال ورأس حربته المتقدمة، كما أن ممارسات المستوطنين الصهاينة تخالف كل الشرائع والقوانين الدولية والإلهية. فهم من يعيث في الأرض الفلسطينية خرابا وفسادا وإرهابا، وهم من يقتلع الأشجار ويحرق المحاصيل ويسرقها في أحيان كثيرة. وهم من يتفنن في تعذيب الفلسطينيين وتقطيع أوصالهم وحرقهم، و دفنهم وهم أحياء، كما أن تاريخهم الغير بعيد مليء بالأمثلة التي تؤكد على فاشيتهم ونازيتهم وصهيونيتهم القبيحة والبغيضة. لذا فهم إرهابيون وقتلة ولصوص ارض وقاطعو طرق. واستهدافهم شرعي وقانوني وحيوي لأنهم مربط الفرس.
إذا كانت اتفاقيات السلطة الفلسطينية مع الاحتلال الصهيوني تعطي الأمن والضمانات للمستوطنين فأن المقاومة الفلسطينية ونهج الانتفاضة والكفاح والجهاد، سوف يقبرون مثل هذه الاتفاقيات وسوف يجعلون أيام المستوطنين سوداء كما لياليهم الحالكة وقلوبهم الدامسة.
على السلطة الفلسطينية المنهكة والمتعبة أن تستحي من هكذا مواقف مزعجة كموقفها من العملية المذكورة وأدانته لتلك العملية التي استهدفت المحتلين والمستوطنين على أرضنا وفي نطاق سيادتنا المنتهكة والتي عجزت السلطة طيلة فترة وجودها في السابق وكذلك حاضرا عن حمايتها ومنع سرقتها واستيطانها واعادة احتلالها. ولعل في بيان السلطة الفلسطينية ما يدعو إلى الإزعاج والأسف والحزن خاصة في الفقرة التي جاء فيها إدانة العملية لأنها استهدفت مدنيين.
عن أي مدنيين يتحدث بيان السلطة؟
هل العصابات الضالة، عصابات المستوطنين التي تنشر الإرهاب وتسن الحراب وتقص الرقاب وتقتل الخلان والأهل والأصحاب وتمارس أشنع عمليات القتل بحق شعبنا ثم تسلبه أرضه وتنتهك سيادته وتحرمه من الأمان والسلام والحياة الحرة الكريمة ومن العمل في الحقول والمصانع والمعامل وتدمر محاصيله وتسلبه نعمة الحياة: هل هؤلاء مدنيون؟
أنهم قتلة مع سبق الإصرار والترصد والقناعة.
المطلوب من السلطة الفلسطينية أن تكون مع شعبها وليس ضده ومع مقاومة فلسطين وليس ضد المقاومة. فخير من يسند تلك السلطة في مباحثاتها مع الصهاينة هي قوة الشعب الفلسطيني المعزز بوحدة قواه الملتفة حول برنامج الإجماع الوطني. وبرنامج الإجماع الوطني هو برنامج دحر الاحتلال وطرده وتفكيك المستوطنات وطرد الإرهابيين المستوطنين, القتلة أحفاد الشيطان وبقايا النازية والفاشية الملتحفة بعباءة الصهيونية.
كما لا بد هنا من التذكير بان الشعب الفلسطيني الذي قدم ولازال يقدم الغالي والنفيس من الممتلكات حتى الحرية الشخصية والأرواح والأمن والراحة, هو بحاجة لقيادة يكون شعارها في العمل والفكر والممارسة الصراحة وثم الصراحة والصراحة.. لا الوقاحة وثم الوقاحة, لأن إدانة عملية عمانوئيل تعتبر قمة السخرية والارتهان والارتماء والهزيمة والوقاحة. حتى بعض النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي وعلى رأسهم المناضل الصلب عزمي بشارة رفضوا إدانة العملية واعتبروها حقا مشروعا وشرعيا لشعب يرزح تحت الاحتلال ويقاتل الاحتلال, أما بخصوص من سماهم بيان السلطة مدنيين فهذه التسمية لا تنطبق على المستوطنين لأنهم جنود المشروع الكولنيالي الاستعماري الأستئصالي الاستيطاني الصهيوني.
كما أن شعبنا لم يقدم لهم عزيمة ودعوة لاستيطان أرضنا و بل انهم سرقوها وصادروها بالقوة وبالسلاح وبالترهيب والتقتيل، وهم لازالوا لغاية اليوم رأس حربة المشروع الصهيوني والحجر الذي يقف عثرة بطريق أي إسرائيلي يبحث عن السلام أو يفكر بالسلام الحقيقي.
في الختام نتمنى على السلطة إن ترتقي بمواقفها وترفعه لسقف الموقف العقلاني الذي يحترم إرادة الشعب ويقبل بخياراته الواضحة والأكيدة. لا يوجد سلطة على مر التاريخ نجحت في مسعاها دون دعم الجماهير ومساندة الشعب. فكيف الحال مع شعب أبي وعريق وعنيد ومثابر ومجاهد كشعب فلسطين؟ نضال حمد - اوسلو